المقدمة
إنَّ أروعَ تعريفٍ للموت في تاريخ التضحيةِ هو قولُ القاسمِ بن الحسن: "يا عمّاه، الموتُ بين يديك عندي أحلى من العسل". هذه الكلمةُ ليست عاطفةً عابرةً، بل هي تلخيصٌ لفلسفةِ الوجودِ وقمةُ "فقهِ المعادِ" الذي نفتقرُ إليه في زمنِ الغفلةِ. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة الوسيلة: "اعلموا أيها الناس: إنّه من مشى على وجه الأرض، فإنه يصير إلى بطنها". هذا الموتُ الذي يراهُ الماديون "هدماً" للأعمارِ، رآهُ القاسمُ "بناءً" لخلودٍ أبديٍّ، حينما اقترنَ بحبِّ الحسين (عليه السلام). الفلاسفةُ الماديون الذين أغرقتهم الحياةُ في العبثِ، انتهى بهم المطافُ للانتحارِ، لعدم إيمانهم بأن للموتِ طعماً غيرَ مرارتهِ. لقد مارسوا كل اللذائذِ، حتى ضاقت بهم الدنيا؛ لأنهم فقدوا لذةَ الطاعةِ واللقاء، وهي اللذةُ التي تذوقها القاسمُ فصيّر الموتَ حلواً. نحن اليوم، كأتباعٍ لنهجِ الحقِّ، نحتاجُ أن نفقهَ الموتَ كرحلةٍ لا كنهاية، وكجسرٍ لا كقبرٍ يُطبقُ على الأنفاسِ. إنَّ الموتَ هو الحقُّ الذي لا مفرَّ منه، ولكنَّ الفرقَ بين صاحب المعرفة والغافلِ هو في كيفيةِ الاستعدادِ لهذا الميقاتِ الرهيبِ. الآخرةُ هي دارُ العدلِ الإلهيِّ، حيث تُنصفُ المظلومَ من الظالمِ ممن رحلوا ولم يُحاكموا في الدنيا. فلنبدأ رحلةَ الفقهِ في هذا المعنى، ولنستحضرْ دائماً صورةَ القاسمِ وهو يرى الموتَ عسلاً، في عالمٍ يراهُ الناسُ مراً، وهذا ما سوف نبحثه في خلال الأمور الآتية:
أولاً: الاستعداد للموت قبل حلول الفوات
يقول الإمام علي (عليه السلام): "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرورِ، وَالاِنابَةَ إِلى دارِ الخُلُودِ، وَالاستعدادَ للموتِ قَبْلَ حُلُولِ الفَوْتِ". الاستعدادُ ليس مجردَ كلمةٍ، بل هو فعلٌ يتجلى في كلِّ لحظةٍ نعيشُها على هذه الأرضِ قبل أن نرحلَ إلى بطنِها. القاسمُ بن الحسن لم يقل "أحلى من العسل" إلا لأنه كان قد استعدَّ للقاء اللهِ تعالى، فزالَ الخوفُ وحلَّ الشوقُ محله. الحسين (عليه السلام) علّمنا أن الموتَ سعادةٌ، والحياةَ مع الظالمين إلا برما؛ وهذا هو جوهرُ القوةِ التي لا تملكها إلا النفوسُ المطمئنةُ. هل نحن مستعدون؟ هل فكرنا في الكفن الذي سنلبسه في لحظةِ اللقاءِ الكبيرِ، وهل هو من حلالٍ أم حرامٍ؟. فقهاؤنا يقولون: الصلاةُ في لباسٍ غيرِ مخمّسٍ مشكل حتى يستخرج منه حق الله تعالى، فكيف بلقاءِ اللهِ تعالى في ثوبِ غفلةٍ أو ثوبِ مالٍ فيه شبهةٌ؟. كان أئمتنا يتبركون باقتناءِ الكفنِ، وتجميله بالذكرِ والأدعيةِ، ليصبحَ تذكرةً يوميةً بأننا ضيوفٌ على هذا الوجودِ. إعدادُ الكفنِ ليس نذيرَ شؤمٍ، بل هو مأجورٌ كلما نظرَ إليه المؤمنُ، يذكرهُ بالهدفِ الأسمى للرحلةِ الأبديةِ. سلمانُ المحمديُّ طلبَ كتابةَ أبياتٍ على كفنهِ تعبرُ عن حالِ الوافدِ على الكريمِ، فهي أصدقُ وثيقةٍ يكتبُها الإنسانُ لنفسهِ. فلتكن أكفانُنا زينةً لأرواحِنا، وليكن استعدادُنا للموتِ تذوقاً لحلاوةِ القربِ، لا خوفاً من ظلماتِ اللحدِ.
ثانياً: الموت ميقاتُ العباد وميزانُ الحق
الموتُ عند المؤمنِ هو "ميقاتُ العبادِ"، تماماً كما للحجِّ مواقيتُ للإحرامِ، فالموتُ هو الإحرامُ الأكبرُ نحو دارِ الخلودِ. أيها الغافلُ عن الموتِ، قف وتأملْ في وادي السلامِ؛ كيف صارَ الملوكُ والعبيدُ تحتَ ترابٍ واحدٍ لا يفرقُ بينهم إلا العملُ. علماءُ الرياضياتِ يرون أن المتناهي أمامَ اللامتناهي يساوي صفراً؛ فالدنيا صفرٌ مقارنةً بالآخرةِ، فلماذا التشبثُ بالصفرِ؟ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) ينبهنا: "كلُّ معدودٍ منقضٍ، وكلُّ متوقعٍ آتٍ"، فكلُّ دقيقةٍ تقربُنا من ذلك الميقاتِ. انظر إلى حالِ الظلمةِ والجبابرةِ، كيف تتحولُ أجسادُهم بعد الموتِ إلى عِبرةٍ، ولا تنفعُهم العطور الفرنسية ولا قصورُهم التي شيدوها. لقد كان القاسمُ بن الحسنِ يرى الموتَ عسلاً، لأنَّ "البوصلةَ" عنده كانت تتجهُ نحو الحسينِ (عليه السلام)، لا نحو البطنِ والفرجِ. الذي يغرقُ في شهواتهِ يرى الموتَ مراراً، لأنه يرحلُ عن عالمِ اللذائذِ، لكنَّ الذي يرى الحسينَ يرى الموتَ لقاءَ أحبةٍ. إنَّ البكاءَ الذي بكيناهُ على حالنا في القبورِ، هو أولُ خطواتِ الاستيقاظِ من نومِ الغفلةِ الذي يحجبُنا عن أهدافِنا. عاهدْ نفسك أن تكونَ كالقاسمِ، مستعداً للموتِ كأنه لقاءٌ، لا كأنه فراقٌ، فالمؤمنُ لا يودعُ أحبتهِ بل يسبقهم. لا تغترّ يا ابنَ آدمَ بـ"دبلوماسيةِ" الأكاذيبِ، فالموتُ لا يرى الألقابَ، بل يرى ما في القلبِ من إخلاصٍ للحسينِ (عليه السلام).
ثالثاً: البكاءُ والاعتبارُ.. طريقُ الروحِ إلى الله
الإمامُ السجادُ (عليه السلام) أبكى الجميع حين كان ينشجُ خوفاً من ظلمةِ القبرِ وضيقِ اللحدِ وسؤالِ منكرٍ ونكيرٍ. إذا كان المعصومُ يبكي، فكيف بنا ونحن الذين لم نمهّدْ قبورَنا بعملٍ صالحٍ، ولم نفرشْها إلا بالتسويفِ والذنوبِ؟. زيارةُ المقابرِ ليست للموتى، بل هي مرآةٌ لنرى فيها حالَنا، ونقولَ: "كما صاروا سنصيرُ، ولكنَّ الفرقَ في الزادِ". قبرٌ دُرسَ، كتبَ عليه صاحبُه: "ولقد نظرتَ كما نظرتْ ولكن نظرتُ فما اعتبرتْ"، درسٌ بليغٌ لكلِّ حيٍّ يظنُّ أنه خالدٌ. الاستعدادُ يبدأُ بالتوبةِ الآن، قبل أن تقفَ على دكةِ المغتسلِ، وتكونَ محمولاً على الأكتافِ لا تملكُ دفعَ الضرِّ عن نفسِك. القاسمُ بن الحسنِ في ريعانِ شبابهِ، أدركَ أنَّ الدنيا "صفرٌ" أمامَ النصرةِ، فكان قرارهُ هو الأجملُ في لحظةِ الاستشهادِ. التفقهُ في الموتِ يعني التفقهَ في الحياةِ، فمن عرفَ كيف يموتُ، عرفَ كيف يعيشُ بكرامةٍ وعزةٍ بعيداً عن ذلِّ الظالمين. اجعلْ هذا الفقهَ ميزاناً لأعمالكَ، فكلُّ عملٍ لا يُقرّبُك من اللهِ تعالى هو خسارةٌ في ميزانِ الآخرةِ التي هي دارُ القرارِ. تأملْ في كلماتِ أميرِ المؤمنينَ عن الفراقِ، ستجدُ أنَّ من كانَ بينك وبينهُ شبرٌ في الترابِ، فهو في غايةِ البعدِ. فلنستعدَّ للرحلةِ الطويلةِ التي لا زادَ فيها إلا التقوى، ولنحملْ معنا "حلاوةَ" الحبِّ التي تذوقها شهداءُ الطفِّ.
رابعاً: بشاراتُ اللقاء.. "من يمت يرني"
ختامُ هذهِ الرحلةِ هو البشارةُ التي أطلقها عليٌّ (عليه السلام) للحارثِ الهمدانيِّ: "يا حارِ همدانَ مَن يمت يرني". هذه البشارةُ هي السرُّ الذي جعلَ القاسمَ يرى الموتَ عسلاً، فهو يعلمُ أنَّ في آخرِ النفسِ لقاءً بأميرِ المؤمنينَ (عليه السلام). المؤمنُ لا يخافُ الموتَ؛ لأنَّ حبلَه متصلٌ بحبلِ الوصيِّ، وكلُّ قطرةٍ من حلاوةِ العسلِ تلك هي نتاجُ هذا الارتباطِ. عندما يعجزُ الإنسانُ عن نطقِ الشهادةِ، ستكونُ يدُ عليٍّ (عليه السلام) هي التي تنتظرُهُ عندَ الحافةِ، لتردَّ عنه النارَ. هذا هو "فقهُ المحبين"؛ أن تعيشَ في الدنيا وكأنك في انتظارِ اللقاءِ، لا في انتظارِ الفناءِ الذي يخشاهُ أهلُ الدنيا. يقولُ القائلُ: "وددتُ بكلِّ ثانيةٍ، لونَ الموتِ يخطفني، لكي أحظى بنظراتٍ، لوجهِكَ يا أبا الحسنِ"، هذا هو قمةُ الرقيِّ. انشروا هذا الفقهَ بين الناسِ، فالعالمُ اليومَ يحتاجُ إلى من يُعلمُه كيفَ يموتُ بكرامةٍ، لا كيفَ يعيشُ في ذلِّ الخوفِ. يا ربِّ، ارزقنا حلاوةَ لقائكَ، واجعلنا من الذين يرونَ وجهَ وليِّكَ في لحظةِ الاحتضارِ، فتطمئنُّ أرواحُنا وتصعدُ إليكَ. والسلامُ على القاسمِ الذي علّمنا أنَّ الموتَ في سبيلِ الحقِّ هو العسلُ الحقيقيُّ الذي تُتذوّقُ فيه لذةُ الخلودِ في جنةِ القربِ. اللهم اجعل خاتمتنا شهادةً بحبِّ محمدٍ وآلِ محمدٍ، وارزقنا شفاعةَ القاسمِ يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!