كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

(الكنجينة) ٤١

ظهرت في السنوات الأخيرة أسماء بعض الإعلاميين الذين اتخذوا الإعلام وسيلةً للابتزاز والربح الحرام، وابتعدوا عن النزاهة وشرف المهنة. والسؤال الذي يعتمر رأسي: هل هؤلاء الإعلاميون عبارة عن شرذمة متفرقة، كلٌّ يعمل على هواه، أم فريق تجمعه المصالح والمآرب، ولكل إعلامي منهج حزب وقيادة ومدرسة؟ هناك كتاب بعنوان (250 تقنية سوداء في التلاعب النفسي) جمعت فيه الكاتبة لمى فياض مواد من كتب متنوعة تناولت القوة والسلطة والتلاعب النفسي والسيطرة على الآخرين وتحقيق المآرب بكل انتهازية ووصولية. اعتمد الكتاب على فلسفة روبرت غرين، وهو كاتب أمريكي ألّف كتباً في فن السلطة والإغواء واستراتيجية الحرب، وكتب مقالات عن التلاعب بالعقول والابتزاز العاطفي وضرورة تمثيل دور الضحية والتلاعب النفسي وصناعة السلطة. هذا الجليس السيئ يعلّم الإعلامي كيفية الابتزاز عبر التظاهر والتضليل، وافتراضية الكذب عند الناس وعدم الثقة، والمبالغة، وأدب المقايضة. أول مرة في حياتي أكتشف أن الشر ليس شعوراً اعتباطياً عابراً، بل له أبعاد فلسفية واجتماعية، وله ثقافة وتفاهة، وله فلاسفة مثل حنة آرنت، فيلسوفة الشر والثورة، وهي منظّرة سياسية وباحثة يهودية من أصل ألماني. ترفض مفردة "فيلسوفة" كون الفلسفة تتعاطى مع الإنسان بصيغته الفردية، وتصف نفسها بالمنظّرة السياسية، فهي تعمل مع البشر لا مع الإنسان بوصفه مفهوماً مجرداً. وتدرس كيفية تحويل الفرد المسالم إلى أداة لتنفيذ الجرائم، ومفهوم تخريب الوعي، ومفاهيم أخرى تمهّد لقيادة الشر، مثل مفهوم: (الشخص المتعب أسهل انقياداً للتلاعب)، وكذلك الخائف والمجهد والقلق؛ إذ يكون لديه ميل أقل للرفض، وأكثر قابليةً للتأثر. كما تتناول العدوانية التلاعبية وتمثيل الغضب من أجل فرض السيطرة، وترويج الأخلاقيات للناس، وتقليل قيمة الخصم، وتعزيز الشعور بالتفوق. هذا الكتاب يطالب الإعلامي بالتكرار المبطن لزرع الفكرة في العقول، وإثارة الشكوك، والاعتماد على التلاعب العاطفي بالناس، واستغلال المفردات عالية الجرس ذات الجذب العاطفي والشعوري مثل: (الناس، الشعب، الجياع، الفقراء)، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لما لها من تأثير قوي في الناس. ولابد للإعلام من إكثار الشواهد الحقيقية في الكذب كي يسهل تصديقه؛ ليكذب الإعلامي ما يشاء، ولكن يعتمد على بعض الشواهد الحقيقية، حتى لو زيفها. كما يدعو إلى استخدام الرشوة أو التلويح بقيم الأرباح. وعلى الإعلامي الساعي إلى الابتزاز أن يتعلم ضبط الكلام من حيث السرعة والنظرة، والتظاهر بحب الحقيقة والناس ليجذب الأضواء إليه، وأن يستعين بذكر بعض النصائح العابرة التي تُعد أداةً أساسية للمناورة، وقياس ردود الأفعال وتعديلها وفقاً للمصلحة، واستغلال الثغرات لخلخلة التوازن، وإخبار الناس بما يريدون سماعه، وعدم إظهار أي رحمة في المناورة، واستعمال أقوى عبارات العواطف وأشدها تأثيراً، واستغلال الأضعف، وزرع مزاج البهجة عند الناس، واستثمار لغة الدين. وعلى إعلامي الابتزاز أن يكون مثل الحرباء الاجتماعية، يتكيف مع البيئة، ويمثل دور العارف المتمكن الذي لديه معلومات عن كل شيء، ويقلد مظهر الغنى والرقي، وأن يتمثل بالمهنية الإعلامية. ومن خلال هذا الكتاب نفسه نستطيع أن نعرف ثغرات الإعلام اليوم، فمثلاً من أهم أسس الإعلامي أن تكون أهدافه مخفية، وألا يصرح بهدفه، بينما أغلب أولئك الإعلاميين يصرحون بالأهداف ويشتغلون في مساحة علنية، معتمدين على سذاجة المتلقي. لكن مهما تكن تلك السذاجة، فهي قادرة على التمييز وكشف الدجل الإعلامي.

المكتبة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!