في الدولِ التي تتطلعُ إلى النهوض، لا تقاسُ قيمةُ المسؤولِ بعددِ المؤتمراتِ الصحفيةِ التي يعقدها، ولا بحجمِ حضورهِ الإعلامي، وإنما بما يحققهُ منْ نتائجَ ملموسةٍ على أرضِ الواقع، فالقيادةُ التنفيذيةُ ليستْ سباقا في إطلاقِ التصريحات، بلْ مسؤوليةٍ ثقيلةٍ تتطلبُ رؤيةً واضحة، وقرارا شجاعا، وبيئةَ عملٍ مستقرةً تتيحُ تحويلَ الوعودِ إلى إنجازات.
عندما تتولى حكومةٌ جديدةٌ مسؤوليةَ إدارةِ الدولة، فإنَ أولَ ما تحتاجُ إليهِ ليسَ التصفيق، ولا حملات التمجيد، وإنما مساحة كافية للعمل، وثقة مجتمعية تمنحها فرصةْ تنفيذِ برامجها بعيدا عنْ الضجيجِ اليومي، والاتهاماتِ المسبقة، ومحاولات إفشال كلِ خطوةٍ قبلَ أنْ ترى النور.
إنَ محاربةَ الفساد، وإصلاحَ المؤسسات، وإعادةَ بناءِ الثقةِ بينَ الدولةِ والمواطن، ليستْ مهامَ يمكنُ إنجازها بينَ ليلةٍ وضحاها، فهيَ معاركُ معقدةٌ تتشابكُ فيها المصالح، وتواجهُ مقاومةْ ممنْ اعتادوا الاستفادةَ منْ مواطنِ الخلل، ولذلك، فإنَ أيَ مسؤولٍ تنفيذيٍ يضعُ الإصلاح هدفا حقيقيا له، سيجدُ نفسهُ أمامَ تحدياتٍ كبيرة، ولنْ يكونَ طريقهُ مفروشا بالورود، ولهذا، فإنَ منْ الحكمةِ أنْ يمنحَ المسؤول الجديد فرصة عادلة؛ ليعملَ وفقَ برنامجه، وأنْ يحاسبَ على النتائجِ بعدَ أنْ تتوافرَ لهُ أدواتُ التنفيذ، لا أنْ يحاصرَ بالنقدِ اليومي، أوْ توضعُ العراقيل أمامَ قراراته، أوْ تتحولُ كلُ مبادرةٍ إلى ساحةٍ للصراعِ السياسيِ والإعلامي.
يعد النقدَ حقٌ مشروع، بلْ هوَ ضرورة في الأنظمةِ الديمقراطية، لكنهُ يفقدُ قيمتهُ عندما، يتحولُ إلى معولٍ لهدمِ كلِ محاولةٍ للإصلاح، أوْ عندما يصبحُ وسيلة للتشكيكِ المستمرِ دونَ تقديمِ حلولٍ أوْ بدائل، فهناكَ فرق كبير بينَ الرقابةِ التي تصححُ المسار، وبينَ الممارساتِ التي تعطلُ الإنجاز، وتستنزفُ الوقتَ والجهد، لذلك، فإنَ المسؤولَ التنفيذيَ لا يحتاجُ إلى منْ يصفقُ له، كما أنهُ لا ينبغي أنْ يتركَ وحدهُ في مواجهةِ التحديات، فهوَ يحتاجُ إلى تعاونِ مؤسساتِ الدولة، وإسناد القوى الوطنية، ودعم الرأيِ العام، لأنَ نجاحهُ لا يمثلُ نجاحٌ شخصَ أوْ حكومةً فحسب، بلْ نجاح دولةٍ بأكملها. وكلُ مشروعٍ إصلاحيٍ حقيقيٍ يحتاجُ إلى شراكةٍ وطنيةٍ تؤمنُ بأنَ مصلحةَ العراقِ يجبُ أنْ تكونَ فوقَ كلِ اعتبار.
لقدْ أرشدنا القرآنُ الكريمُ إلى قيمةِ العملِ حينَ قالَ تعالى: (وقلْ اعملوا فسيرى اللهُ عملكمْ ورسوله والمؤمنونَ ) التوبة:105، فالمعيارُ الحقيقيُ ليسَ كثرةْ الكلام، وإنما جودةْ العمل، وليسَ حجم الشعارات، وإنما مقدار ما يتحققُ منها على أرضِ الواقع، وقالَ سبحانه: (إنَ اللهَ يحبُ المحسنينَ ) البقرة :195، والإحسان في إدارةِ الدولةِ يعني النزاهة، والعدل، والإخلاص، وحسن استثمار المالِ العام، والقدرةِ على اتخاذِ القرارِ الذي يحققُ مصلحةَ المواطنينَ بعيدا عنْ الضغوطِ والمصالحِ الضيقة.
إنَ بناءَ الدولِ لا يتحققُ بالصراعاتِ اليومية، ولا بحملاتِ التشكيكِ المستمرة، وإنما يتحققُ عندما تتكاملُ الأدوارُ بينَ الحكومةِ والمجتمع، وبينَ الرقابةِ والدعم، وبينَ المحاسبةِ ومنحِ الفرصة، فلا إصلاحَ ينجحُ إذا حوربَ قبلَ أنْ يبدأ، ولا مشروع وطنيا يثمرُ إذا أنهكَ أصحابه في كلِ خطوةٍ يخطونها، وليسَ المطلوب أنْ تمنحَ أيّ حكومةِ أوْ مسؤولِ صكِ براءةٍ منْ المساءلة، فالمساءلةُ أساس الحكمِ الرشيد، لكنَ العدالةَ تقتضي أيضا أنْ يقيمَ الأداء بميزانِ النتائج، لا بميزانِ الانطباعاتِ أوْ المواقفِ المسبقة.
فمنْ حقِ المواطنِ أنْ يحاسب، ومنْ واجبِ الدولةِ أنْ تنجز، لكنَ بينَ الحقِ والواجبِ يجبُ أنْ تبقى مساحةٌ للعملِ الهادئِ بعيدا عنْ الضوضاء. إنَ العراقَ اليومَ أحوجُ ما يكون، إلى ثقافةٍ تساندُ الإصلاح، وتدعمُ كلّ جهدٍ صادقٍ لمحاربةِ الفساد، وترسيخِ هيبةِ القانون، وبناء مؤسساتٍ قويةٍ قادرةٍ على خدمةِ المواطنينَ بكفاءةٍ وعدالة. فالطريقُ طويل، والتحديات كبيرة، ولا يمكنُ عبورهما إلا بالإرادةِ والعملِ والتكاتف. دعوهُ يعملُ بصمت. . . فإنْ نجح، فسيكونُ نجاح العراقِ كله، وإنْ أخفق، فستكونُ صناديقُ الدستور، ومؤسساتُ الدولة، والرأيِ العامِ هيَ الحكمَ العادل. أما أنْ نحاكمَ التجربة قبلَ اكتمالها، أوْ نثقلها بالعراقيلِ والخصومات، فلنْ يؤديَ إلا إلى إضاعةِ الفرصِ وتأخيرِ الإصلاح.
إنَ الأوطانَ لا تبنيها الضوضاء، بلْ تبنيها الإرادة، ولا ينهضُ بها كثرةْ الشعارات، بلْ ينهضُ بها رجالٌ ونساءٌ يعملونَ بإخلاص، ويؤمنونَ بأنَ التاريخَ لا يخلدُ منْ أكثرِ الحديثِ عنْ نفسه، وإنما يخلدُ منْ تركَ أثرا صالحا في حياةِ الناس. فليكونْ معيارنا الإنجاز، وليكنْ شعارنا: دعوهُ يعملُ بصمت، ثمَ حاسبوهُ بعدل.
قال سبحانه وتعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) التوبة: 120. صدق الله العظيم.
✦ كتابات في الميزان ✦
يدعو الكاتب إلى منح المسؤول التنفيذي فرصة حقيقية للعمل بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والأحكام المسبقة، مؤكدًا أن نجاح الإصلاح يقاس بالنتائج والإنجازات لا بكثرة التصريحات. ويرى أن بناء الدولة يتطلب توازنًا بين الرقابة والمساءلة من جهة، والدعم والتعاون الوطني من جهة أخرى، بما يهيئ بيئة قادرة على ترسيخ النزاهة، ومحاربة الفساد، وتعزيز هيبة القانون وخدمة المواطنين بكفاءة وعدالة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!