مات وحيدُا، فلمّا ارتقى، صارَ أُمّة.
الأفق نحاس مغلي، والسماء كمد يكاد يقطر زفتاً. الهواء ليس هواء، بل شظايا من غبار وعطش يخنق الحناجر قبل أن تصل إليها النصال. نحن الآن في الذروة.. حيث الموت له رائحة الحديد والخيام المحروقة.
تسمع؟.. هذا ليس صوت الريح. هذه سنابك الخيل تدك أعصاب الأرض، سنابك مجنونة تعلو وتهبط كمطارق عملاقة فوق الأجساد الممزقة. الصليل حاد، يمزق طبلات الآذان؛ سيوف تلتقي بسيوف، وأسنة تغرق في لحم الظماء. وجوه الفرسان خلف لثام البغي ليست بشراً، إنها ذئاب تزمجر، تنفث حقداً أعمى، تطبق الحصار بصرخات جاهلية تملأ المدى رعباً.
وفي الناحية الأخرى.. غصة الكون.
عويل النساء يرتفع كدخان أسود يتسلق السماء، صرخات زينبية مخنوقة بالصبر لكنها تجرح الملكوت. وبكاء الأطفال.. آه من بكاء الأطفال! ذعر خالص يسكن العيون الصغيرة، دموع تمتزج بتراب الطفوف الناعم، شفاه متفطرة بيضاء تلهث خلف وهم الماء، وأقدام طرية تتعثر بالرعب بين أروقة الخيام التي بدأت تنشب فيها النيران.
وسط هذا الجحيم الخانق، هذا الضجيج المرعب الذي تتزلزل له الجبال.. يقف هو.
وحيداً.. كما لم يكن أحد وحيداً من قبل. الحسين.
تحيط به الرماح كأشجار من غابة ميتة، لكنه في عزلة قدسية تماماً. جسده مثخن بالطعنات، نزيفه يكتب على الرمل سفر الخلود، لكن عينيه.. عينيه ليستا في كربلاء. عيناه شاخصتان نحو الأعلى، في عرفانية مذهولة تتجاوز الألم، تتجاوز صليل الحديد وعويل اليتامى.
يتنفس بعمق رغم ضيق صدره المجروح، ويهمِس للطرف الآخر من الملكوت.. همس عشق لا يفهمه السياف: "إلَهِي.. رِضىً بِقَضَائِكَ، تَسْلِيماً لِأَمْرِكَ، لَا مَعْبُودَ سِوَاكَ".
في هذه اللحظة، تتحول الوحشة إلى أنس مطلق مع الله. يسقط الجسد تراباً لتصعد الروح فتحاً. يرتفع الرأس على القنا، لا كإعلان عن الهزيمة، بل كمنارة أبدية تقهر العتمة، بينما تبقى العين الإلهية شَاهدة على أعظم جسد تقدس بالذبح، ليعيش بعده المجد إلى الأبد.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!