كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين لا يشفع الولاء للدول الكبرى .. قراءة واعية للتاريخ

 غالباً ما يُلقى اللوم على مرجعيات الشيعة في العراق ؛ بدعوى أن موقفها المناهض للاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى ، وقيادتها لثورة العشرين ، والمعارضة الشديدة للانتداب ، هي التي دفعت بريطانيا العظمى لاتخاذ موقف عدائي تجاه الشيعة ، مما مهد الطريق لترجيح كفة السنة في معادلة الحكم آنذاك.
 هذه النظرة لم تعد مجرد قراءة تاريخية ، بل تحولت إلى عقدة سياسية  ترسخت في أذهان الفئات السياسية الشيعية المعاصرة ، مما دفعها للتفاعل بقلق واضطرار مع كل مشروع سياسي خارجي ، خشية أن يطالها  عقاب  تاريخي مشابه لما يعتقدون أنه حدث في الماضي , إلا أن البحث في عمق الحقائق التاريخية يكشف أن هذه القراءة تعاني من اختزال مخل ؛ فالقوى الاستعمارية لا تدار بمنطق العاطفة ، أو الثأر الشخصي ، أو الرغبة في التأديب , بل  إنها كيانات تدار وفق عقلانية باردة ومعادلات توازن قوى معقدة ، تدرسها بدقة فائقة وتتحرك في ضوئها, ففي قاموس هذه القوى ، لا توجد ثوابت عاطفية ؛ إذ يمكن أن يتحول أشد أعداء الإمبراطورية تطرفاً في فترة ما إلى حليفها المفضل ، بينما يُنحى الحليف الأكثر إخلاصاً ويُترك لمصيره إذا ما تغيرت خارطة المصالح.
دروس التاريخ: وهم الحماية
إن تاريخ العلاقات مع القوى الكبرى يزخر بشواهد دامغة تؤكد أن  الولاء للمستعمر  لم يكن يوماً صمام أمان أو ضمانة للبقاء ، بل كان مجرد أداة توظفها القوى العظمى لتحقيق أهدافها المرحلية:
•    الشريف حسين:  يظل النموذج الأبرز للخذلان الاستعماري؛ فقد كان حليف الإنجليز الأول ضد العثمانيين، ومع ذلك ، كان البريطانيون يوقعون سرياً اتفاقية  سايكس- بيكو  لتقسيم النفوذ ، وانتهى به الأمر منفياً ومهمشاً ، بينما قوّض البريطانيون سلطته لصالح عبد العزيز آل سعود الذي مكّنوه من تثبيت أركان ملكه.
•    الشيخ خزعل الكعبي : كان نموذجاً للحليف القوي الذي رفض الاستجابة لفتوى المرجعية بمقاومة الاحتلال وفاءً لتحالفه مع بريطانيا , لكن هذا الوفاء لم يشفع له حين تغيرت الحسابات البريطانية ؛ فقد قررت لندن تقويض إمارته في المحمرة وإلحاقها نهائياً بإيران ، ضاربة عرض الحائط بكل علاقات التحالف السابقة.
•    نوري السعيد:  رغم كونه مهندس التحالف العراقي-البريطاني ، إلا أن هذا الالتصاق بالسياسة البريطانية لم يمنع لندن من التخلي عنه في لحظات حرجة ، حين أدركت أن بقاءه لم يعد يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
•    شاه إيران:  الذي عُرف بكونه  شرطي الخليج  وحليف الغرب الاستراتيجي ، لم يجد في علاقاته التاريخية حماية له عندما قررت القوى الدولية التضحية به في إطار حسابات الاستقرار القلق في المنطقة.
سيكولوجية التحالف الاستعماري
إن السقوط في فخ الولاء للدول الكبرى ليس وليد الصدفة ، بل هو نتاج سوء فهم عميق لسيكولوجية الدولة العظمى؛ فهي تنظر إلى حلفائها كـ  أصول استراتيجية   يتم تقييم قيمتها دورياً, وعندما تنخفض  قيمة  الحليف أو يصبح عبئاً على الاستقرار الإقليمي ، يتم التخلص منه بنفس السهولة التي تم بها تبنيه, وهذا يفسر لماذا يتفاجأ الحلفاء دائماً بقرارات الخذلان؛ لأنهم يخلطون بين التعاون السياسي وبين الصداقة التاريخية التي لا وجود لها في قاموس العلاقات الدولية.
من المفارقات التاريخية أن القوى الكبرى قد تنقلب على حلفائها ليس لأنهم ضعفاء ، بل لأنهم أصبحوا  أقوياء أكثر من اللازم . لذا، فإن إضعاف الحليف أو التضحية به هو في حد ذاته  عملية جراحية  تقوم بها القوى الكبرى للحفاظ على ميزان القوى لصالحها، مما يجعل الولاء المطلق للمستعمر خطراً وجودياً على الحليف نفسه.
قانون الاستقرار القلق وأدوات الهيمنة المعاصرة
إن ما يحكم تعامل القوى الكبرى ليس الطائفية ، بل قانون  قانون الاستقرار القلق, هذا القانون هو المعيار الأساسي الذي تعتمده القوى الكبرى في إدارة الدول ذات الأهمية الجيوسياسية ؛ فهي لا تهدف إلى إرضاء مكون بعينه ، بل إلى إبقاء المنطقة في حالة من  التوتر المسيطر عليه .
إن القوى الكبرى لا ترغب في استقرار مطلق يغنيها عن التدخل، ولا ترغب في فوضى عارمة تخرج عن السيطرة ، بل تسعى لخلق توازن هش يجعل جميع الأطراف بحاجة إلى  وسيط خارجي  يمسك بخيوط اللعبة.
وفي العصر الراهن، تطورت هذه الاستراتيجية لتصبح  سيطرة ناعمة ؛ حيث تُدار الدول عبر هندسة التحالفات الهشة، وتغذية الاستقطابات ، والتحكم في الموارد ، لضمان استدامة النفوذ دون الحاجة إلى تكاليف احتلال عسكري مباشر. إن بقاء هذه المجتمعات في حالة من القلق المزمن هو الضمانة الحقيقية لاستمرار النفوذ الدولي.
خلاصة الرؤية
بناءً على ما تقدم ، يتبين أن العتب على المرجعية بسبب مواقفها التاريخية هو عتب في غير محله ؛ لأن الأحداث التي شهدها العراق لم تكن نتاج مواقف طائفية ، بل نتاج معادلات دولية لا تعترف بالولاء ولا تؤمن بالثوابت الأخلاقية.
 إن فهم ما يجري اليوم يتطلب الفكاك النهائي من عقدة التاريخ وأوهام المواقف الشخصية التي تتخذها الدول تجاهنا.
إن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالح باردة  لا تلتفت للولاء بقدر التفاتتها للمتغيرات الاستراتيجية وبالتالي ، فإن الحليف الحقيقي لأي شعب ليس هو القوى التي تراهن على وعود المستعمر المتقلبة ، بل هو القوى التي تنبع من تماسكها الوطني الداخلي، وتعي أن التحرر الحقيقي يبدأ حين ندرك أن علاقاتنا مع الخارج يجب أن تكون علاقات ندية ومصلحية ، لا علاقات تابع ومتبوع يرتجف خوفاً من خذلان لا يمكن للمستعمر إلا أن يمارسه.
*اكاديمي وكاتب مستقل 

0-14.webp

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!