كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء : غربة أم اغتراب

 قد يبتعد الشخص بجسده عن وطنه ومجتمعه الذي نشأ وترعرع فيه ، ويسكن في وطن ومجتمع آخر .. وهذه هي الغربة .

ولكن عندما يشعر الإنسان بحالة من الانفصال والابتعاد الروحي والفكري وعدم الإنسجام بالرؤى والمبادىء والمنطلقات والأهداف مع مجتمعه الذي يعيش فيه وأمته التي ينتمي إليها .. فإنه سيعيش بحالة قاسية من الإغتراب ، وهو أشد على النفس من الغربة بدرجات ودرجات ..

وقد تقول لي أن الإمام الحسين عليه السلام ، وأهل بيته ، وصحبه .. قد عاشوا بعد إنطلاقهم من المدينة ، مروراً بمكة وكربلاء والشام ، الحالتين معاً ، أي الغربة و الاغتراب .. !

فأقول لك : لو رجعنا الى ما جرى من أحداث ، وما صدرَ من نصوص .. فإننا سنجد أنّ حالة الأغتراب هي وراء كل ما جرى وحصل من مآسي ومصائب .

فلقد أعلن أبو عبدالله عليه السلام وهو في الطريق إلى كربلاء عن غربة الحق والمعروف ومن ثم اغتراب المؤمن الملتزم بهما أما بعد ، فقد نزل من الأمر ما قد ترون ، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت ، وأدبر معروفها ، واستمرت حذاء ولم يبق منها إلا سملة كسملة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون أن الحق لا يعمل به ، وأن الباطل لا يتناهى عنه ؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ، ولا الحياة مع الظالمين إلا برماً .

وفي يوم عاشوراء ، وقف الإمام الحسين (ع) يخاطب الجيش الذي احتشد لقتاله ، مذكراً إياهم بغربته وانقطاع ناصره رغم معرفتهم التامة بنسبه ومكانته ، وهذا هو قمة الاغتراب الاجتماعي  أيها الناس ، انسبوني فانظروا من أنا ، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟! ألست ابن بنت نبيكم ، وابن وصيه وابن عمه ..؟  . وفي ذات الخطبة يخاطبهم مستنكراً تبدل مواقفهم بعد أن كاتبوه يا شبث بن ربعي ، ويا حجار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا يزيد بن الحارث ، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار ، واخضر الجناب ، وإنما تقدم على جند لك مجندة ؟! فقالوا له : لم نفعل ! فقال : سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم .

ثم نسمع منه عليه السلام وعلى عرصات كربلاء ما يشي لنا بالاغتراب العاطفي والوحدة المطلقة التي كانت تنتابه بعد فقد الأحبة هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله ؟ هل من موحد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟ .

وهكذا لو تتبعنا جميع نصوص كربلاء ، سنجد أنها تضجّ بهذه الحالة التي كانت تعيشها قاقلة النور المتجهة نحو وطنها الخالد والأبدي [ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ] آل عمران ١٧٠

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول المقال مفهوم الاغتراب في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، مبيّنًا أن معاناته في كربلاء لم تكن غربة مكان فحسب، بل اغترابًا فكريًا وأخلاقيًا في مجتمع ابتعد عن قيم الحق والعدل. ويستند الكاتب إلى كلمات الإمام في الطريق إلى كربلاء ويوم عاشوراء، ليبرز عمق شعوره بوحدة الموقف رغم وضوح الحجة، مؤكدًا أن نهضته بقيت شاهدًا خالدًا على مواجهة الانحراف والثبات على المبادئ مهما اشتدت المحن.

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!