مقدمة:
في الليالي السابقة وقفنا عند "ليالي الاستثمار"، و"القواعد الخمس في مكافحة الذنوب"، و"الإمامة في زمن الصمت"، واليوم نصل إلى لبّ المعركة الأخلاقية: إنها معركة "الظلم"؛ ذلك المنبع الذي لا يولد إلا الدمار، والخروج عن التوازن الإلهي في الوجود. إن الدنيا دار التزاحم بين الأضداد: نور وظلام، حق وباطل، عدل وظلم؛ فإما أن يكون الإنسان من قبيلة هابيل المقتول، أو قابيل القاتل، وإما أن ينتمي لمعسكر الحسين (عليه السلام) أو معسكر يزيد بن معاوية. قال تعالى: {إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} [سورة الشورى: 45].
1- ماهية الظلم ومنطلقاته التاريخية والحضارية
الظلم لغةً هو "وضع الشيء في غير موضعه"، وهو التعدي من الحق إلى الباطل. عند مراجعة الحضارات من السومرية والأكدية وصولاً إلى اليونانية والرومانية، نجد إجماعاً عقلياً على قبح الظلم. وقد أجاد الأب سهيل قاشا في كتابه (الحكمة في وادي الرافدين) بجمع تلك الحكم التي تحذر من الظلم، ومنها قوله: "إن الله سيلجم فم الظالم وسيقطع لسانه". إن الظلم مفهوم شامل لا يختص باعتداء فرد على آخر، بل يمتد ليشمل ظلم الفرد لنفسه ولعائلته وللمجتمع. وعند مراجعة العهد القديم والجديد، نجد رفضاً قاطعاً للظلم:
أ- سفر اللاويين: "واذا نزل عندك غريب في ارضكم فلا تظلموه".
ب- سفر صموئيل الأول: "لا تظلم اجيرا مسكينا وفقيرا من اخوتك او من الغرباء".
ت- سفر زكريا: "وانقذوا المغصوب من يد الظالم... ولا تضطهدوا ولا تظلموا ولا تسفكوا دماً زكياً".
ث- أعمال الرسل: "انتم اخوة لماذا يظلم بعضكم بعضا".
ج- سفر أيوب: "ولا يسكن الظلم في خيمتك".
ح- سفر يشوع: "اموال الظالمين تجف كالسيل".
خ- رسالة بولس: "ام لستم تعلمون ان الظالمين لا يرثون ملكوت الله".
2- آثار الظلم وعواقبه الوخيمة
حذرت النصوص الدينية من أن الظلم طريق مسدود:
أ- حرمان الفلاح: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [سورة الأنعام: 21].
ب- انعدام الهداية: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة آل عمران: 86].
ت- الهلاك التاريخي: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [سورة يونس: 13].
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): "من أكل مال أخيه ظلماً، أكل جذوة من النار يوم القيامة". وهنا يتجلى قبح الظلم في أبشع صوره التاريخية، فكيف بمن يبيد شعباً كاملاً ويقوم بتصفيته جسدياً؟ كما فعل زعيم كمبوديا (بول بت) الذي اختطف كمبوديا لمدة أربع سنوات (1974-1979)، وقتل 4 ملايين نسمة، وآلافاً من المسلمين، ولكنه مات بسكتة قلبية. ولا شك أن من لا ينال جزاءه في دار الدنيا، فإن هناك عالماً سيحاسب فيه الظالم على كل ما ارتكبه.
3- أنواع الظلم وأزمة الفكر الإنساني
يُقسم الظلم إلى ثلاثة أنواع تُشكل في مجموعها أزمة الفكر الإنساني:
أ- ظلم النفس: غياب المراقبة وتزكية الذات.
ب- ظلم العائلة: الإهمال التربوي والقسوة.
ت- ظلم المجتمع: الاستعلاء وتغليب المصلحة الشخصية على العامة. وهنا يضرب الأديب مثلاً بدودة القز التي تبني لغيرها وتفنى، بينما الظالم يهدم غيره ليبني لنفسه، فيقول:
كدودة القز ما تبنيه يقتلها وغيرها بالذي تبنيه ينتفعُ
4- استراتيجية العلاج الفكري (مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)
العلاج يبدأ من "الذهن" قبل "الجوارح" عبر آليات دقيقة:
أ- المراقبة: حصر الأفكار المرتبطة بالظلم في زاوية ضيقة للتشخيص والمحاسبة.
ب- المحاكمة: تفعيل دور العقل (الإيقاف) والقلب (عدم الرضا). تستند هذه الآلية إلى القاعدة الشريفة: "العقول أئمة الأفكار، والأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الحواس". إن ممارسة "المحاكمة الفكرية" هي التي تمنع تحول الفكرة إلى فعلٍ ممارس.
الخاتمة - بين "عمر بن سعد" و"الحر بن يزيد"
في كربلاء، تجلى الفرق بوضوح؛ فعسكر ابن سعد فقدوا روح المراقبة واستسلموا للظلم، بينما مارس 32 رجلاً -منهم الحر بن يزيد الرياحي- "المحاكمة الفكرية" فانتقلوا من معسكر الظلم إلى معسكر الحق. إن حملة الفكر الأموي مارسوا أبشع الجرائم بتصاعدهم من حرق القلوب إلى حرق الخيام. وها نحن اليوم ننتظر الفرج، ونتأسى بما قاله السيد أبو المعز القزويني:
أحلماً وكـادتْ تموتُ السُّـنَن ... لطولِ انتظارِك يابنَ الحَسَنْ
وأوشكَ دينُ أبـــــــــــيكَ النّبيِّ ... يُـمحى ويرجَعُ دينُ الوَثَــــــــنْ
وَهذِي رَعَايَاكَ تَشْــــكُو إِلَيْكَ ... مَا نَالَهَا مِنْ عَظِيمِ الْمِحَـــــــنْ
تُنَادِيـــــــــــكَ مُعْلَنَةً بِالنَّحِيبِ ... إِلَيْكَ وَمُبْـــــــــدِيَةً لِلشَّـــــــــــــــجَنْ
فَمِذْ عَمَّنَا الْجَوْرُ وَاسْتَحْكَمُوا .. بِأَمْوَالِنَا وَاسْتَبَاحُوا الْوَطَــــــــنْ
شَخَصْنَا إِلَيْكَ بِأَبْصَــــــــــــــارِنَا ... شُخُوصَ الْغَرِيقِ لِمَرِّ السُّفَنْ
نسأل الله بصيرة العقل وطهارة القلب، لنكون من أعداء الظلم وأنصار الحق. والحمد لله أولاً وآخراً.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!