هل عبارة «ممنوع الدخول» تخضع لمزاج المعلمة أم لقانون تربوي تنظمه الأنظمة الإدارية؟ سؤال يفتح الباب أمام كثير من الممارسات التي اعتدناها داخل المؤسسات التعليمية، مع أن بعضها لا يستند إلى تعليمات رسمية بقدر ما يستند إلى أعراف وتقاليد تربوية موروثة.
أنا معلمة عراقية أنتمي إلى محافظة عريقة بعراقيتها، وأعرف جيداً طبيعة البيئة العراقية وخصائص الروح العراقية. كما أعرف أن البيت العراقي ما زال حريصاً على متابعة القضايا الدينية والثقافية، وهذا أمر يدعو إلى الاطمئنان. ولا أرى بأساً في أن ينفتح أبناؤنا على المعرفة، وأن يتعرفوا إلى شؤون العلم والأدب والفن والحياة بصورة طبيعية، بعيداً عن القسر والتصنع، لأن تنوع الاهتمامات يثري الشخصية وينمي الوعي.
أفرح كثيراً حين أجد طالبة تقرأ القرآن الكريم أو تروي حديثاً عن النبي وآله الأطهار (صلوات الله عليهم)، وأفرح أيضاً بطالبة تهتم بالرياضة وتتابع أخبار الفرق العراقية، كما يسعدني أن أرى طالبة مولعة بالشعر والثقافة والأدب، تحفظ الأبيات والحكم وتستمتع بالقراءة. فكل هذه الاهتمامات تصنع إنساناً أكثر نضجاً واتزاناً.
لكن ما يثير قلقي هو أن نحمل إلى هذه العقول الندية أعباء السياسة وصراعات الأحزاب وأخبار الحروب بكل تفاصيلها. فمثل هذه الموضوعات لا ينبغي أن تجد لها مكاناً في قاعة الدرس. وأتعجب حين أرى طالبات في عمر الورد يتحولن إلى محللات سياسيات، يرددن خطابات ومواقف مستنسخة من بعض البرامج السياسية، في حين يغيب عن هذه الحوارات احترام الرأي الآخر وثقافة الحوار.
لقد أصبح الفضاء الإلكتروني مزدحماً بأخبار الحروب ومشاهد العنف ومخاوف الصراعات، حتى باتت هذه الأجواء تتسلل إلى أحاديث الطالبات ونقاشاتهن اليومية. نعم، من حقنا أن نربي أبناءنا على الوطنية وحب العراق والانتماء إليه، لكن ليس من حقنا أن نغرس في نفوسهم الخوف والقلق الناتجين عن متابعة الحروب وأجواء التوتر السياسي.
لا نريد لقاعات الدرس أن تتحول إلى ساحات للجدل الحزبي أو المقارنات السياسية، حيث تمجد كل طالبة قائداً أو حزباً أو توجهاً معيناً. إن المدرسة فضاء للمعرفة، ومكان لبناء الشخصية الوطنية الواعية، لا لتكريس الانقسامات والاصطفافات الضيقة.
وللأسف، وجدت أن بعض أحاديث الطالبات بدأت تحمل قدراً من الحدة والتعصب يبعث على القلق. وأنا، بوصفـي معلمة، أؤمن بأن مهمتي هي تنمية الوعي الفكري والثقافي، وتعزيز قيمة المعرفة والحوار واحترام الاختلاف. لا أريد الصمت لطالباتي، بل أفرح حين تتحدث إحداهن بوعي ومعرفة، لا بلغة الإلغاء والاتهام والشعارات الجوفاء.
إن من المؤلم أن نزرع في نفوس بناتنا بذور التعصب ومشاريع الإقصاء والكراهية، بينما يفترض أن نعلمهن التسامح والانفتاح وحب الإنسان. وليس بيننا بيت لا يحب العراق أو لا يتمنى لأبنائه مستقبلاً آمناً ومشرقاً، لكن مسؤوليتنا تقتضي أن نبعد أبناءنا عن أجواء الحرب وأخبارها القاسية، وأن نحفظ لهم طفولتهم وطمأنينتهم.
ولهذا أقولها بصراحة، وعلى مسؤوليتي التربوية:
ممنوع دخول الحرب إلى الصف.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!