ما هذه الدقة المتناهية في نقل الحديث ونقل الحدث نعم إنها لفحة الهجير ، وثمة هناك خمس شجيرات سمر ، وواحة عذب ماؤها فخلدها الحدث . عاد الحجاج من موسم الحج وما فيه من معاناة ، جمع جميع الأجناس قارب رقم الحجيج مائة ألف أويزيدن . وفي طريق العودة جاء الأمر الإلهي للنبي أن يتوقف هناك . فأمر النبي (ص) بإن يقف المتقدم ، لكي يلتحق به المتأخر . وحبس المتأخر لكي يجتمع على المتقدم . ثمة أمورٌ آخر صدر من النبي (ص) بإن يقمن ما تحت تلك الشجرات . لم أمر النبي (ص) بتنظيف المكان ؟ أراد النبي أن يُشير إلى الحاضرين بإن ينظفوا قلوبهم من الغل والحسد ليستعدوا لتقبل الأمر الإلهي الثقيل . وبعدها صدر أمرٌ آخر من النبي بإن تجمع أحداج الأبل ليصنع له منبراً منها ليعلو عليه . صعد النبي والأبصار ترمقه ، وريح الصحراء الحرة تلفح الوجوه . والشمس تصب إشعتها الحارقة على رؤوس الحاضرين لا يكاد أحدهم يتحمل شدة حر الرمضاء فكان نصف رداءه تحت قدميه ، والنصف الآخر على رأسه . عم الموقف الصمت ، والكل ينظر إلى النبي (ص) متى يتكلم ؟ وماذا يريد أن يقول ؟ وأي أمرٍ مهم جمعنا له ؟ ثمة كل واحد من الحاضرين يتراءى في ذهنه ألف سؤالٍ وسؤال . قطع النبي (ص) ذلك الصمت بصوتٍ جهوري فقال :" الحمد لله ونستعينه ونؤمن به ، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا لا هادي لمن ضلّ ، ولا مضلّ لمن هدى " فتهامس البعض وهل هناك شيء جديد أعتدنا على هذه (الكلمات ) في كل خطبة ! ولماذا يقول :"لا هادي لمن ضلّ ، ولا مضلّ لمن هدى " ؟ فهل هناك خطبٌ يستدعي أن ثمة بعد الهداية للإسلام يوجد ضلال ؟ ثم قال النبي (ص) : " وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله " فتهامس أخرون ، ونحن نشهد ، وهل هناك بعد هاتين الشاهدتين توجد شهادة ؟ وسكت النبي برهةً ، ثم قال : " أما بعد : أيها الناس قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبلي ، وإني أوشك أن أُدعى فأجيب ، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون ،فماذا أنتم قائلون " وصمت النبي . فقال بعض المنافقين : إعتاد محمد أن يخاطبنا بالمؤمنين فلماذا اليوم في كلامه يقول "أيها الناس" فهل بعد أداء فريضة الحج يوجد بيننا من لا يؤمن ؟ او هو ضعيف الإيمان ؟ ولماذا يقول :" نبأني" ولم يقول : " أخبرني " ثمة هناك خطبٌ جليل سوف يحدث بعد هذا الخطاب . وأمرٌ آخر مهم قاله بعض هؤلاء المنافقون : لماذ ذكر هذين الأسمين من أسماء الله (اللطف ) و( الخبير) ، ولم يكونا الرحمن الرحيم ؟ ثمة هناك أمرٌ لطيف ودقيق يريد يخبر به محمد هذا الجمع . وقال البعض : إنه بهذا الخطاب ينعى نفسه ، فهناك وصية مهمة يريد ان يُوصي بها أو يؤكد عليها . وبعد أن سكتت تلك الهمهمات . قال الحاضرون بأصوات مختلفة ونبرات متفاوته قالوا :" نشهد أنك قد بلّغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيرا" . ثم ساد الصمت مرةً أُرى فلا تسمع إلا أزيز الرياح تلفح الوجوه . فقال النبي (ص) : " ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وان محمداً عبده ورسوله ، وأنّ جنته حقّ وناره حقّ وأنَّ الموت حقّ وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنَّ الله يبعث من في القبور ؟" قال بعض الحاضرين : لِمَ هذا التكرار ونحن نعتقد بالله وبإنه نبي منه ؟ ولماذا يقول أن الجنة حق والنار حق والموت حق ؟ وما ربط ذلك بما جمعنا إليه فهل هناك حق يُريد أن يخبرنا عنه ؟ ولمَ هذا التأكيد . ولماذا التأكيد على الساعة والبعث ؟ فماذا يُريد أن يقول لنا في هذه الساعة ؟ أجابه الحاضرون : " بلى نشهد بذلك فأقرَ الحاضرون ببلى لا بنعم فهم مؤمنون بكل ما اتى به النبي (ص) ويشهدون على ذلك . ثم النبي هنا كان كعيسى روح الله مع الحواريين ، فقال النبي :" اللهم أشهد " أنهم أقروا على أنفسهم وأني ما قصرت في تبليغهم أصول الدين والعقيدة . وماذا بعد ذلك همس الحاضرون بصوتٍ غير مسموع .؟ فقال النبي : "ألا تسمعون ؟" تمتمت الشفاه ، وماذا نسمع بعد ذلك ؟ أجابوه بصوتٍ جماعي هز المكان قالوا : نعم هناك ما أجابوا ببلى ، نعم ، نعم وماذا وراء تلك النعم قال : " فأني فرط على الحوض ، وأنتم واردون عليّ الحوض ، وإنَّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظروا كيف تخلّفوني في الثقلين " فنادى مناد : وما الثقلان يا رسول الله؟ تهامس الحضور ، لِمَ ذكر الحوض هنا ما علاقة ذلك ؟ وإلى ما يريد أن يصل ؟ أما البعض فهم رسالة الرسول ، فإنه ربط بين هذا الحديث وحديث سابق ذكره النبي (ص) لهم
وهو حديث صحيح في البخاري : " أنا فرَطُكم على الحوضِ وليختلجنَّ رجالٌ دوني فأقولُ : يا ربِّ أصحابي فيقال : إنك لا تدْري ما أحدَثوا بعدكَ "، رقم الحديث (6576) وبصحيح مسلم برقم (2297) والحديث الآخر " يَرِدُ علَيَّ يومَ القيامَةِ رهطٌ من أصحابي ، فَيُحَلَّئُونَ عن الحوضِ ، فأقولُ : أيْ ربِّ ! أصحابي ، فيقولُ : إِنَّكَ لا عِلْمَ لكَ بما أحدثوا بعدَكَ ، إِنَّهم ارتَدُّوا بعدَكَ على أدبارِهم القَهْقَرَى" رقم الحديث ( 6585 ) . وكذلك فهم من له سابقة في الإسلام وطول صحبة مع النبي (ص) معنى الثقلان ، إلا أن جديدي العهد بالإسلام لم يفهم معنى الثقلين . فقال : " وما الثقلان يا رسول الله؟" والسائل هنا ذكي عبر عنه (رسول) الله ، ثمة أمر مهم يتعلق بالرسالة فهو أمرٌ من الله ، فأجاب النبي ذلك السائل ، قال :"الثقل الأكبر كتاب الله طرفٌ بيد الله عز وجل وطرفٌ بأيديكم فتمسكوا به لا تضلّوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض فسألت ذلك لهما ربي ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا " فهيم الجميع معنى الثقلان ، وانه نبأ كذلك نبأ أمر مهم ومهم جداً للغاية ، وكذلك العود بأسمين من أسماء الله (اللطيف ، والخبير) لكل ما دق وجل . ثمة هناك في خبايا النفوس رفض وأعتراض على الثقل الأصغر ، على العترة . لمَ هذه التوصية بالعترة ؟ لمَ هذه المحاباة . لكن النبي نقل عن ربه ، أن الهلاك حقيقة الهلاك في التقدم على الثقلين ، وفي التأخر والتقصير في عدم اللحوق بهما . وتسائلات النفوس في دواخلها ، وأختلجت الأوهام ، وما علاقة ذلك بحقيقة ما يُريد طرحه ؟ ما علاقة العترة ؟ ومن هو سيد العترة ؟ فقطع عليهم النبي تلك سلسلة التساؤلات والاستفهامات التي تختلج تلك الأوهام " بصورة عملية يجيبهم من هو سيد العترة . قال الراوي : " ثم أخذ بيد عليّ فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون" الله ما هذه الدقة بنقل المشهد الأبصارحدقت بذلك الشخص الذي رفعه النبي على أحداج الأبل وأوقفه إلى جانبه وأخذ بيده "حتى رؤي بياض آباطهما " عرف الجميع ذلك الشخص الذي رفعه النبي ، نعم إنه علي (ع) إنه ابن عمه إنه زوج ابنته إنه أبو سبطيه الحسن والحسين إنه سيف الله المسلول حقاً إنه الصديق الأكبر حقاً أو من صدق بالنبي إنه فاروق الأمة حقاً ، الذي أفترقت الأمة على حبه وبغضه إلى فرقتين . إنه علي نعم علي . ماذا عسى النبي أن يقول بحقه ، وقد أحرقتنا الشمس ، واحترقت قلوب البعض لرفعه لعلي ، وانشرحت قلوب القلة لرفعه لعل لأنها تعرف ماذا يريد النبي أن يقول الآن . فقال النبي (ص) : " أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟" هل سؤال النبي أختبار لنا ؟ ليكشف حقيقة الإيمان ، أم هو توبيخ تسائل بعضهم لبعض وفي حومة ذلك التشكيك قالوا : " الله ورسوله أعلم " نعم هذا أمر يرتبط بالرسالة ، ونحن برسالات السماء لا نفهم حتى يبين لنا الرسول المراد من تلك الرسالة . فقال لهم النبي قاطعاً ذلك التردد في النفوس :" إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم " بعد الرسول لما يكمل كلامه أعترضت تلك النفوس في حديث الضمائر ، وتحدثت بعقلها الباطني ، لم يأتِ بشيء جديد ، الله مولانا هو مالكنا والمتصرف بنا ، والنبي مسلمين لأمره وهو يتصرف بنا بما يرضي ربنا ، فولاية النبي من ولاية الله لا نشك في ذلك " فقطع النبي حديث النفوس ، وما يُخفيه العقل الباطن بقوله :" فمن كنت مولاه فعليّ مولاه " إذا ثمة أمر جديد بالنسبة للبعض ، وأمر ثبت من قبل للبعض الأخر أن ولاية علي هي أمتداد لولايتي ، وولايتي من ولاية الله ، فمن رد على علي رد عليّ ، ومن رد عليّ رد على الله . يقولها النبي ثلاث مرات ، لم الثلاث ؟ هل هو تأكيد ؟ أم شيء فوق ذلك ؟ وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة أربع مرات ولم يكتفِ النبي بإثبات الولاية لعلي (ع) بل جعل لها قيوداً فقال :" اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار ألا فليبلغ الشاهد الغائب " هل هذا دعاء من النبي (ص) ، أم أخبار . فإذا كان إخبار من النبي (ص) فلا يخبر إلا عن واقع ، وهذا هو الواقع لمن يتولى علي ، وواقع لمن يتبرأ من علي (ع) . وإذا كان دعاء من النبي (ص) فقطعاً دعاء النبي مجاب . هل انتهى الأمر عندما أكمل النبي خطبته ؟ هل لهذا الحدث ما يخلده القرآن ويبقى يُتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار . فقال الراوي :" ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله : ﴿ اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا﴾ [المائدة: ٣] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الله أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي ، والولاية لعلي من بعدي " ثمة كان نقصٌ في الدين اليوم إكتمل .
ثمة هناك فراغ في النعمة فاليوم تمت . وثمة هناك رضا للرب لا يتحقق ولا يكتمل ولا يتم إلا بولاية علي بن أبي طالب (ع) قال الراوي بعد ذلك :" طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه وممن هنأه في مقدم الصحابة : الشيخان أبو بكر وعمر كلٌّ يقول : بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ". عجباً عجبا من كلمة ( طفق ) فماذا تعني باللغة العربية ؟ هو من أفعال الشروع أي شرع الصحابة لبيعة علي بن أبي طالب (ع) . وثمة عبارة قالها الشيخان " بخ بخ " : وتعني باللغة العربية "كلمة عربية فصيحة تُستخدم للتدليل على المدح، الرضا، الإعجاب، والانبهار بشيء ما" ولماذ قالا : "أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" إنها الولاية ياقوم ، حقيقة أدركها الصحابة بسليقتهم العربية . قال الراوي قال ابن عباس :" وجبت والله في أعناق القوم " كيف فهم ابن عباس ، أن الولاية واجبة وأنهم بعد أن بايعوا علي بن أبي طالب (ع) ، أنها في أعناقهم . ثم قال الراوي : " فقال حسان إئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهن ، فقال : قل على بركة الله ، فقام حسان فقال : يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية ثم قال : يناديهم يوم الغدير نبيهم بـخم وأسمع بـالنبي مناديا" هذه هي حادثة الغدير وحديثها . خلدها القرآن ، وكلمة ابن عباس ، وشعر حسان . وأما متن الخطبة فمضامينها لا تقبل الشك أن تنصيب علي بن أبي طالب ( ولي للمؤمنين) شيء لا يقبل الشك والمغالطة أنه من أمهات المسائل الأعتقادية بدليل السياق ، ومضامين الخطبة . ومع ذلك "حفظوا بياض الأبطين وأضاعوا المضمون " مصدر الخطبة : الغدير ، الأمينيّ، ج ١ ، ص ٢٩-٣٠


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!