لا جَرَمَ أن دراسة النهضة الحسينية، بمفرداتها وأهدافها ومعالمها كافة، تفرض وجوباً وقفات دراسية جادة تفحص جذورها وأسسها التاريخية والعقدية، وهو الأمر الذي يتطلب قراءة موضوعية تضع الأصول التاريخية والروائية لهذه النهضة المباركة في عين الحساب، نأياً بها عن خطل الابتسار، وعوار التقطيع، والتأويلات التعسفية.
وقد ألفينا جملة من المقاربات التي كُتبت عن فاجعة كربلاء تدور في فلك الإشكالية المذكورة آنفاً؛ إذ يسعى بعض الكتاب المحدثين، بنحوٍ مستميت، إلى تصوير معالم النهضة عبر ليّ عنق النصوص التاريخية، واجتزاء المقطوعات وسوقها بطرق استحسانية فجة، متنكبين وراء ظهورهم كماً هائلاً من المرويات التاريخية والحديثية التي من شأنها أن تجلو الوجه الناصع للواقعة الكربلائية بأمانة، وبعيداً عن صيغ التشويش والمصادرة والتغييب المتعمد، من هنا تأتي هذه الدراسة لتمثل عتبة مفتاحية لتفكيك هذه الهيكلية، والوقوف عليها بنظرة فاحصة وشمولية تستكنه أهم أسس النهضة الحسينية، بغية الولوج السليم إلى مناخات الحقيقة والواقع.
وتتخذ الدراسة نقطة انطلاقها من تلك الأحداث التاريخية المفصلية التي مهدت الأرضية لواقعة كربلاء لاحقاً، وفي طليعتها "وثيقة الصلح الحسني" التي أُبرمت بشروطها وبنودها بين معاوية بن أبي سفيان والإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) سنة إحدى وأربعين للهجرة؛ حيث يتركز محور بحثنا هنا على هذا الحدث في سياق اتصاله بالنهضة الحسينية تحديداً، لا بوصفه حدثاً معزولاً وعابراً كيفما كان.
ومن الجليّ أن للصلح الحسني أسبابه وظروفه الموضوعية التي ألجأت الإمام المجتبى إليه —كما سيأتي لاحقاً— مثلما هو ثابت في محله من عدم التزام معاوية بأيٍّ من تلك الشروط المطروحة، وهي النتيجة التي قادت مفاعيلها التاريخية، بعد عشرين عاماً نحو فاجعة كربلاء، ومصرع الإمام الحسين وأهل بيته الكرام سنة إحدى وستين للهجرة.
وقد جلا السيد المرتضى (المتوفى سنة ٤٣٦هـ) الأسباب الكامنة وراء صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، بعد أن قرر في مقدمة جوابه —وفقاً للمتبنى العقدي الثابت— أن الحسن إمام معصوم، مؤيد موثق بالحجج الظاهرة والأدلة المعتبرة.
إذ قال (طاب ثراه):
«إن المجتمعين له من الأصحاب، وإن كانوا كثيري العدد، فإنّ قلوب أكثرهم كانت دغلة غير صافية، وقد صبوا إلى دنيا معاوية وإمراحه ومَنَحِهِ في الأموال من غير مراقبةٍ ولا مساترة، فأظهروا له (عليه السلام) النصرة وحملوه على المحاربة والاستعداد لها، طمعاً في أن يورطوه ويسلموه. وأحسّ (عليه السلام) بهذا منهم قبل التولج والتلبس، فتخلى من الأمر وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعةٍ من الوقت، ويظهر أن الإمام الحسن (عليه السلام) كان في مواطن كثيرة يبين ويصرَّح بمخاطرها والنتائج التي كادت تؤول إليه»[1]
ثم يتابع الشريف المرتضى مؤكداً هذا المنحى:
«وقد صرح (عليه السلام) بهذه الجملة وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة بألفاظ مختلفة، وقال: إنما هادنت حقناً للدماء وصيانتها، وإشفاقاً على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي. فكيف لا يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله؟!»[2]
يُمثّل صلح الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) مع معاوية بن أبي سفيان عام 41 هـ إحدى أدقّ المفصلّات التاريخية في الفكر العَقَدي والسياسي الشيعي. ولم يكن هذا الحدث في القراءة الإمامية، مجرد تراجع اقتضته موازين القوى المادية فحسب، بل الحقيقة كانت مناورة استراتيجية كبرى وحركة تصحيحية مسؤولة لإنقاذ دين الله من براثن التلاعب والشطط الأموي الموغل في سياسات الإجرام والانحراف، كما كانت خطوة تمهيدية لا غنى عنها للنهضة الحسينية اللاحقة وهو محل موضوعنا.
إن مقاربة هذا الصلح وفق المنهج السليم تكشف عن حزمة من الفوائد والآثار المصيرية الهامة التي انعكست على الأمة عموماً، وعلى الشيعة خصوصاً، ويمكن فحصها وتفكيكها ضمن المحاور العلمية الآتية:
أولاً: حفظ بيضة الاسلام وحقن الدماء كخطوة استراتيجية منقذة
لم يكن حقن الدماء في حسابات الإمام الحسن (عليه السلام) حالة ارتجالية عابرة ولا كان خوفاً من الموت، كيف وهو رفيق درب أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلّ الحروب والوقائع (صفين، والجمل، والنهروان) وهو الذي لمَّا رآه الإمام علي باذلاً جهده وطاقته يخوضُ غمار المعركة في صفين، قال (عليه السلام) ( املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني، فإنني أنفس بهذين (يعني الحسن والحسين عليهما السلام) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله)[3] بل كان من الواضح أن الصلح الحسني كان حفظاً للوجود التكويني لشيعة أهل البيت، فبعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام)، وتفرّق أهل الكوفة، وبروز الانشقاقات (كالخوارج)؛ أضحت النواة الطليعية الواعية من بقية الصحابة وأفاضل التابعين مُشرفةً على خطر الاصطلام والاستئصال الشامل في أتون مواجهةٍ فاقدةٍ لأدنى موازين التكافؤ، فكان كفّ السيف ضرورةً موضوعية لحفظ بقية السيف.
إذ لو استمرت الحرب لاستُؤصلت هذه الطائفة الحاملة للمنهج المعرفي النقي لآل البيت. فكان الصلح بمثابة جدار حماية أبقى على هذه الطليعة وجودها، ولتبقى حياتها الممتدة بحياة الإسلام باقية ومستمرة إلى الأجيال اللاحقة.
ثانياً: التعرية التدريجية للمشروع الأموي (إسقاط القناع)
كان معاوية بن أبي سفيان يحيط مشروعه السياسي بهالة من الشرعية الدينية، مستفيداً من الآلة الإعلامية الضخمة في بلاد الشام. وعلى فرض أسوأ التقادير لو حاربه الإمام الحسن (عليه السلام) وقُتل، لَسُوِّق الأمر في وعي الأمة على أنه "خروج على جماعة المسلمين" أو "صراع على السلطة" بين زعيمين، ويُسدل الستار عليها مثلها مثل أي جريمة ارتكبها معاوية وذهبت في طيات النسيان.
اشترط الإمام الحسن في وثيقة الصلح بنوداً دينية وقيمية صارمة كالعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وعدم ملاحقة الشيعة، وألا يعهد معاوية لأحد من بعده، وبمجرد توقيع الاتفاق، أعلن معاوية في خطبته الشهيرة بالنخيلة: "إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا... وإن كل شيء أعطيته للحسن بن علي تحت قدميّ هاتين موضوع"[4]، ثم عهد بالحكم لابنه المتهتك يزيد.
وهذا النقض الصارخ للعهود أحدث صدمة واهتزازاً في شرعية السلطة، وأماط اللثام عن الوجه الحقيقي للحكم الأموي بوصفه "ملكاً عضوضاً" لا خلافةً نبويةً منصوصاً عليها. هذا التميز بين خط الخلافة الشرعي وخط السلطة الفعلي هو الذي منح شيعة الكوفة لاحقاً الأرضية الخصبة للتنديد والتجاهر بنقد سياسات معاوية وولاته، ومن ثم المحاولات العملية العازمة على هيكلة التغيير المرتقب.
ثالثاً: التمهيد الموضوعي والشرعي لنهضة كربلاء
ثمة تلازم عضوي في الرؤية العقدية بين الصلح الحسني والثورة الحسينية؛ فالإمام الحسن صالَحَ لنفس الأسباب التي ثار من أجلها الإمام الحسين.
إن صلح الحسن هو الذي وفّر للإمام الحسين (عليهما السلام) العهد المكتوب والشرعية الأخلاقية الكاملة للثورة، فعندما نقضت السلطة الأموية بنود الصلح باستخلاف يزيد بن معاوية، تحولت الثورة الحسينية في نظر الأمة من "تمرد سياسي" إلى "حركة تصحيحية" لعهد منقوض، ودفاع شرعي عن هوية الإسلام.
فلولا الصلح واصطبار الإمام الحسين طيلة عشرين عاماً التزاماً بالعهد، لَمَا نضجت الظروف النفسية والاجتماعية في الأمة لتقبّل فكرة الثورة. فالصلح هو الذي غرس في الوجدان الشيعي العام والوجدان الكوفي خاصّة عقيدة "المظلومية الواعية" والندم الإيجابي الذي انفجر لاحقاً على شكل ثورات متعاقبة (كثورة التوابين والمختار).
رابعاً: بناء الهوية المستقلة والتمايز الفكري
قبل الصلح كان التشيع يُمثّل إلى حد كبير حراكاً سياسياً متعدد الرؤى يضم تحت لوائه وجوهاً تكاد تكون متباينة (منهم المخلص العَقَدي والمؤمن المقاتل، ومنهم النفعي، ومنهم المتردد المتخذ طريق الحياد) حتى جاءت محنة الصلح لتقوم بعملية غربلة وتمحيص كبرى في صفوف الشيعة. ويمكن القول أن التشيع بحدوده في تلك الفترة خرج من هذا المخاض الأليم بوصفه مذهباً عقائدياً متماسكاً، رغم جراحاته وانكساراته وخساراته التي مُني بها بعد شهادة الإمام علي عليه السلام، لكن في هذه المرحلة أدرك الشيعة ضرورة الانطواء تحت لواء "الإمامة العَقَدية" حتى وإن جُرِّدت من بسط اليد والسلطة الظاهرية، وهذا الذي أعطى التشيع قدرة على البقاء والصمود والاستمرارية تحت أعتى ظروف الضغط وأقسى أساليب الإقصاء والتهجير والقتل التي مُورست بحقهم.
إن صلح الإمام الحسن (عليه السلام)، في الميزان العلمي الرصين، لم يكن صلح استسلام، بل كان صلحاً تفكيكياً فاضحا لبنية السلطة الظالمة..
لقد اشترى الإمام الحسن بـالموقع الخلافي الظاهر بقاء الإسلام الشيعي الإمامي كحجر أساس ومحوري مرتكز؛ إذ منح الشيعةَ «الزمن التاريخي» اللازم لإعادة بناء أنفسهم، وحوّل حركتهم من الطابع العسكري العابر إلى الطابع العلمي والجهادي المتجذر، فكان بحق الفتحَ الأكبر الذي لولاه لَمَا كانت كربلاء، ولَمَا بقيت للتشيع باقية.
في الرؤية المعرفية للشيعة الإمامية، لا يمكن فحصُ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) بمعزلٍ عن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)؛ إذ يُنظر إلى الحركتين بوصفهما مشروعاً إلهياً واحداً بصفحتين متكاملتين، فالإمامان ينهلان من مَعدِن النبوة والإمامة الشرعية الواحدة، ولم يكن الصلحُ والثورةُ إلا وليدَي المصلحة العليا ذاتها، ولكن باختلافِ الظروفِ وتمايزِ المقتضيات؛ وهذا ما قاله الإمام الحسين للوليد بن عتبة: ( إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون ، أيّنا أحق بالبيعة والخلافة)[5]
وبهذا يمكن الاستفادة بعدِّة أمور:
أولاً: وحدة المنطلق وتنوع المواقف والتدابير بين موقف الإمام الحسن والحسين عليهما السلام
يرتكز المنهج الشيعي على قاعدة تصالحية موزونة في فهم خطوات المعصوم، فالحرب ليست غاية في ذاتها، والصلح كذلك ليس استسلاماً، بل كلاهما وفقاً لأدلة مبرهن عليها في رتبة سابقة، السلم والحرب هما أدوات وأساليب تدبيرية لخدمة رسالة الدين، فالإمام الحسن واجه مجتمعاً مصاباً بـ "الإنهاك العسكري" و"التخلخل العقائدي"، حيث فشت خيانات القادة وطمعهم في أموال معاوية ومَنَحِه. في مثل هذه الأجواء المرتبكة والمشحونة بالتآمر كانت الحرب تعني إبادة الطليعة المؤمنة دون تحقيق أي نتائج ملموسة على الأرض بل والعكس أكثر إيلاماً وفضاعة لكانت خسارة الإسلام وخسارة جهود النبوة للأبد، لكن الصلح الحسني كان بارقة الأمل الوحيد الذي انقذ روح الإسلام من دنائس ودسائس الأمويين وزمرهم الشريرة، ولو بتضحيات ودماء تلك الثلة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين.
في المقابل واجه الإمام الحسين (عليه السلام) واقعاً مغايراً تماماً؛ حيث تفرعنت السلطة الأموية متجاوزة كل الحرمات بهدم أركان الإسلام علانية بتولّي يزيد. حينها غدت الأمة مهيأة لثقافة التضحية وبذل المهج، كون القناع الأموي قد انقشع تماماً ببركة صلح الإمام الحسن؛ فكانت دماء الحسين الزكية الإعصار الذي دكّ عروش الظالمين والصيحة المدوية في ضمائر الأحرار؛ بينما لو أُريقت دماء الحسن (عليه السلام) في تلك الحرب المبكرة، لطُمست معالمها وأُجهضت أهدافها بآلة التضليل الأموية.
ثانياً: وثيقة الصلح كحجة شرعية وأخلاقية لثورة الحسين
إن صلح الإمام الحسن هو الذي منح الإمام الحسين (عليهما السلام) الشرعية القانونية والأخلاقية المحجّة في وعي الأمة الإسلامية للثورة على الحكم الأموي، فبموجب معاهدة الصلح، التزم معاوية بشروط محددة، من أهمها:
-أن يؤول الأمر من بعده للإمام الحسن، فإن حدث به حدث فللإمام الحسين.
-ألا يعهد معاوية لأحد من بعده عهداً.
- أن يكون الناس آمنين على أنفسهم وأموالهم، ولا يلاحق شيعة علي.
نقض معاوية هذه البنود مجتمعة، وتوّج ذلك بفرض بيعة يزيد بالحديد والنار، وتصفية الإمام الحسن بالسم. هذا النقض الصارخ حوّل يزيد في نظر الوجدان الإسلامي العام من "خليفة مفترض" إلى غاصب للعهد ومنتهك للمواثيق . لولا وثيقة الصلح الشاهدة على هذا الغدر، لَسُوِّق خروج الإمام الحسين في إعلام الشام على أنه شقّ لعصا المسلمين وتنازع على المُلك، لكن الصلح جعل الثورة حركة تصحيحية لعهد مكتوب ومنقوض.
ثالثاً: تهيئة "البيئة النفسية" والوجدان الكوفي للثورة
عاش الشيعة والمجتمع الإسلامي عموماً فترة الصلح (عشرين عاماً) تحت وطأة الحكم الأموي المباشر، وتجرعوا مرارة الإقصاء، وهدم الدور، والتصفيات السياسية، هذه التجربة القاسية كانت ضرورية لتغيير "العقلية الجمعية" لأهل الكوفة.
في عهد الإمام الحسن، كان الكوفيون يبحثون عن العافية والسلم، لكنهم بعد عشرين سنة من الاضطهاد الأموي، تولدت لديهم حالة عارمة من الندم والشعور بالذنب لخذلانهم الإمام الحسن.
هذا التراكم الوجداني والنفسي هو الذي تحول إلى طاقة ثورية هائلة تجسدت في آلاف الرسائل التي تلاحقت على الإمام الحسين تدعوه للقدوم؛ فالصلح هو الذي أنضج وعي الأمة بضرورة التغيير، وهو الذي فجّر لاحقاً ثورات التوابين والمختار الثقفي تحت شعار المظلومية الواعية.
رابعاً: النتيجة تكامل الأدوار في حفظ الأصالة العقديَّة وتمايز الهوية
لقد تجلّى التكامل البنيوي بين النهجين في حظر الاندثار وصيانة الأثر؛ إذ انبرى الإمام الحسن (عليه السلام) لتوظيف الأدوات السياسية والمهادنة المرحلية غايةً في تثبيت الوجود وتحصينه من أخطار الاجتثاث والاصطلام، في حين خطوات الإمام الحسين (عليه السلام) كانت نحو خيار الشهادة والفداء والإقدام غايةً في تثوير الوجود ودفعه نحو الانعتاق، منعاً لتماهي الهوية أو ذوبانها في شراك المنظومة الأموية الغاشمة، وبذلك كان الصلح درعاً واقياً لكيان التشيع والإسلام، فيما كانت الثورة الحسينية إحياءً مجدداً للروح؛ إذ حفظ الأول الوجود الخارجي للرسالة وصان الثاني جوهرها العقائدي من الاستلاب؛ وبعبارة ثانية ركّزت استراتيجية نهضة الإمام الحسن (عليه السلام) على المهادنة الصلحية كآلية ضرورية لـ "تثبيت الوجود" وحفظ النواة الطليعية من الاستئصال، فيما ركزت نهضت استراتيجية الإمام الحسين (عليه السلام) على موقف الاستبسال والشهادة كقوة دافعة لـ "تثوير الوجود"، للحيلولة دون تميّع الهوية العقائدية في بوتقة الشرعية الزائفة؛ إنّها حركية تاريخية بدأت بالتحصين السلمي الصامت وانتهت بالتثوير النهضوي الموقظ.
مِنْ هنا يُدرك كُنه ترابط بين الإمامين إلى مِحوره التأسيسي الذي يختزله المأثور النبوي الحاكم: «الحسن والحسين إمامان، قاما أو قعدا»؛[6]
إذ لم يكن للنهوض الحسيني في الطفّ أن يوطد أركانه ويُؤتي أُكُلَه، لولا التدبير المتقدم للإمام الحسن في ذلك المنعطف التاريخي المبكر.
لقد نهض الإمام الحسن بصلحه وحنكته المسددة بوظيفة "البذر المعرفي"؛ فبثّ واعية الرفض في الأمة، وهتك حُجب المشروعية عن السلطة الباغية، صيانةً للنواة الطليعية من الاصطلام، في حين اضطلع الإمام الحسين بنهضته وإقدامه بمهمة جني المآل لتلك الثمار المذخورة، ليصوغا معاً التجلّي الأبهى للتكامل الحركي في مشروع الرسالة الإلهية الخالدة: صلحٌ صان العقيدة من الانمحاء، ودمٌ أقام أودَها من الانحناء. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
الهوامش
______________
[1] الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي (ت 436 هـ)، تنزيه الأنبياء، دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1989 م، ص 221. (مقتبس بتصرف يسير يقتضيه السياق البياني للجواب).
[2] المصدر نفسه، الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص 221 - 222.
[3] ابن أبي الحديد، عز الدين عبد الحميد بن هبة الله (ت 656 هـ)، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ج 4، ص 23. (ينظر تفصيل خطبة الإمام علي عليه السلام في صفين وضنه بنسل رسول الله ص).
[4] الطبري، محمد بن جرير (ت 310 هـ)، تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، دار التراث - بيروت، ج 5، ص 163؛ وينظر أيضاً: ابن الأثير، عز الدين (ت 630 هـ)، الكامل في التاريخ، دار صادر، ج 3، ص 405. (حول خطبة معاوية بن أبي سفيان في النخيلة ونقضه لشروط الصلح عيانياً).
[5] الخوارزمي، الموفق بن أحمد المكي (ت 568 هـ)، مقتل الحسين عليه السلام، تحقيق: الشيخ محمد السماوي، أنوار الهدى - قم، ج 1، ص 257. (نص الخطاب الشرعي التاريخي للإمام الحسين عليه السلام عند رفضه لبيعة يزيد في المدينة أمام الوليد بن عتبة ومروان بن الحكم).
[6] المجلسي، العلامة محمد باقر (ت 1111 هـ)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسسة الوفاء - بيروت، ج 44، ص 2-3. (لتفصيل المأثور النبوي الشريف المتواتر نصاً ومضموناً: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، وأثره في تقعيد السياسة الشرعية للمعصوم).


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!