هل نزل إلى الماء أم صعد الماء إليه؟
هل فرح عندما لامست كفَّه الماءُ، أم فرح الماءُ عندما لامستْه كفّاه؟
نعم، لم تنعكس صورتُه في الماء، بل انعكست صورةُ أخيه.
لقد كتب بدمه على الماء معنى الأخوّة،
معنى الإيثار،
معنى المواساة،
معنى الوفاء.
لقد اختُزلت كلُّ أوسمة النبل والشرف في هذا الموقف.
وقف الدهرُ يرفع قبعتَه إليه،
والزمنُ جثا على ركبتيه يحيّيه،
والدنيا وضعت خدَّها تحت قدميه.
حاولت يدُ الشهامة أن تصافحه، لكن صافحتْه يدَا الشهادة.
لقد استحت عينُ الحقيقة أن تنظر إليه، لكن الحقَّ نظر من عينيه.
زمجرت سيوفُ الباطل لما حمل الماء،
فزمجر في وجهها حتى ذابت خجلاً.
لم تقف في وجهه الرجالُ، بل ترجلت أمامه كلُّ معاني الخسة والنذالة.
حاولت أن تثنيه عن الوصول إلى الخيام، لكن خيَّم الجهلُ أمام ناظريه كالسحاب الأسود.
صليلُ السيوف نغمةٌ كانت تداعب أذنيه منذ المهد،
وصهيلُ الخيل ترنيمةٌ كانت عنده أحلى من الشهد.
لم يكن هناك رجلٌ يقف أمامه ليحول بينه وبين الخيام،
لكن للغدر صفةَ الجبن حين يحتمي بجذوع النخيل.
نعم، قطع الغدرُ يمينَه، لكنه قطع وتينَ الدين.
نعم، قطع الغدرُ شمالَه، لكنه قطع شملَ المسلمين.
نعم، أصاب عمودُ الغدر رأسَه، لكنه أصاب رأسَ سيد المرسلين.
نعم، أصاب السهمُ عينَه، لكنه أصاب عينَ أمير المؤمنين.
نعم، سقط من جواده إلى الأرض، لكنه سقط في حجر سيدة نساء العالمين.
لم يصرخ من الألم، لكنه صرخ:
«أخي حسين… أخي حسين
وكان الحسين ينتظرها طوال تلك السنين الحزينة.
كلمةٌ روت قلب الحسين، فهي أصفى من الماء.
كلمةٌ عند الحسين أنسته حرَّ الظمأ.
كلمةٌ أبكت ملائكةَ الله في السماء.
لقد انكسرت أقلام الشعراء والأدباء عندما وقف الحسين على مصرعه.
انكسر خاطرُ الحسين، بل انكسر ظهرُه.
جلس عنده، فجلست آياتُ الجلال والجمال حوله.
مشهدٌ لا يمكن إعادة تمثيله على خشبة مسرح الحياة.
لم يبكِ الحسينُ ذلك الموقف فحسب، بل أبكى الأعداء.
لم يرَ العباسُ أخاه الحسين بتلك الحال، بل شاءت السماء أن تكون عينا العباس مغمضتين؛ لأنه لو رآه لمات ألماً عليه.
لم يكن العباس خائفاً في تلك الساعة من الموت، بل كان خائفاً ألّا يرى أخاه في آخر لحظة من حياته.
تكلم العباس بكلماتٍ لما شعر أن هناك شخصاً قريباً من رأسه.
كلماتٌ يريد أن يوصلها إلى التاريخ، وأن تُكتب بماء العيون على جبين الدهر.
قال العباس: يا هذا، لا تستعجل بقطع رأسي حتى أودع أخي وحبيبي الحسين.
تقاطرت دموع الحسين على وجه العباس.
نعم، أخي عباس…
نعم، أخي عباس…
أنا أخوك الحسين، أنا أخوك الحسين.
حاول الحسين حمله،
لكن غيرة العباس أبت.
قال: أخي حسين، دعني أموت في مكاني هنا.
لِمَ يا أخي؟ لِمَ يا أخي؟
قال العباس: لأمرين:
الأول: واعدتُ سكينةَ بالماء، وإني مستحٍ منها.
الله يا قمر العشيرة!
في آخر لحظة علَّمتنا معنى الوفاء بالوعد.
سيدي، أنت معذور، وهذه حرب.
لكن أبا الفضل أبى إلا أن يكون أبا الفضل.
إنه يعلمنا معنى الكلمة، وثمن الكلمة،
ويعلمنا معنى الوفاء،
ويعلمنا معنى الحياء: «إني مستحٍ منها».
والثاني: نزل بي الموت الذي لا بد منه.
ثم ختم العباس حياته، وشفاهه تتمتم باسم الحسين:
حسين… حسين… حسين…
قام الحسين من عند مصرع أخيه، وقعدت الدنيا.
قام وهو محنيُّ الظهر، لكن الدهر انحنى له إجلالاً وإكباراً.
قام وهو يكفكف دموعه، إلا أن دموع محبيه على مصرع أخيه لم تجف.
مشى نحو المخيم، لكنه كان ينتظر سؤالاً من الأطفال،
وسؤالاً من سكينة،
وسؤالاً من أخته زينب.
أسئلةٌ لا يمتلك الحسين لها جواباً، ولا يكاد اللسان ينطق بخبر شهادة أبي الفضل.
سأله الأطفال: أين عمُّنا العباس؟ وأين الماء؟
وسألته سكينة: أبتاه، أين عمي العباس؟
وسألته الحوراء زينب:
أراك وحدك؟
أخي، ليس من عادتك أن تأتي بلا ظل.
أين أخي؟
أين كافلي؟
أين ابن والدي؟
لم يجب الحسين أحداً.
كان الصمت جواباً.
وصل إلى الخيمة، وكأن حتى عبد الله الرضيع يسأل أباه: أين عمي؟
توجه الحسين إلى خيمة العباس، فسحب عمودها.
فسقطت الخيمة.
أي: يا بنات الرسالة، إن الخيمة التي كانت تحميكن قد سقطت.
أختاه زينب، تركتُ القمر على النهر، يبكي عليه القمر.
أختاه زينب، سقط العباس
وسقط اللواء
وسقط القلم
انتهى المشهد،
ويُعاد المشهد يوم المنتهى


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!