رأيت في الكتاب سيرة لكنها ليست ذاتية بل وجدانية تحمل الكثير من المشاعر الداخلية والتجارب التي مر بها الناثر؛
يقول في (المقدمة)
البعض لا يصدق ان هذه النصائح ممكن ان تصدر من رجل (خباز) لا يجيد القراءة والكتابة لكنه يعرف الحياة ؛هذه المقدمة عرفتنا بالمعين الذي يستقي منه الخباز حكمته لنطل من خلالها على حضور رجل غائب ، فيلسوف في حكمته قليل الكلام لا يجيد الكتابة والقراءة لكنه يجيد فلسفة المعنى و معناها ويعرف قيمة الوجدان ،يقول (يقف امام مكتبي ) في الاعلام ويقول له وصية غالية (اذا اردت ان تنجح عليك ان تثق دائما بوجود من هو افضل منك )؛ اقول له
:ـ ابي رجل طعن ظهري يرد ليقول :ـ ( تحمل يا ولدي تحمل فالاسى ليس بداء) فليرحمك الله يا ابي يا مدرستي قبل الكتاب؛؛مقدمة وجدانية مليئة بالحكمة والفلسفة تلامس المشاعر وتوقظ الوجدان في الانسان ،
عنوان الاهداء الى (تراب )، وتراب رمز استعمله الناثر بخصوصية الانتماء، التراب فلسفة تأخذنا الى نظرة عميقه ترتبط بأصل الانسان بالكون، التراب هو البداية والنهاية ، والتراب في معناه يدل على شخصية امير المؤمنين علي عليه السلام ابو تراب وشكل الخباز عوالم الاهداء الى تراب في اغلب كتبه حسب متابعتي لبعض مجاميعه النثرية ،والانطباعية ‘ شاعر لديه مجموعتين شعريتين ، وثلاث مجاميع نقد انطباعي وعنده كتاب صحفي حوار في روح المعنى و14 مسرحية فاز اغلبها في مسابقات النص المسرحي ونفذت معظمها اخراجيا ،وله رواية عن المسيرة الاربعينية وثلاثة كتب دراسات في نهج البلاغة ،
طعم كتاباته بعض النثريات الوامضة المكثفة ولغة شعرية عالية وفيه قصائد نثرية ترتبط دائما بالشعور الداخلي الذي يربط القلب بحبيبته المدينة، بحبيبته كربلاء التاريخ والحضارة
**
(حبيبتي)
ادخل حومة العشق فتيا احمل فضاءات حبك امنية ودعاء.... لا عيب هو الحب مهما كبر العمر ما دامت الحبيبة كربلاء/من ربيع سناها / تكحلت العيون /العقل كل العقل / حين يصير الهوى جنون ، ويصبح كل شيء فيها حسين )
جميع قصائده النثرية تتمثل في كربلاء، فله قصيدة بعنوان كربلاء قصيدة طويلة تمثل كل وجدانيات الحزن و الالفة والمودة والسلام(كربلاء سحائب دم/ مطر من الحزن البهي / محاريب صلاة )
كربلاء...تلال محشوة بالبكاء
كربلاء ... دعاء
كربلاء،، الظما
كربلاء دمعة تبكيها السما
كربلاء.. الدماء والحمى والعزيمة والثبات
والله اذن هي الحياة)
رغم عمره السبعين يكتب الغزل لكنه بكربلاء لا غير ، غزل وجداني والمعتمد على بعض الومضات التي ترتبط بكربلاء او بعالم اهل البيت عليهم السلام مثل(لبيك ..هيهات) وليس لنا غيرك... من يمحي الغربة عنا؟
يسالني احدهم هل تراه؟
ولا يدري يا مولاي انك انت العين
رايتك الكف التي تعانق كل باب وانت بلا باب
تتضمن فكرة الوجد الحسيني بالحضور الدائم والزاهر في كل المواضيع ( في دمع كل عين تنادي يا حسين)
زهو يعشق المحارب في كل ضمير؛
هو لا يرى الانكسار في كل مواضيع كربلاء بل الحزن الذي يرفع هامة العز عاليا ، القضية لا ترتبط بالإنشاء التعبيري بل بالروح التي تمتد بين الكلمات فهو يرى (ان براءة الشعراء لا تذوي لأنها يقين)
يمثل النثر في الادب الوجداني العواطف بعمق دون الالتزام بوزن او قافية هذه الحرية تمنح الناثر مساحة واسعة للابتكار فهو يعبر عن هذه الرؤى النقدية
(هو حلمي... وانا حر فيه.. افعل به ما اشاء)
اللطيف ان التفكير في المخبز /التنور/ الرغيف لا تفارق مخيلته فأيقنت ان لقب الخباز جاء عبر المهنة وليس العشيرة ، تآلف الروح عنده كربلاء الشغف/الوله/الجنون (كل شيء فيه ينتظر الفرج القريب.. النخل/والاشجار/والخصب/وامتلاء العقول/حتى الرغيف بانتظارك يفرح/حين يفترش الروح موائد الفقراء؛)
تعتز المجموعة بالومضات التي تأخذ من الغياب شكل الحضور وتداعب الروح ببعض الاسئلة،
(كيف سيكون طعم الزمان لو لم تكن انت فيه؟)
تمتاز خصوصية نثر الخباز بتكثيف والايجاز والتعبير عن المشاعر القوية باقل كلمات اجده يعتمد على قوة الواقع و فطنة المتلقي (عودي يا امي/ودعيني على اكتاف صحبي ازور)
(اتوسلك ان تروحي الى البيت/فانا سآتي بعد قليل لأراك.. أقبل يديك/ لارى ابي.. حقا لماذا هو يبكي؟ا سكتيه يا امي عودي به الى الدار.. دموعه تؤلمني)
وفي المجموعة تناصات قرانية كثيرة تسعى لتوظيف الآيات او القصص القرانية لتكتسب القصيدة النثرية عنده ابعاد فنية وعميقة استدعاء قدسية النص القراني ليصبح جزءا حيويا داخل نسيج الشعري النثري
(للماء لون كلون الطيف في احلام الصبايا/ وله رائحة يشم الظامئون عبيرها على بعد/مملكة وخاصرة وسيف/لوح النهر يناديني: ــ انا بلواك كم اكف حلمت باغتراف تباريحي لانساب بين اصابعها حلم/ فاي شاعر تجرأ ليسرق النهر؟
انا لا اتحدث عن التناص ولا عن التضمين لكني اتحدث عن سلطة لغة القران داخل القصيدة النثرية (وانا احتار باي اسم ابسمله فيك... ولا شريك لمعناك يا حسين)
✦ كتابات في الميزان ✦
تقدم الكاتبة قراءةً وجدانية لكتاب «الأرغفة النثرية»، متوقفة عند عالم علي حسين الخباز الذي يمزج بين الحكمة والتجربة الإنسانية وحبه العميق لكربلاء وأهل البيت (عليهم السلام). وتبين أن نصوصه تقوم على الإيجاز واللغة القريبة من القلب، مع حضور واضح للتناص القرآني والرموز التي تمنح النثر بعدًا روحيًا وإنسانيًا، ليخرج القارئ بانطباع أن الكتاب يعبّر عن تجربة حياة أكثر مما يقدّم نصوصًا أدبية فحسب.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!