مفردة [ الأصحاب ]
مفهوم ومصداق الصحبة في الموروث الديني واضح وجليّ ، وهو من الموضوعات الموثقة ضمن النصوص الدينية والتاريخية .. فحدثنا القرآن الكريم عن سبعين رجلاً اختارهم موسى عليه السلام لميقات ربه ( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) . وعن حواري عيسى عليه السلام الذين هم تلاميذه المقرّبون وصفوته الذين ناصروه وأعلنوا إيمانهم برسالته ( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) . وعن أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وآله ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) .
ثم جاءت عاشوراء ، لترتكز على هذا التاريخ العريق للصحبة الإلهيّة وتتقدّم عليه خطوةً بل خطوات ، فارتقت بمفهوم الصحبة ومصداقها إلى درجاتٍ غاية في السموّ والكمال لا نظير لها في تاريخ الأمم والأديان . حيث تجلّى هذا الارتقاء - الدلالي والعملي - في بلوغ أصحاب الحسين مرتبةً استحقوا بها شهادةً استثنائية من قِبلِ قائدهم وسيّدهم ومعشوقهم أبي عبد الله ( عليه السلام ) ليلة العاشر من محرّم ، حين شقّ حجب الغيب وأعلنها صريحةً مدوّية : أمّا بعدُ : فإنّي لا أعلمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ ولا أوصَلَ مِن أهلِ بيتي ، فجزاكُمُ اللهُ عنّي جميعاً خيراً ; .
هذا النصّ يشير الى حصول طفرة دلالية في مفردة الأصحاب أحدثتها النهضة المباركة وليس مجرد إرتقاء وتسامي .. وهذه الطفرة حصلت بعد أن قام الإمام عليه السلام مع أصحابه بعدد من المعالجات والإجراءات إذا جاز التعبير ، جعلتهم يصلون الى هذه الدرجة ، أهمها ثلاثة أمور :
+ الغربلة والتمحيص : وذلك من خلال تفريغ أو تطهير الصحبة من داء العدد غير الواعي للمسؤولية وغير القابل للترقي في أدوار كربلاء المختلفة والمتصاعدة في الخطورة .. فمنذ انطلاقه من مكة المكرمة ، لم يعِد الإمام الحسين أصحابه بمغانم دنيوية أو نصر عسكري تقليدي ، بل قال في خطبته الشهيرة : مَن كانَ باذِلاً فينا مُهجَتَهُ ، ومُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفسَهُ ، فَليَرحَل مَعَنا . وكما حصل أيضاً في أحد منازل الطريق نحو العراق وتحديداً في منطقة تدعى ( زبالة ) ، بعدما وصله خبر مقتل مسلم بن عقيل وخذلان أهل الكوفة لسفيره وابن عمّه وأصبح المصير غامضاً والموقف السياسي مجهولا ، عندها تخلّى عنه من لديه بقيّة من تعلّق في دنيا وطمع في حياة ولم يبق غير الصفوة .
+ الإختيار الطوعي : وذلك من خلال تخليصهم من متعلّقات الواجب الشرعي الذي قد يُلزم المكلّف بالعمل وإن كان على كراهة من ذلك العمل ، فمنحهم الحرية الكاملة في اتخاذ الموقف المناسب ورفع عنهم الحرج ، وذلك عندما خيّرهم بالانصراف في كربلاء ليلة عاشوراء قائلاً لهم : ( ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حِلٍّ من بيعتي ، ليس عليكم مني حرج ولا ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ) .
+ الاستقطاب والانتخاب النوعي : حيث أرسل الإمام رسائل إلى شخصيات محددة يدرك عمق إيمانها وبصيرتها ، كما التقى ببعضهم في الطريق ودعاهم لنصرته ، مثل زهير بن القين الذي تحوّل موقفه بالكامل بعد لقائه بالإمام في منزل زرود ، وكتابته إلى حبيب بن مظاهر الأسدي ليلتحق به في كربلاء [ من الحسين بن علي إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر .. أما بعد : يا حبيب ، فإنّك تعلم قرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنت أعرف بنا من غيرك ، وأنت ذو شيمة وغيرة ، فلا تبخل علينا بنفسك ، يجازك جدنا رسول الله يوم القيامة .
هذه الأمور الثلاثة - وغيرها - كانت وراء رفع مستوى الصحبة في الله ، حازت على إمتيازها عاشوراء ، وهي بالتالي تعود الى عظمة القضية وقائدها ، وكذا القابلية والاستحقاق الكامن في هذه الثلّة وهذه الصفوة الطاهرة ..
قومٌ إذا نودوا لدفعِ ملمةٍ × والخيلُ بين مدعسٍ ومكردسِ
لبسوا القلوبَ على الدروعِ وأقبلوا × يتهافتون على ذهابِ الأنفسِ
نصروا الحسينَ فيا لها من فتيةٍ × عافوا الحياةَ وأُلبسوا من سندسِ
مع مفردة أخرى إن شاء الله تعالى
مفهوم ومصداق الصحبة في الموروث الديني واضح وجليّ ، وهو من الموضوعات الموثقة ضمن النصوص الدينية والتاريخية .. فحدثنا القرآن الكريم عن سبعين رجلاً اختارهم موسى عليه السلام لميقات ربه ( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) . وعن حواري عيسى عليه السلام الذين هم تلاميذه المقرّبون وصفوته الذين ناصروه وأعلنوا إيمانهم برسالته ( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) . وعن أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وآله ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) .
ثم جاءت عاشوراء ، لترتكز على هذا التاريخ العريق للصحبة الإلهيّة وتتقدّم عليه خطوةً بل خطوات ، فارتقت بمفهوم الصحبة ومصداقها إلى درجاتٍ غاية في السموّ والكمال لا نظير لها في تاريخ الأمم والأديان . حيث تجلّى هذا الارتقاء - الدلالي والعملي - في بلوغ أصحاب الحسين مرتبةً استحقوا بها شهادةً استثنائية من قِبلِ قائدهم وسيّدهم ومعشوقهم أبي عبد الله ( عليه السلام ) ليلة العاشر من محرّم ، حين شقّ حجب الغيب وأعلنها صريحةً مدوّية : أمّا بعدُ : فإنّي لا أعلمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ ولا أوصَلَ مِن أهلِ بيتي ، فجزاكُمُ اللهُ عنّي جميعاً خيراً ; .
هذا النصّ يشير الى حصول طفرة دلالية في مفردة الأصحاب أحدثتها النهضة المباركة وليس مجرد إرتقاء وتسامي .. وهذه الطفرة حصلت بعد أن قام الإمام عليه السلام مع أصحابه بعدد من المعالجات والإجراءات إذا جاز التعبير ، جعلتهم يصلون الى هذه الدرجة ، أهمها ثلاثة أمور :
+ الغربلة والتمحيص : وذلك من خلال تفريغ أو تطهير الصحبة من داء العدد غير الواعي للمسؤولية وغير القابل للترقي في أدوار كربلاء المختلفة والمتصاعدة في الخطورة .. فمنذ انطلاقه من مكة المكرمة ، لم يعِد الإمام الحسين أصحابه بمغانم دنيوية أو نصر عسكري تقليدي ، بل قال في خطبته الشهيرة : مَن كانَ باذِلاً فينا مُهجَتَهُ ، ومُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفسَهُ ، فَليَرحَل مَعَنا . وكما حصل أيضاً في أحد منازل الطريق نحو العراق وتحديداً في منطقة تدعى ( زبالة ) ، بعدما وصله خبر مقتل مسلم بن عقيل وخذلان أهل الكوفة لسفيره وابن عمّه وأصبح المصير غامضاً والموقف السياسي مجهولا ، عندها تخلّى عنه من لديه بقيّة من تعلّق في دنيا وطمع في حياة ولم يبق غير الصفوة .
+ الإختيار الطوعي : وذلك من خلال تخليصهم من متعلّقات الواجب الشرعي الذي قد يُلزم المكلّف بالعمل وإن كان على كراهة من ذلك العمل ، فمنحهم الحرية الكاملة في اتخاذ الموقف المناسب ورفع عنهم الحرج ، وذلك عندما خيّرهم بالانصراف في كربلاء ليلة عاشوراء قائلاً لهم : ( ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حِلٍّ من بيعتي ، ليس عليكم مني حرج ولا ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ) .
+ الاستقطاب والانتخاب النوعي : حيث أرسل الإمام رسائل إلى شخصيات محددة يدرك عمق إيمانها وبصيرتها ، كما التقى ببعضهم في الطريق ودعاهم لنصرته ، مثل زهير بن القين الذي تحوّل موقفه بالكامل بعد لقائه بالإمام في منزل زرود ، وكتابته إلى حبيب بن مظاهر الأسدي ليلتحق به في كربلاء [ من الحسين بن علي إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر .. أما بعد : يا حبيب ، فإنّك تعلم قرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنت أعرف بنا من غيرك ، وأنت ذو شيمة وغيرة ، فلا تبخل علينا بنفسك ، يجازك جدنا رسول الله يوم القيامة .
هذه الأمور الثلاثة - وغيرها - كانت وراء رفع مستوى الصحبة في الله ، حازت على إمتيازها عاشوراء ، وهي بالتالي تعود الى عظمة القضية وقائدها ، وكذا القابلية والاستحقاق الكامن في هذه الثلّة وهذه الصفوة الطاهرة ..
قومٌ إذا نودوا لدفعِ ملمةٍ × والخيلُ بين مدعسٍ ومكردسِ
لبسوا القلوبَ على الدروعِ وأقبلوا × يتهافتون على ذهابِ الأنفسِ
نصروا الحسينَ فيا لها من فتيةٍ × عافوا الحياةَ وأُلبسوا من سندسِ
مع مفردة أخرى إن شاء الله تعالى


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!