في مطلعِ شهرِ محرمَ الحرام، شهرَ الحقِ واليقظةِ ومراجعةِ الضمائر، لا نقفُ عندَ المآسي الكبرى بوصفها أحداثا منْ الماضي، بلْ نتأملُ جذورها وأسبابها التي ما زالتْ تتكررُ بأثوابٍ جديدةٍ وأسماء مختلفة. لمْ يكنْ مقتل الإمامِ الحسينِ (غ) في كربلاءَ ثمرة سيف مجرد، ولا نتيجةْ قرارِ فردٍ واحدٍ اسمه الفاجر اللعين (يزيد بن معاويةَ ) ، بلْ كانَ وراءَ المأساةِ جيش آخر لا يقلُ خطرا عنْ حملةِ السيوفِ والرماح؛ جيش منْ المزوقينَ الذينَ ألبسوا الباطلَ ثوبَ الحق، وزينوا للناسِ صورةَ الحاكم، وأخفوا عيوبه، وطمسوا الحقائقَ حتى اختلطتْ على كثيرٍ منْ الناسِ معالمُ الهدى والضلال.
لقدْ عرفَ هؤلاءِ حقيقةَ اللعين (يزيد)، وعرفوا ما في حكمهِ منْ انحرافٍ وظلمٍ وفساد، لكنهمْ باعوا ضمائرهمْ لمصلحةٍ أوْ جاه أوْ خوف، فراحوا يصنعونَ لهُ هالة منْ الشرعيةِ والهيبة، ويزينونَ أفعاله، ويبررونَ أخطاءه، حتى أصبحَ الاعتراض على الباطلِ عندَ بعضِ الناسِ خروجا، وأصبحَ الوقوف معَ الحقِ تهمة يدفعُ صاحبها الثمنَ غاليا.
وهكذا لمْ يكنْ الحسينُ (غ) يواجهُ طاغيةً وحسبا، بلْ كانَ يواجهُ منظومةً كاملةً منْ التزييفِ والتضليل، أرادتْ أنْ تجعلَ الأمة ترى الباطلَ حقا، والحقّ باطلا. وقدْ حذرَ القرآن الكريم منْ هذا المسلكِ الخطيرِ بقولهِ تعالى:( ولا تلبسوا الحقَ بالباطلِ وتكتموا الحقَ وأنتمْ تعلمون) .
فالكارثةُ ليستْ في الجهلِ بالحقيقة، بلْ في معرفتها ثمَ إخفائها عمدا خدمة للباطل. وكأنَ كلماتِ الإمامِ عليّ بن أبي طالبٍ (ع ) : ( إذا سكتَ أهلُ الحقِ عنْ باطلٍ توهمَ أهلُ الباطلِ أنهمْ على حق)، كانتْ تصفُ الطريقَ الذي مهدَ لكربلاء؛ فكيفَ إذا لمْ يكتفِ البعضُ بالصمت، بلْ تحولوا إلى أبواقٍ للتزييفِ وشهود زورٍ يزينونَ الفساد، ويخدرونَ وعي الناس.
في الأولِ منْ محرم، ونحنُ نستذكرُ قيمَ العدالةِ والصدقِ التي جاءَ بها الإسلام، نستحضرُ الحسينَ (ع) لا بوصفهِ شهيدَ كربلاءَ فحسب، بلْ بوصفهِ صوتَ الحقيقةِ الذي رفضَ أنْ يساومَ على الدينِ والكرامة، نستذكره، وهوَ يقفُ وحيدا أمامَ إمبراطوريةٍ منْ السيوفِ والأكاذيب، ليعلنَ أنَ الحقَ لا يقاسُ بكثرةِ الأتباع، وأنَ الباطلَ لا يصبحُ حقا مهما ازدحمَ حولهُ المادحونَ والمصفقون.
لقدْ رحلَ (يزيد) اللعين، ورحلَ الذينَ زوقوا له، وبقيَ الإمامُ الحسينُ (ع) حيا في ضميرِ الأمة، فقد اندثرتْ الألقابُ المصطنعة، وسقطتْ المدائحُ المأجورة، وبقيتْ كربلاءُ شاهدةً على أنَ التاريخَ لا يحفظُ الزينةَ الكاذبة، بلْ يكشفُ الوجوهَ مهما تنكرتْ خلفَ الأقنعة.
ما أشبهَ الأمسِ باليوم؛ فالمزوقونَ لمْ ينقرضوا، وإنما غيروا ثيابهمْ ولغتهمْ وأساليبهم. بالأمسِ كانوا يزينونَ للطغاةِ منْ فوقِ المنابر، واليومَ يفعلُ بعضهمْ ذلكَ عبرَ الشاشاتِ والمنصاتِ والمجالس، يلمعونَ الفاسد، ويخفونَ عيوبه، ويصنعونَ لهُ صورة لا تشبهُ حقيقته، طمعا بمصلحةٍ أوْ قربَ منْ نفوذ، لكنَ سننَ التاريخِ لا تتغير؛ فكلّ طاغيةٍ يحتاجُ إلى مزوق، وكلّ فسادٍ يبحثُ عمنْ يبرره، غير أنَ الحقيقةَ تبقى أقوى منْ التزييف، كما بقيَ اسمُ الحسينِ (ع) منارة للحق، وبقيَ اسمُ قاتليه، ومنْ أعانهمْ رمزٌ للخزي مهما حاولَ المزوقونَ تزيين صفحاتهم.
سلامٌ على الحسينِ يوما ولد، ويوم نهضَ مدافعا عنْ الحق، ويوم استشهدَ مظلومٌ في كربلاء، ويوم يبعثُ حيا، وسلامٌ على كلِ منْ يحملُ رايتهُ في مواجهةِ الظلمِ والتزييف، في زمنٍ تتبدلُ فيهِ الوجوه، لكنْ تبقى المعركةُ ذاتها بينَ الحقِ وأهله، والباطل ومزوقين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!