كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

قراءة نقدية في إعادة تعريف وظيفة الشيعة في عصر الغيبة

بسم الله الرحمن الرحيم*

المقدمة

شهد الخطاب الإمامي المعاصر خلال العقود الأخيرة حضوراً متزايداً لمفهوم «التمهيد لظهور الإمام المهدي» (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حتى غدا في بعض الأوساط محوراً رئيساً في الحديث عن وظيفة الشيعة في عصر الغيبة، بل ربما عرض بوصفه من المسلمات التي لا تحتاج إلى برهنة أو مناقشة.

ولم يقف الأمر عند حد الحث على الأعمال الصالحة، أو الدعوة إلى إصلاح النفس والمجتمع، أو الاستعداد لنصرة الإمام عند ظهوره، فإن ذلك كله مما لا خلاف في رجحانه، وإنما تجاوز بعض الخطابات ذلك إلى إعادة تفسير عصر الغيبة بأسره على أساس مفهوم التمهيد، حتى أصبح عندها هو العنوان الذي تُفهم في ضوئه وظيفة الأمة، وتفسر على أساسه علاقتها بالإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة هذا المفهوم دراسة علمية هادئة، لا تستهدف الأشخاص، ولا تناقش الانتماءات، وإنما تتناول المباني الفكرية نفسها، ومدى استنادها إلى النصوص المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام).

وقد دعاني إلى كتابة هذا البحث كلمة صدرت عن أحد المسؤولين البارزين في العمل الثقافي والديني في لبنان، ممن يتولون مسؤولية توجيه الشباب وترسيخ المفاهيم العقدية في أوساطهم، الأمر الذي يجعل للكلمة أثراً يتجاوز حدود الرأي الشخصي إلى تشكيل الوعي العقدي والثقافي لشريحة واسعة من المؤمنين.

ومن الطبيعي أن تكون مثل هذه الكلمات جديرة بالبحث والمناقشة، لا بالنظر إلى قائلها، بل بالنظر إلى ما تتضمنه من مبانٍ فكرية قد يترتب عليها إعادة رسم وظيفة الشيعة في عصر الغيبة، وإعادة تفسير العلاقة بين الأمة وإمامها المنتظر.

ولهذا فإن هذا البحث لا يناقش الأشخاص، ولا يحاكم النيات، وإنما يناقش الأفكار، لأن الأفكار هي التي تصنع الثقافة، والثقافة هي التي تعيد تشكيل الوعي الديني عبر الأجيال.

تمهيد

ما المقصود بعقدنة مفهوم التمهيد؟

لا يكمن محل البحث في أصل رجحان العمل والإصلاح، ولا في استحباب تهيئة النفس والمجتمع لنصرة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإن ذلك كله خارج عن دائرة النزاع.

وإنما يدور البحث حول ظاهرة فكرية أرى أنها أخذت تتشكل في بعض الخطابات المعاصرة، وهي ما يمكن أن نصطلح عليه بـ «عقدنة مفهوم التمهيد».

والمراد بهذا المصطلح: نقل مفهوم التمهيد من دائرة الاجتهاد في فهم بعض الوظائف العملية في عصر الغيبة إلى دائرة العقيدة، بحيث يغدو عنواناً معرفاً لوظيفة الشيعة العامة، ويعاد على أساسه تفسير النصوص المهدوية، وتحديد العلاقة بين الأمة والإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

فالمشكلة ليست في أن يقال: إن بعض الأعمال قد تهيئ المؤمن لنصرة إمامه، أو تساهم في إصلاح المجتمع.

وإنما في أن يتحول التمهيد إلى أصل عقدي يعاد على أساسه بناء النظرية المهدوية، حتى يصبح هو عنوان المرحلة، ومقتضى الإيمان بالإمام، والوظيفة العامة للأمة.

وهذا النوع من التحول ليس غريباً على تاريخ الفكر الإسلامي.

فقد شهدت بعض المدارس الكلامية انتقال عدد من المفاهيم من دائرة الفقه إلى دائرة العقيدة.

ولعل أوضح مثال على ذلك ما عرفته المدرسة الزيدية.

فإن الخروج بالسيف كان في أصله حكماً شرعياً كسائر الأحكام التي تدور مدار شروطها وموضوعاتها، ثم تعرض مع مرور الزمن لعملية عقدنة، حتى أصبح ركناً في تعريف الإمامة نفسها، وصار الإمام عندهم لا تثبت إمامته إلا إذا خرج شاهراً سيفه داعياً إلى نفسه.

فانتقل الخروج من كونه حكماً فقهياً إلى كونه مقوماً من مقومات العقيدة السياسية للزيدية.

ولا يراد من هذه المقارنة المساواة بين هذا الاتجاه وبعض الخطابات الإمامية المعاصرة، ولا دعوى اتحاد النتائج بينهما، فإن بين المدرستين فروقاً جوهرية ظاهرة.

وإنما المقصود التنبيه إلى تشابه في المنهج، وهو انتقال مفهوم ينتمي في أصله إلى دائرة الوظيفة العملية إلى دائرة العقيدة، بحيث يعاد على أساسه تعريف هوية المذهب ووظيفة أتباعه.

ومن هنا فإن السؤال الرئيس الذي يحاول هذا البحث الإجابة عنه هو:

هل أسس أهل البيت (عليهم السلام) لمفهوم "التمهيد" بوصفه عنواناً عقدياً عاماً لعصر الغيبة، أم أن هذا المفهوم يمثل اجتهاداً معاصراً جرى توسيع دائرته حتى أصبح جزءاً من البناء العقدي للإمامية؟

تحرير محل النزاع

بعد اتضاح المقصود بعقدنة مفهوم التمهيد، يتحدد محل النزاع في هذا البحث بدقة.

فليس المقصود من هذه الدراسة مناقشة أصل مشروعية مقاومة الظلم، ولا البحث في وجوب الدفاع عن الأرض إذا تحقق موضوعه الشرعي، ولا تقويم تجربة سياسية أو عسكرية بعينها؛ فإن هذه جميعاً موضوعات فقهية مستقلة، تختلف أحكامها باختلاف موضوعاتها وظروفها، وهي خارجة عن دائرة هذا البحث.

كما أن البحث لا يناقش قيمة الإصلاح الاجتماعي، ولا أهمية بناء الإنسان، ولا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا سائر التكاليف الشرعية الثابتة في عصر الغيبة، فإن شيئاً من ذلك ليس مورداً للنزاع.
وإنما ينحصر محل البحث في سؤال واحد، تتفرع عنه جميع الأسئلة الأخرى، وهو:

هل جعل أهل البيت (عليهم السلام) "التمهيد" بهذا المعنى الحركي والسياسي عنواناً عاماً لوظيفة الشيعة في عصر الغيبة، حتى يصبح من مقتضيات العقيدة المهدوية، أم أن هذا المفهوم نشأ بوصفه اجتهاداً معاصراً، ثم جرى توسيع دائرته حتى تحول تدريجياً إلى أصل يعاد على أساسه تفسير وظيفة الأمة وعلاقتها بإمامها؟

ومن هنا، فإن البحث لا يدور حول تقييم فعل معين، وإنما حول الأساس العقدي الذي يراد إقامته لهذا الفعل.

وبعبارة أخرى:
إن البحث لا يناقش الفقه ابتداءً، وإنما يناقش عقدنة الفقه.

ولا يبحث في أصل رجحان بعض الأعمال، وإنما يبحث في مدى مشروعية تحويلها إلى جزء من البناء العقدي للإمامية.

وهذا هو موضع الإشكال الذي نريد الوقوف عنده.

وقد ازدادت أهمية هذا البحث بعد أن أخذ هذا المفهوم يظهر في بعض الخطابات المعاصرة لا بوصفه قراءة محتملة، بل بوصفه منطلقاً تفسيرياً يعاد على أساسه فهم عصر الغيبة كله.

ومن النماذج الدالة على ذلك كلمة صدرت عن أحد المسؤولين البارزين في العمل الثقافي والديني في لبنان، قال فيها:

نص الكلام

«نحن اللبنانيين عندنا بلاء، إنه نحن في موقع حد فلسطين التي احتلها العدو الإسرائيلي الذي هو جرثومة سرطانية، ويشكل عقبة أمام ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وأمام تحقيق هدف الله تعالى، ونحن ضمن معتقدنا علينا أن نواجه هذا العدو إذا أردنا أن نمهد للإمام (سلام الله تعالى عليه)، فننطلق من عقيدتنا في مواجهته، وهذا ما يعرضنا للبلاء... وقد تعرضنا للبلاء، وما زلنا نتعرض للبلاء.»

وهذا النص ـ مع وجازته ـ لا يشتمل على دعوى واحدة، بل يؤسس لبناء فكري متكامل، تتولد فيه كل دعوى من سابقتها، حتى تنتهي إلى إعادة تعريف وظيفة الشيعة في عصر الغيبة.

ومن خلال تحليل هذا النص يظهر أنه يقوم على سبع دعاوى مترابطة، لا ينهض شيء منها إلا بعد ثبوت ما قبله.
وهذا هو المنهج الذي سار عليه علماء الأصول والكلام؛ فإن النتيجة لا تثبت ما لم تثبت مقدماتها، ولا يجوز الانتقال من دعوى إلى أخرى قبل إقامة البرهان عليها.
ومن هنا سنعمد إلى تفكيك هذا البناء الفكري إلى عناصره الأولية، ثم مناقشة كل دعوى على حدة، في ضوء القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام)، بعيداً عن الانفعالات السياسية، أو المصادرات الخطابية، أو التسليم بما لم يقم عليه دليل.

ويمكن تلخيص هذا البناء في الدعاوى الآتية:

الدعوى الأولى: أن وجود نظام سياسي معين يشكل مانعاً من ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

الدعوى الثانية: أن إزالة هذا المانع تمثل وظيفة شرعية للأمة.

الدعوى الثالثة: أن هذه الوظيفة هي التي يعبر عنها بعنوان "التمهيد للظهور".

الدعوى الرابعة:* أن التمهيد هو الوظيفة العامة للشيعة في عصر الغيبة.

الدعوى الخامسة: أن هذا التمهيد من مقتضيات العقيدة المهدوية، وأن الانطلاق إليه إنما هو انطلاق من صميم الاعتقاد بالإمام.

الدعوى السادسة: أن البلاءات الواقعة في سبيل هذا المشروع تعد شاهداً على صحته وسلامة مساره.

الدعوى السابعة: أن الأمة مأمورة بالمشاركة في المشروع العالمي للإمام قبل ظهوره، من خلال إزالة العقبات والتمهيد له.

وهذه الدعاوى ليست متفرقة، وإنما تمثل حلقات متصلة في عملية واحدة، هي ما عبرنا عنه في صدر هذا البحث بـ «عقدنة مفهوم التمهيد».

وعلى هذا الأساس نبدأ بمناقشة الدعوى الأولى، لأنها الأساس الذي يبتني عليه البناء كله، فإذا لم تثبت، لم يبق لما بعدها أساس تقوم عليه.

المظهر الأول لعقدنة مفهوم التمهيد

الادعاء بوجود موانع للظهور

تبدأ عملية عقدنة مفهوم التمهيد بخطوة تبدو في ظاهرها يسيرة، لكنها تمثل الأساس الذي يبتني عليه البناء كله، وهي الادعاء بأن وجود نظام سياسي معين يمثل مانعاً من ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وأن بقاءه يؤخر تحقق الوعد الإلهي بإقامة دولة العدل.

ولأول وهلة قد تبدو هذه الدعوى مجرد تحليل سياسي، إلا أن التأمل يكشف أنها ليست كذلك.

ذلك أن الكلام في موانع الظهور ليس حديثاً عن الوقائع السياسية، وإنما هو حديث عن السنن الإلهية الغيبية التي يتوقف عليها تحقق الوعد الإلهي، وهذا باب لا سبيل إلى معرفته بالتحليل، ولا بالحدس، ولا بالتخمين، وإنما يتلقى من الوحي وحده.

فإذا قيل: إن وجود هذا النظام أو ذاك يشكل مانعاً من الظهور، لم يعد الكلام مجرد قراءة للواقع، وإنما أصبح إخباراً عن أمر غيبي، لأن معناه أن الله تعالى جعل بقاء هذا النظام سبباً لتأخير ظهور وليه.

ومن هنا كان أول سؤال ينبغي طرحه هو:

من أين علمنا أن هذا النظام بالخصوص يعد مانعاً من الظهور؟

وهل ورد بذلك نص عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو عن أحد الأئمة (عليهم السلام)؟

إن القضايا الغيبية بطبيعتها قضايا توقيفية، لا تثبت بالاستحسان، ولا بالتحليل السياسي، ولا بقياس الأولويات، وإنما تثبت بالنص المعصوم.

ولهذا لم يكن لأحد أن يخبر عن تفاصيل البرزخ، أو القيامة، أو الجنة، أو النار، أو أشراط الساعة، أو علل الغيبة، إلا إذا استند إلى الوحي.

والحديث عن موانع الظهور من هذا القبيل بعينه.

ومن هنا فإن أول ما يطالب به صاحب هذه الدعوى هو الدليل.

ولا يكفي في ذلك أن يقال: إن هذا النظام ظالم، أو معتدٍ، أو يمثل خطراً على الأمة؛ فإن شيئاً من ذلك لا ينتج أنه مانع من الظهور.

إن أقصى ما يمكن أن تثبته هذه المقدمات هو توصيف سياسي أو أخلاقي لذلك النظام.

أما الانتقال من هذا الوصف إلى القول بأنه يحول دون ظهور الإمام، فهو انتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ولا يملكه إلا من يملك دليلاً معصوماً.

والذي يلفت النظر أن الروايات الواردة في أبواب الغيبة ـ على كثرتها ـ لم تجعل وجود دولة معينة، ولا قيام نظام بعينه، من علل الغيبة، ولا من موانع الظهور.

بل إن النصوص حين تعرضت لأسباب الغيبة وحكمتها سلكت مسلكاً آخر تماماً.

فتارة تربطها بجريان سنن الأنبياء.

وتارة تجعلها امتحاناً وتمحيصاً للمؤمنين.

وتارة تنص على أن لهذا الأمر سراً من أسرار الله، لا ينكشف وجهه كاملاً إلا بعد وقوع الظهور، كما لم تنكشف الحكمة من أفعال الخضر لموسى (عليهما السلام) إلا بعد انقضاء الواقعة.

بل ورد في غير واحد من الأخبار أن علة الغيبة من الأمور التي استأثر الله بعلمها، وأن المؤمن مأمور بالتسليم وإن خفيت عليه الحكمة.

فإذا كانت النصوص نفسها تحجب عنا كثيراً من أسرار الغيبة، فبأي مستند نجزم بأن هذا النظام أو ذاك هو الذي يمنع الظهور؟

ثم إن هذه الدعوى تثير إشكالاً آخر.

فإن قيل: إن المانع هو كونه نظاماً غير شرعي يحكم بغير ما أنزل الله.

قلنا: إن هذا الوصف لا يختص بنظام واحد، بل يصدق ـ بدرجات متفاوتة ـ على أكثر الأنظمة القائمة في العالم.

وإن قيل: إن المانع هو الظلم والطغيان.

قلنا: لقد عرف تاريخ الإسلام دولاً كانت أشد ظلماً، وأكثر عدواناً على أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، كالدولة الأموية، ثم العباسية، ومع ذلك لم يرد في رواية واحدة أن بقاءهما كان مانعاً من ظهور القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولا أن زوالهما شرط لقيامه.

فما هو المائز الذي خص هذا النظام دون غيره بهذه الدعوى؟

إن هذا سؤال لا يمكن أن يجيب عنه التحليل السياسي، وإنما لا بد أن يجيب عنه النص.

وهنا يتبين أن الدعوى لم تقم على رواية، وإنما قامت على قراءة سياسية للواقع، ثم أضفي عليها وصف غيبي.

وهذا هو أول مظاهر عقدنة مفهوم التمهيد.

فإن التحليل السياسي ـ مهما كان وجيهاً ـ يبقى تحليلاً بشرياً يحتمل الصواب والخطأ.

أما حين يقال: إن هذا التحليل يكشف عن مانع من موانع الظهور، فإنه يتحول إلى قضية عقدية، ويصبح الحديث عن الغيب بغير نص.

بل إن استقراء الروايات يعطينا صورة معاكسة.

فهي تجعل إزالة الطواغيت العالمية، وملء الأرض قسطاً وعدلاً، وإقامة الدولة الإلهية، من الخصائص التي اختص الله بها القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

فهو الذي إذا أذن الله له خرج، وهو الذي يفتح الله على يديه، وهو الذي يقيم دولة العدل، وهو الذي يزيل عروش الجور.

أما وظيفة المؤمن في عصر الغيبة، فقد عبرت عنها النصوص بعناوين أخرى: الانتظار، والثبات، والصبر، والورع، ومعرفة الإمام، والتسليم لأمر الله، وعدم الاستعجال.

ومن هنا يتبين أن الروايات لم تجعل إزالة الأنظمة الجائرة مقدمة لظهور الإمام، وإنما جعلتها من آثار ظهوره نفسه.

وهذا فرق جوهري بين الأمرين.

وعليه، فإن الدعوى الأولى لا ينهض عليها دليل من كتاب ولا سنة، وإنما هي قراءة سياسية ألبست لباس العقيدة.

وهذا هو أول موضع يبدأ فيه تحويل التمهيد من اجتهاد سياسي إلى مفهوم عقدي، وهو أول حلقة في سلسلة عقدنة مفهوم التمهيد التي يسعى هذا البحث إلى مناقشتها.

المظهر الثاني لعقدنة مفهوم التمهيد

هل يستلزم وجود المانع وجوب إزالته؟

لو تنزلنا ـ جدلاً ـ وسلمنا بما تقدم، وافترضنا أن وجود نظام سياسي معين يمثل مانعاً من ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإن ذلك لا ينتج بنفسه أن إزالة هذا المانع أصبحت وظيفة شرعية للأمة.

وهنا ينتقل الخطاب إلى مرحلة ثانية من عقدنة مفهوم التمهيد.

ففي المرحلة الأولى جرى تحويل تحليل سياسي إلى قضية غيبية، من خلال الادعاء بوجود مانع للظهور.

وأما في هذه المرحلة، فيجري الانتقال من الإخبار عن وجود مانع إلى إنشاء تكليف شرعي بإزالته.

وهذا انتقال يحتاج إلى دليل مستقل.

ومن المقرر في علم الأصول أن القضية الخبرية لا تتحول إلى قضية إنشائية بمجرد نفسها.

فغاية ما تثبته الدعوى الأولى ـ على فرض تماميتها ـ هو الإخبار عن وجود مانع.

أما وجوب إزالة ذلك المانع فهو حكم شرعي جديد، يحتاج إلى دليل جديد.

ولا يجوز الانتقال من الخبر إلى التكليف من دون إقامة كبرى شرعية تقتضي هذا الانتقال.

نعم، قد يقال: إن العقلاء يفهمون من الإخبار عن وجود مانع الدعوة إلى رفعه.

وهذا صحيح في موارد خاصة، لكنه ليس على إطلاقه.

وذلك لأن هذا الفهم لا ينشأ من مجرد الإخبار، وإنما من وجود كبرى ارتكازية سابقة مفروغ عنها، وهي أن تحصيل ذلك المطلوب واجب أو مطلوب ابتداءً.

فالطبيب إذا قال للمريض:
"هذا المرض يمنع الشفاء."
فإن المريض يفهم ضرورة معالجة المرض.
ولكن ليس لأن الجملة تضمنت أمراً بالعلاج، بل لأن هناك كبرى عقلائية مفادها أن الشفاء مطلوب، وأن إزالة ما يمنع المطلوب أمر لازم.

وكذلك إذا قيل:
"الجهل مانع من تحصيل العلم."
أو:
"الفقر مانع من كمال المجتمع."
فإن الدعوة إلى إزالة الجهل أو مكافحة الفقر إنما تستند إلى كبرى سابقة، وهي أن تحصيل العلم وكمال المجتمع مطلوبان ابتداءً.

فالإخبار عن المانع لا ينتج التكليف بنفسه، وإنما بواسطة تلك الكبرى.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:

أين هذه الكبرى في المقام؟

أين قال الله تعالى أو رسوله أو أوصياؤه (عليهم السلام):
إن تعجيل الظهور مطلوب من الأمة؟
أو إن إزالة موانع الظهور وظيفة عامة للمؤمنين؟
أو إن عليهم أن يعملوا على تقريب زمن الظهور؟

إن هذه هي القضية التي يحتاجها هذا الاستدلال، وهي في الحقيقة محل النزاع، فلا يجوز افتراضها ثم البناء عليها.

بل إن المتتبع للروايات يجد اتجاهاً مغايراً تماماً.

فالروايات لا تؤسس لثقافة تعجيل الظهور، وإنما تؤسس لثقافة انتظار الظهور.

ولا تدعو إلى صناعة زمن الظهور، وإنما تدعو إلى التسليم لتوقيت الله تعالى.

ولا تجعل وظيفة المؤمن إزالة ما يظنه من موانع الظهور، وإنما تجعل وظيفته الثبات على الإيمان، والصبر على طول الأمد، والورع، ومعرفة الإمام، وعدم الاستعجال.
وهذا الفرق ليس فرقاً في التطبيق، بل هو فرق في أصل النظرية.

فالخطاب الذي نناقشه يفترض ـ ضمناً ـ كبرى تقول:
"يجب على الأمة أن تعمل على تقريب الظهور، وإزالة كل ما يحول دونه."
ثم يبني عليها جميع النتائج اللاحقة.

أما الروايات، فإنها تؤسس لكبرى مختلفة تماماً، وهي:
"يجب على الأمة أن تنتظر أمر الإمام، وأن لا تستعجل ما أخره الله، وأن تقف عند حدود التكليف الذي رسمه أهل البيت (عليهم السلام)."

ومن هنا يظهر أن الانتقال من الدعوى الأولى إلى الثانية لم يكن انتقالاً برهانياً، بل كان قائماً على كبرى لم تثبت أصلاً.

وهذا هو المظهر الثاني من مظاهر عقدنة مفهوم التمهيد.

فإن التمهيد لا يصبح مشروعاً عاماً إلا إذا افترض أولاً أن تعجيل الظهور مطلوب شرعاً.

أما إذا لم تثبت هذه الكبرى، بقي الحديث عن إزالة الموانع مجرد اجتهاد سياسي، لا وظيفة دينية عامة.

بل إن النصوص الواردة في باب الغيبة تكاد تتفق على خلاف ذلك.

فهي تؤكد أن لهذا الأمر أجلاً مضروباً، وأن الله تعالى لا يستعجل لعجلة عباده، وأن من آفات عصر الغيبة الاستعجال، وأن الهالكين هم المستعجلون، وأن النجاة في التسليم والانتظار.

ومن هنا يتبين أن الشريعة لم تجعل المؤمن مسؤولاً عن تقديم موعد الظهور، وإنما جعلته مسؤولاً عن حسن الاستعداد له.

والفرق بين الأمرين عظيم.

فالأول يجعل الإنسان منشغلاً بصناعة الحدث.

وأما الثاني فيجعله منشغلاً بصناعة الإنسان الذي يكون أهلاً لنصرة الإمام إذا أذن الله تعالى له بالقيام.

وعليه، فإن مجرد افتراض وجود مانع ـ لو صح ـ لا يكفي لإثبات وجوب إزالته، ما لم تثبت أولاً الكبرى التي تجعل إزالة موانع الظهور جزءاً من وظيفة الأمة.

ولما كانت هذه الكبرى غير ثابتة في كلمات أهل البيت (عليهم السلام)، بل الذي ثبت هو خلافها، لم يبق ما يبرر هذا الانتقال.

ومن هنا يتبين أن الدعوى الثانية ليست نتيجة لازمة للدعوى الأولى، وإنما هي دعوى مستقلة تفتقر إلى دليل مستقل.

وبذلك تسقط الحلقة الثانية من البناء الذي يراد تأسيسه، ويتبين أن الانتقال من مجرد الإخبار عن مانع مزعوم إلى إنشاء تكليف عام بإزالته ليس إلا خطوة أخرى في مسار عقدنة مفهوم التمهيد، من غير أن يقوم عليها برهان معتبر من الكتاب أو السنة أو الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام).

المظهر الثالث لعقدنة مفهوم التمهيد

هل «التمهيد» عنوان شرعي أسسه أهل البيت (عليهم السلام)؟

إذا تجاوز الخطاب المرحلتين السابقتين، وافترض وجود مانع للظهور، ثم افترض وجوب إزالته، فإنه ينتقل بعد ذلك إلى خطوة أخرى، هي أخطر من سابقتيها، إذ لا يكتفي بإثبات مشروعية عمل معين، وإنما يمنحه عنواناً شرعياً جديداً، فيقال: إن إزالة هذه الموانع هي التمهيد لظهور الإمام.

وهنا نصل إلى جوهر البحث.

فإن النزاع لم يعد في حكم فعل معين، ولا في تشخيص مصلحة سياسية، وإنما أصبح في تأسيس عنوان ديني جديد يراد أن يكون المفتاح الذي يعاد على أساسه فهم عصر الغيبة كله.

وهذا هو المظهر الثالث من مظاهر عقدنة مفهوم التمهيد.

فإن كل دين إنما يعرف بعناوينه التي وضعها الشارع، لا بالعناوين التي يضعها أتباعه.

فالشارع هو الذي قال: صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وجهاد، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر.

ولم يترك للأمة أن تنشئ عناوين جديدة، ثم تجعلها أصولاً تفسر بها الدين.

ومن هنا كان أول سؤال ينبغي طرحه:
هل وجد في كلمات أهل البيت (عليهم السلام) عنوان اسمه: "التمهيد للظهور"، بالمعنى الذي يراد له اليوم؟

إن هذا السؤال سابق على البحث في مصاديق التمهيد، بل هو أساسه.

لأنه إذا لم يثبت أصل العنوان، لم يصح بناء نظرية كاملة عليه.

ومن هنا فإن المنهج العلمي يقتضي الرجوع إلى لغة الروايات نفسها.

فإن الروايات ليست مجرد أوعية للأحكام، بل هي التي ترسم لغة المذهب، وتصوغ مفاهيمه، وتحدد عناوينه الكبرى.

وحين نستقرئ الروايات الواردة في أبواب الغيبة، نجد حضوراً طاغياً لعناوين بعينها.
فالروايات تتحدث باستفاضة عن:
الانتظار.
الصبر.
الثبات.
معرفة الإمام.
الورع.
لزوم الجماعة.
التسليم.
النهي عن الاستعجال.
الامتحان والتمحيص.
حتى تكاد هذه العناوين تشكل الهوية الكاملة لعصر الغيبة.

أما عنوان التمهيد بهذا المضمون الحركي والسياسي، فلا نجد له ذلك الحضور، فضلاً عن أن نجده العنوان المركزي الذي تدور عليه وظيفة الأمة.

وهنا ينبغي الالتفات إلى قاعدة منهجية مهمة.

إن حسن المعنى لا يكفي لإثبات شرعية العنوان.

فقد يكون المعنى في نفسه صحيحاً، ولكن الشارع لم يجعله عنواناً معرفاً لتلك المرحلة.

وفرق كبير بين أن يقال:
إن بعض الأعمال قد تكون سبباً في صلاح المجتمع.
وبين أن يقال:
إن هذه الأعمال هي التمهيد للظهور.

والفرق أكبر بين أن يقال:
إن بعض الأعمال قد تهيئ الإنسان لنصرة الإمام.
وبين أن يقال:
إن وظيفة الشيعة في عصر الغيبة هي التمهيد.

فالجملة الأولى تتحدث عن أثر.
أما الثانية فتؤسس هوية.

والأولى تصف عملاً.
وأما الثانية فتعيد تعريف المرحلة كلها.

وهذا لا يجوز إلا بتوقيف من المعصوم.

وهنا يظهر وجه الإشكال في كثير من الخطابات المعاصرة.

فإنها لم تكتف بالدعوة إلى أعمال صالحة، وإنما استبدلت اللغة التي اختارها أهل البيت بلغة أخرى.

فالذي أكدت عليه الروايات هو الانتظار.

وأما الذي صار يتكرر في الأدبيات الحديثة فهو التمهيد.

وقد يبدو الفرق لأول وهلة فرقاً لفظياً.
ولكنه في الحقيقة فرق في الرؤية.

فالانتظار يجعل الإمام هو محور الحركة.

أما التمهيد ـ بهذا المعنى المتداول ـ فيجعل المشروع هو محور الحركة.

وفي ثقافة الانتظار، يسأل المؤمن دائماً:
ماذا يريد مني الإمام في عصر الغيبة؟

أما في ثقافة التمهيد، فيتحول السؤال شيئاً فشيئاً إلى: ما الذي يحتاجه مشروع الإمام؟

وبين السؤالين فرق عظيم.

لأن الأول يجعل الوظيفة تستقى من الإمام.

وأما الثاني فيجعلها تستقى من تحليل الإنسان للمشروع.

ومن هنا يبدأ الانتقال الهادئ من الائتمام بالإمام إلى الاجتهاد في رسم مشروع الإمام.

وهذا هو عين ما نعنيه بـ عقدنة مفهوم التمهيد.

إذ لم يعد التمهيد وصفاً لبعض الأعمال، بل أصبح الإطار الذي تعاد داخله قراءة الروايات، حتى غدا الانتظار نفسه يفسر بوصفه لوناً من التمهيد، مع أن الروايات جعلت الانتظار عنواناً مستقلاً قائماً بنفسه.

ولا ريب أن كل منتظر صادق يسعى إلى إصلاح نفسه، وإصلاح مجتمعه، والقيام بجميع التكاليف الشرعية.

ولكن هذه الأعمال تستمد مشروعيتها من كونها امتثالاً للتكليف الشرعي، لا من كونها حلقات في مشروع سياسي يسمى "التمهيد".

وهذا فرق دقيق، ولكنه جوهري.

فإن العنوان الذي يختاره الشارع ليس مجرد لفظ.

بل هو الذي يحدد طريقة التفكير، ويرسم حدود الوظيفة، ويمنع من التوسع في تحميل النصوص ما لم ترده.

ولهذا فإن المحافظة على لغة أهل البيت (عليهم السلام) ليست محافظة على الألفاظ فحسب، بل هي محافظة على المنهج.

ومن هنا يتبين أن الإشكال في هذا الاتجاه ليس أنه دعا إلى العمل، فإن العمل مطلوب.
ولا أنه دعا إلى الإصلاح، فإن الإصلاح واجب.

وإنما الإشكال أنه جعل التمهيد عنواناً شرعياً عاماً لعصر الغيبة، مع أن النصوص لم تجعل هذا العنوان هوية لهذه المرحلة، وإنما جعلت هويتها الانتظار.

وبذلك تكون هذه المرحلة هي أخطر مراحل عقدنة مفهوم التمهيد؛ لأنها لا تضيف حكماً جديداً فحسب، بل تضيف لغة جديدة، ثم تجعل هذه اللغة هي المفتاح الذي يعاد على أساسه تفسير العقيدة المهدوية، ووظيفة الشيعة في عصر الغيبة.

المظهر الرابع لعقدنة مفهوم التمهيد

هل التمهيد هو الوظيفة العامة للشيعة في عصر الغيبة؟

إذا جرى التسليم ـ جدلاً ـ بأن بعض الأعمال يمكن أن توصف بأنها نوع من الإعداد أو التهيئة، فإن ذلك لا يستلزم بحال أن يتحول التمهيد إلى العنوان العام الذي يحدد وظيفة الشيعة في عصر الغيبة.

وهنا نصل إلى المرحلة الرابعة من مراحل عقدنة مفهوم التمهيد.

فإن الخطاب لم يعد يصف بعض الأعمال بأنها نافعة أو راجحة، بل تجاوز ذلك إلى جعلها الوظيفة العامة للأمة، والعنوان الذي ينبغي أن تدور عليه حركتها حتى ظهور الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح:

من الذي يملك حق تعيين الوظيفة العامة للأمة في كل عصر؟

إن هذا السؤال هو جوهر الخلاف بين المدرستين.

ففي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا تستنبط وظيفة الأمة من قراءة الواقع، ولا من موازين القوى، ولا من التحليلات السياسية، ولا من تقدير المصالح والمفاسد المجردة، وإنما تؤخذ من الحجة الإلهية الذي نصبه الله تعالى إماماً على عباده.

فالإمام ليس مجرد مفسر للشريعة، بل هو المرجع في تشخيص وظيفة الوقت.

ولهذا اختلفت وظائف الأئمة، مع اتحاد العقيدة والغاية.

فقد كان الصلح هو وظيفة الإمام الحسن (عليه السلام).

وكانت النهضة هي وظيفة الإمام الحسين (عليه السلام).

ثم أصبحت المحافظة على البقية المؤمنة، وإحياء الوعي، وبناء الإنسان، هي وظيفة الإمام السجاد (عليه السلام).

ثم جاء الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام)، فانصرف جهدهما إلى بناء المدرسة العلمية، وتأسيس الهوية الفكرية للمذهب.

فهل اختلف المشروع الإلهي؟

كلا.

وهل تبدلت الغاية؟

كلا.

وإنما الذي تبدل هو وظيفة الوقت.

ومن هنا نفهم مغزى الرواية المشهورة عن النبي (صلى الله عليه وآله):

«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.»

فليست الرواية مجرد بيان لثبوت إمامتهما، بل هي تأسيس لقاعدة كبرى في فهم الإمامة.

فإن القيام ليس هو الأصل، كما أن القعود ليس هو الأصل.

وإنما الأصل هو الامتثال لأمر الله تعالى.

فقد يكون القيام عين الطاعة.

وقد يكون القعود عين الطاعة.

والمدار في الحالين على موافقة التكليف، لا على صورة الفعل.

ومن هنا كان الإمام الحسن (عليه السلام) في صلحه ممثلاً للحق كما كان الإمام الحسين (عليه السلام) ممثلاً له في نهضته.

ولو كان القيام هو الوظيفة الدائمة، لما صح صلح الحسن.

ولو كان القعود هو الوظيفة الدائمة، لما صحت نهضة الحسين.

بل إن الإمام الحسين نفسه يقدم أوضح شاهد على ذلك.

فقد عاش بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) تحت إمامة أخيه الحسن (عليه السلام)، ملتزماً بصلحه، ولم يدعُ إلى نقضه.

ثم عاش بعد شهادة الإمام الحسن قرابة عشر سنين في ظل حكم معاوية، مع ما كان فيه من الانحراف والظلم، فلم يرفع السيف، ولم يعلن الثورة، ولم يدعُ إلى المواجهة المسلحة.

ولو كانت وظيفة الإمام أو الأمة تستخرج من مجرد وجود الظلم، لكان الإمام الحسين أول من قام بذلك.

ولكن الذي تغير لم يكن شخص الإمام.

وإنما تغير أمر الله تعالى.

فلما مات معاوية، وأراد يزيد أن ينتزع من الإمام بيعة تضفي الشرعية الدينية على سلطانه، تغيرت وظيفة الوقت، فتحولت النهضة إلى تكليف إلهي.

وهنا يظهر الفارق بين مدرسة أهل البيت، وبعض القراءات المعاصرة.

فمدرسة أهل البيت تبدأ دائماً من السؤال:

ما هي وظيفة الوقت التي بينها الإمام؟

أما هذه القراءات، فإنها تبدأ من سؤال آخر:

ما الذي يحتاجه الواقع؟

ثم تجعل الجواب عن السؤال الثاني هو بعينه وظيفة عصر الغيبة.

وهذا هو منشأ التحول.

إذ تصبح قراءة الواقع هي التي تنشئ الوظيفة، بعد أن كان المفروض أن تكون الوظيفة هي التي تضبط قراءة الواقع.

ومن هنا تظهر المرحلة الرابعة من عقدنة مفهوم التمهيد.

فإن التمهيد لم يعد مجرد اجتهاد في بعض الوسائل، بل تحول إلى هوية المرحلة.

وبدلاً من أن يكون عنوان عصر الغيبة ـ كما رسمته الروايات ـ هو الانتظار، أصبح عنوانه ـ في هذا الخطاب ـ التمهيد.

وبذلك انتقل مركز الثقل من الإمام إلى المشروع.

ومن النص إلى التحليل.

ومن تلقي الوظيفة إلى إنتاج الوظيفة.

وهذا هو موضع الإشكال.

فإن الإمام المعصوم هو الذي يعرف وظيفة كل زمان، لأنه وحده المحيط بجميع المصالح والمفاسد، والعالم بسنن الله تعالى، والمؤتمن على دينه.

أما غيره، فغاية ما يملكه هو الاجتهاد في فهم الواقع.

ولا ريب أن الاجتهاد في الواقع شيء، وإنشاء الوظيفة العامة للأمة شيء آخر.

ولهذا أكدت الروايات في عصر الغيبة على معانٍ متكررة:

الانتظار.

والصبر.

والثبات.

والتسليم.

وعدم الاستعجال.

ولم تجعل عنوان المرحلة هو المبادرة إلى رسم مشروع الظهور، أو إنشاء وظائف لم يرد بها نص.

بل إن التأمل في مجموع الأخبار يكشف أن أعظم امتحان في عصر الغيبة ليس امتحان الإيمان بالإمام فحسب، وإنما امتحان التسليم للإمام.

أي: الوقوف حيث أوقف، وعدم التقدم عليه فيما اختصه الله تعالى به.

وهذا هو معنى الائتمام.

فالائتمام ليس أن نشارك الإمام في مشروعه قبل أوانه.

وإنما أن لا نسبقه إليه.

كما أن المأموم في الصلاة لا يكون مؤتماً بإمامه لأنه يشاركه في الأفعال، بل لأنه لا يتقدم عليه، ولا يسبقه، ولا يتحرك إلا تبعاً لحركته.

ومن هنا يتبين أن وظيفة الشيعة في عصر الغيبة لا يمكن أن تستنبط من حرارة الأحداث، ولا من ضغط الواقع، ولا من مقتضيات السياسة، وإنما تستنبط من النصوص التي رسم بها أهل البيت (عليهم السلام) معالم هذه المرحلة.

وهذه النصوص ـ بحسب ما تقدم ـ لم تجعل التمهيد عنواناً عاماً لعصر الغيبة، وإنما جعلت عنوانها الانتظار.

وبذلك يظهر أن جعل التمهيد هوية هذه المرحلة ليس مجرد اجتهاد في التطبيق، بل يمثل مرحلة متقدمة من مراحل عقدنة مفهوم التمهيد، حيث يتحول اجتهاد عملي إلى تعريف جديد لوظيفة الشيعة في زمن الغيبة، من غير أن ينهض على هذا التحول دليل صريح من كلمات أهل البيت (عليهم السلام).

المظهر الخامس لعقدنة مفهوم التمهيد

هل التمهيد من مقتضيات العقيدة المهدوية؟

إذا انتهى الخطاب إلى جعل التمهيد هو الوظيفة العامة للشيعة في عصر الغيبة، بقيت خطوة أخيرة، هي أخطر من جميع ما سبق، وهي أن يقال: إن هذه الوظيفة ليست مجرد اجتهاد عملي، وإنما هي مقتضى العقيدة نفسها.

وهذا هو ما يفهم من قول المتحدث:
«ننطلق من عقيدتنا في مواجهته.»

فإن ظاهر هذه العبارة أن هذا المشروع لا يستند إلى مجرد تشخيص سياسي، ولا إلى اجتهاد فقهي، وإنما إلى العقيدة المهدوية ذاتها.

وهنا تبلغ عملية عقدنة مفهوم التمهيد ذروتها.

إذ لم يعد التمهيد عنواناً للعمل فحسب، بل أصبح جزءاً من مضمون الاعتقاد بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

ومن هنا يفرض السؤال نفسه:
هل جعل أهل البيت (عليهم السلام) هذا المشروع من مقتضيات العقيدة بالإمام؟

والجواب عن هذا السؤال يتوقف على التمييز بين أمرين كثيراً ما يختلطان في الخطاب الديني.

الأول: أن يكون العمل منبعثاً من العقيدة.

والثاني: أن يكون العمل جزءاً من العقيدة.

والفرق بينهما بعيد.

فالمؤمن يصلي بدافع العقيدة.
ويصوم بدافع العقيدة.
ويجاهد بدافع العقيدة.
ويتصدق بدافع العقيدة.

لكن أحداً لا يقول إن هيئة معينة للصلاة، أو صورة معينة للجهاد، أو أسلوباً خاصاً في العمل السياسي، أصبحت جزءاً من العقيدة نفسها.

بل العقيدة هي الأصل الذي يمنح جميع هذه الأعمال معناها، دون أن تتحول الأعمال إلى عناصر في بنية العقيدة.

وهذا هو الفارق الذي يغيب في كثير من الخطابات الحركية.

فإنها تنتقل ـ من حيث تشعر أو لا تشعر ـ من القول:
إن العقيدة تدفعنا إلى العمل.
إلى القول:
إن هذا العمل هو مقتضى العقيدة.

والفرق بين العبارتين هو الفرق بين الفقه والكلام، وبين الوظيفة والإيمان.

ومن هنا نسأل:
أين جعل أهل البيت (عليهم السلام) إزالة الأنظمة الجائرة، أو بناء مشروع سياسي معين، أو العمل على إزالة ما يظن أنه من موانع الظهور، جزءاً من الاعتقاد بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)؟

إن المتتبع للنصوص يجد أن العقيدة المهدوية التي أسسها الأئمة (عليهم السلام) تقوم على أصول واضحة:
الإيمان بإمامته.
والإيمان بغيبته.
والإيمان بأنه الحجة على الخلق.
والإيمان بأن الله تعالى سيأذن له بالظهور في الوقت الذي يريده سبحانه.
والإيمان بأنه هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
والإيمان بوجوب انتظار أمره، والثبات على ولايته.

أما تحويل مشروع معين إلى مقتضى من مقتضيات هذه العقيدة، فلا نجد له أصلاً في كلماتهم.

بل إن سيرة الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم تنقض هذا الفهم.

فقد كانت العقيدة واحدة عندهم جميعاً.
وكان الإمام واحداً في كل زمان.
وكان الهدف واحداً.

ولكن صور الحركة اختلفت اختلافاً جذرياً.
فالحسن (عليه السلام) صالح.
والحسين (عليه السلام) نهض.
والسجاد (عليه السلام) صبر.
والباقر والصادق (عليهما السلام) بنيا المدرسة العلمية.

ولم يكن اختلاف هذه الوظائف ناشئاً عن اختلاف في العقيدة.

بل عن اختلاف في التكليف.

ومن هنا يتبين أن العقيدة لا تنتج صورة واحدة من الفعل.

وإنما تنتج أصلاً أعلى، هو التسليم لله تعالى، والانقياد لحجته، والوقوف عند حدود ما أمر به الإمام في كل ظرف.

وهذا هو السر العميق في قول النبي (صلى الله عليه وآله):
«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.»

فإن الرواية لا تمدح القيام لكونه قياماً، ولا القعود لكونه قعوداً.
وإنما تمدح الامتثال.

فقد يكون القيام هو عين الطاعة.
وقد يكون القعود هو عين الطاعة.

وليس المدار على صورة الحركة، وإنما على موافقة أمر الله تعالى.

ولهذا كان الإمام الحسن (عليه السلام) في صلحه أعظم الناس جهاداً، كما كان الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته أعظم الناس جهاداً.

وكان كل واحد منهما ممثلاً للعقيدة نفسها.

ومن هنا يظهر أن العقيدة الإمامية لا تصنع مشروعاً سياسياً بعينه، وإنما تصنع إنساناً مؤتمّاً بإمامه.

والائتمام لا يعني مشاركة الإمام في كل ما سيقوم به.

بل يعني أن لا يسبقه فيما لم يؤذن له به.

فكما أن المأموم في الصلاة لا يكون مؤتماً لأنه يفعل ما يفعله الإمام، وإنما لأنه لا يتقدمه، كذلك المؤمن في عصر الغيبة لا يكون مؤتماً بإمامه لأنه يحاول أن ينجز مشروعه قبل ظهوره، وإنما لأنه يقف حيث أقامه الإمام، ويقوم إذا أمره بالقيام، ويقعد إذا أمره بالقعود.

وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين العقيدة والمشروع.

فالعقيدة تجعل الإمام هو الذي يحدد المشروع.

وأما إذا أصبح المشروع هو الذي يعاد تفسير العقيدة على أساسه، فقد انعكست المعادلة.

ومن هنا كان أخطر ما في هذا الاتجاه أنه لا يكتفي بإضافة اجتهاد جديد في باب العمل، وإنما يعيد تشكيل مضمون العقيدة المهدوية نفسها، حتى تصبح بعض الاجتهادات العملية جزءاً من الاعتقاد بالإمام.

وهذا هو المعنى الدقيق لما سميناه في هذا البحث عقدنة مفهوم التمهيد.

فإن التمهيد لم يعد مجرد اجتهاد في بعض وظائف عصر الغيبة، بل أصبح ـ في هذا الخطاب ـ مكوناً من مكونات العقيدة، ومعياراً يحدد كيفية فهم الإمامة نفسها.

وهذا انتقال بالغ الخطورة، لأنه ينقل الإنسان من تلقي العقيدة عن المعصوم إلى إعادة بناء العقيدة في ضوء اجتهادات البشر، مع أن الأصل في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أن تبقى العقيدة هي الحاكمة على الاجتهاد، لا أن يصبح الاجتهاد هو الذي يعيد تشكيل العقيدة.

وأحسب أن هذا هو أخطر مظاهر عقدنة مفهوم التمهيد؛ لأن الفقه إذا اتسع أمكن تصحيحه بالمراجعة والاجتهاد، أما إذا تحولت الاجتهادات الفقهية إلى مسلمات عقدية، غدا نقدها عند كثير من الناس نقداً للعقيدة نفسها، مع أنها لم تكن في أصلها إلا فهماً بشرياً قابلاً للمناقشة والأخذ والرد. 

ومن هنا كانت المحافظة على نقاء العقيدة تقتضي التمييز الدقيق بين ما أسسه أهل البيت (عليهم السلام) في باب الإيمان، وما هو اجتهاد متأخر في تفسير بعض وظائف عصر الغيبة، لئلا تختلط حدود العقيدة بحدود الفقه، فيدخل في الأولى ما ليس منها.

المظهر السادس لعقدنة مفهوم التمهيد

هل البلاء دليل على صحة المشروع؟

بعد أن انتهى الخطاب إلى تأسيس مشروع التمهيد، وربطه بالعقيدة المهدوية، ختم المتحدث كلامه بقوله:
«وهذا ما يعرضنا للبلاء... وقد تعرضنا للبلاء، وما زلنا نتعرض للبلاء.»

ولا ريب أن ذكر البلاء في هذا السياق لم يكن لمجرد الإخبار عن وقوعه، فإن البلاء سنة إلهية عامة لا يختص بأحد، وإنما سيق الكلام ليستفاد منه أن هذه البلاءات إنما هي ثمرة السير في الطريق الذي أراده الله تعالى، وأنها شاهد على صحة هذا المشروع.

وهنا تظهر مرحلة جديدة من مراحل عقدنة مفهوم التمهيد.

فبعد أن جرى إضفاء الصبغة العقدية على المشروع، أصبح ما يقع في سبيله من بلاء يقدم بوصفه دليلاً على صحة المبنى نفسه.

غير أن هذا الاستدلال يحتاج إلى تأمل.

فإن القرآن الكريم، والسنة الشريفة، لم يجعلا البلاء ميزاناً لمعرفة الحق، وإنما جعلا الميزان هو موافقة أمر الله تعالى.

فالبلاء قد يقع في سبيل الحق.
وقد يقع في سبيل الباطل.
وقد يقع بسبب طاعة الله.
وقد يقع بسبب خطأ الإنسان في تشخيص تكليفه.

وليس مجرد وقوع البلاء كاشفاً عن شيء من ذلك.

ولهذا ابتلي الأنبياء (عليهم السلام)، وابتلي الأولياء، وابتلي المؤمنون.

وفي المقابل، ابتلي أيضاً أصحاب الدعوات الباطلة، وتحملوا أنواعاً شديدة من الأذى، 

ولم يكن ذلك دليلاً على صحة معتقداتهم.

فلو كان البلاء معياراً للحق، للزم تصحيح كل دعوة دفعت أثماناً باهظة، وهو ما لا يقول به أحد.

ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس:
هل وقع البلاء؟

وإنما:
هل وقع البلاء في مورد أذن الله تعالى به؟

فإن الثواب لا يترتب على مجرد المشقة، وإنما يترتب على المشقة الواقعة في طاعة الله.

ومن هنا جاءت الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) لتؤكد هذه الحقيقة.
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«من تعرض لسلطان جائر فأصابته بلية، لم يؤجر عليها، ولم يرزق الصبر عليها.»
ومضمون هذه الرواية في غاية الدقة.

فإنها لا تنفي وقوع البلاء، وإنما تنفي أن يكون مجرد وقوعه موجباً للأجر.

لأن المدار ليس على حجم المصيبة، وإنما على مشروعية المورد الذي وقعت فيه.

فالإنسان قد يعرض نفسه للبلاء باختياره، نتيجة دخوله في أمر لم يكلفه الله تعالى به، فلا يكون مجرد تحمله لذلك البلاء دليلاً على صحة ما أقدم عليه.

وهذا يكشف عن قاعدة دقيقة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وهي أن:
المشقة لا تنشئ المشروعية، وإنما المشروعية هي التي تمنح المشقة قيمتها الشرعية.

وهذا هو الفارق بين من يتحمل البلاء في امتثال أمر الله، ومن يتحمله في اجتهاد لم يثبت أنه هو التكليف الإلهي.

ومن هنا ينبغي التفريق بين أمرين:

الأول: صدق النية والإخلاص.

والثاني: صحة تشخيص الوظيفة.

فقد يكون الإنسان مخلصاً غاية الإخلاص، ويبذل نفسه لله تعالى، ويتحمل أعظم البلاءات، ومع ذلك يكون قد أخطأ في تشخيص ما أراده الله منه.

كما قد يصيب في تشخيصه ويكون مأجوراً على ما تحمل.

وهذان أمران مختلفان.

ولذلك لا يجوز أن يجعل حجم التضحيات، أو كثرة الشهداء، أو عظم المصائب، دليلاً على صحة المشروع الذي انطلقت منه تلك التضحيات.

بل لا بد أولاً من إثبات أن هذا المشروع هو عين ما أمر الله تعالى به.

فإذا ثبت ذلك، كان البلاء الواقع فيه بلاءً في سبيل الله.

وأما إذا لم يثبت أصل التكليف، فلا يمكن جعل البلاء دليلاً على إثباته؛ لأن الفرع لا يثبت الأصل.

بل إن الروايات الواردة في باب الغيبة ترسم صورة أخرى للبلاء.

فهي تجعل البلاء من طبيعة زمن الغيبة نفسه.
فالمؤمن يبتلى.
ويمحص.
ويغربل.
ويطول عليه الأمد.
ويؤذى في دينه.
ويعيش غربة الحق.
وهذا كله قبل الظهور.

ولكن هذه البلاءات ليست معلقة على إنشاء مشروع خاص، ولا على تبني نظرية معينة في التمهيد، وإنما هي من لوازم الثبات على الإيمان في عصر الغيبة.

وهنا يظهر الفارق بين المدرستين.

فالروايات تجعل البلاء ثمناً للانتظار.

وأما هذا الخطاب فيجعله ثمناً للتمهيد.

وبين الأمرين فرق جوهري.

فالمنتظر يبتلى لأنه ثبت على ما أمره به الإمام.

وأما صاحب مشروع التمهيد، فلا يكفي أن يبتلى حتى يثبت أن مشروعه هو الذي أراده الإمام.

ومن هنا يتبين أن البلاء لا يصلح دليلاً على صحة النظرية، وإنما أقصى ما يدل عليه هو أن أصحابها قد تحملوا وضحوا.

أما صحة المبنى، فلا تعرف إلا بالدليل.

وهذا هو الميزان الذي أرسته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث جعلت الحق هو الذي يفسر البلاء، ولم تجعل البلاء هو الذي يثبت الحق.

وبذلك يتبين أن جعل البلاءات المتعاقبة شاهداً على صحة مشروع التمهيد يمثل مرحلة أخرى من مراحل عقدنة مفهوم التمهيد، إذ يتحول الأثر المترتب على المشروع إلى برهان على أصل المشروع، مع أن البرهان لا بد أن يسبق العمل، لا أن يستخرج منه بعد وقوعه.

المظهر السابع لعقدنة مفهوم التمهيد
 
من الائتمام بالإمام إلى المشاركة في مشروعه قبل ظهوره

بعد أن مررنا بالمراحل المتقدمة كلها، نصل إلى النتيجة النهائية التي ينتهي إليها هذا البناء الفكري.

فإذا قيل:
إن هناك موانع للظهور.
وإن إزالة هذه الموانع واجبة.
وإن ذلك هو التمهيد.
وإن التمهيد هو الوظيفة العامة للأمة.
وإنه من مقتضيات العقيدة المهدوية.
ثم جعل البلاء الواقع في سبيله شاهداً على صحته...
فإن النتيجة الطبيعية لذلك كله هي أن تصبح الأمة مطالبة بالشروع في تنفيذ المشروع العالمي للإمام قبل ظهوره.

وهنا تبلغ عقدنة مفهوم التمهيد غايتها.

إذ لا يبقى الإمام هو الذي يبدأ مشروعه حين يأذن الله تعالى له، وإنما تصبح الأمة مطالبة ـ بحسب هذا الفهم ـ بالشروع في إزالة العقبات، وتهيئة الأرض، وإنجاز جزء من المشروع الذي أوكله الله تعالى إلى وليه.

ومن هنا يظهر أن البحث لا ينتهي إلى اختلاف في بعض التطبيقات، بل ينتهي إلى اختلاف في فلسفة الإمامة نفسها.

ذلك أن الإمامة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليست مجرد قيادة لمشروع عالمي، وإنما هي مرجعية إلهية في معرفة التكليف.

فكما أن الإمام هو الذي يبين الأحكام، فهو الذي يبين وظيفة الوقت.

ومن هنا كان أعظم معنى للإيمان بالإمام هو التسليم له.

وقد عبرت الروايات عن هذا المعنى بأوضح بيان، حين نهت عن التقدم عليهم، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام):
«ولا تتقدموا عليهم فتهلكوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا.»

فلم تجعل النجاة في كثرة الحركة، ولا في شدة الحماسة، وإنما جعلتها في ملازمة الإمام، وعدم التقدم عليه، وعدم التأخر عنه.

وهذا هو المعنى الحقيقي للائتمام.

فالائتمام ليس مجرد المحبة.
وليس مجرد الاعتقاد بالإمامة.

بل هو أن يكون الإمام هو الذي يحدد للمؤمن متى يقوم، ومتى يقعد، ومتى يصالح، ومتى يجاهد، ومتى يصبر، ومتى ينتظر.

ولهذا كان من أبلغ ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.»
فلم يجعل القيام فضيلة في نفسه، ولا القعود فضيلة في نفسه.

والائتمام بالإمام يشبه ـ في حقيقته ـ ائتمام المأموم بإمام الجماعة.

فليس معنى الاقتداء أن يسبق المأموم إمامه إلى الركوع أو السجود.

بل إن حقيقة الائتمام أن لا يتقدم عليه، وأن لا يشاركه في تحديد موضع الحركة، وإنما ينتظر انتقال إمامه، ثم ينتقل معه.

وكذلك المؤمن في عصر الغيبة.
فليس معنى الإيمان بالإمام أن يباشر المشروع الذي اختصه الله تعالى به.

بل معناه أن يقف عند حدود الوظيفة التي رسمها الإمام لأتباعه في هذا العصر.

فإذا أذن الله تعالى لوليه بالظهور، ونهض الإمام بمشروعه العالمي، كان المؤمن أول الملبين.

أما قبل ذلك، فإن أعظم معاني النصرة هي عدم التقدم على الإمام.

ومن هنا نفهم سر تركيز الروايات على النهي عن الاستعجال.
فإن الاستعجال ليس مجرد خطأ في التوقيت.
بل هو ـ في حقيقته ـ خروج عن مقام العبودية.
لأن العبد لا يختار وقت تنفيذ المشروع الإلهي، وإنما ينتظر أمر مولاه.

ولهذا كانت الروايات تؤكد أن الهالكين هم المستعجلون، وأن الناجين هم المسلمون المنتظرون.

ومن هنا يتبين أن جوهر الانتظار ليس السكون، كما يحاول بعضهم تصويره.

وليس التمهيد بالمعنى الحركي الذي يتبناه هذا الاتجاه.

بل هو العبودية الخالصة.

أن لا ترى لنفسك حق المبادرة فيما لم يأذن الله تعالى به.

وأن لا تجعل حرارة الواقع مقدمة على نصوص الإمام.

وأن لا تحملك الرغبة في تعجيل الخير على التقدم بين يدي الله ورسوله.

وهذا هو المعنى الذي تشير إليه الآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
فإنها ليست خاصة بزمن الحضور، بل هي قاعدة عامة في كل مورد يكون فيه لله تعالى ورسوله، ومن بعده أوصياؤه، أمر لم يأذنوا بتجاوزه.

ومن هنا فإن أخطر ما تنتهي إليه عقدنة مفهوم التمهيد ليس مجرد توسيع بعض الوظائف العملية، وإنما إعادة تشكيل معنى الائتمام بالإمام.

فبدلاً من أن يكون الائتمام هو تلقي الوظيفة منه، يصبح هو المشاركة في مشروعه قبل أوانه.

وبدلاً من أن تكون النجاة في الوقوف عند حدوده، تصبح في المبادرة إلى ما يظن أنه مشروعه.

وهذا ـ في تقديري ـ هو أبعد ما تكون عنه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

الخاتمة

انتهى هذا البحث إلى أن الإشكال لا يكمن في الدعوة إلى الإصلاح، ولا في مقاومة الظلم ضمن حدود التكليف الشرعي، ولا في بناء الإنسان والمجتمع، فإن ذلك كله مما اتفقت عليه نصوص الكتاب والسنة، وسارت عليه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

وإنما يكمن الإشكال في تحويل مفهوم التمهيد من اجتهاد عملي إلى أصل عقدي، يعاد على أساسه تفسير عصر الغيبة، وتحديد وظيفة الشيعة، وإعادة بناء العلاقة بين الأمة وإمامها المنتظر.

وقد بينا أن هذا التحول يمر ـ بحسب هذا الخطاب ـ بمراحل متتابعة:
فيبدأ بالحديث عن وجود موانع للظهور.
ثم ينتقل إلى وجوب إزالتها.
ثم يجعل ذلك هو التمهيد.
ثم يحول التمهيد إلى الوظيفة العامة للأمة.
ثم يدخله في صميم العقيدة المهدوية.
ثم يجعل البلاءات الواقعة في سبيله شاهداً على صحته.
ثم ينتهي إلى جعل الأمة شريكة في المشروع العالمي للإمام قبل ظهوره.

وهذه الحلقات جميعاً هي التي عبرنا عنها في هذا البحث بـ عقدنة مفهوم التمهيد.

وقد حاولنا أن نبين أن شيئاً من هذه المراحل لم يثبت بدليل صريح من القرآن الكريم، ولا من السنة الشريفة، ولا من كلمات أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما الذي دلت عليه النصوص هو بناء ثقافة مغايرة، عنوانها الانتظار.

والانتظار في منطقهم ليس عزلة عن الحياة، ولا استسلاماً للباطل، ولا هروباً من المسؤولية.

وإنما هو مدرسة في العبودية، قوامها الثبات على الدين، والقيام بجميع التكاليف الشرعية، وإصلاح النفس والمجتمع، والصبر على طول الأمد، والاستعداد الدائم لنصرة الإمام، مع الوقوف عند الحدود التي رسمها هو، وعدم التقدم عليه فيما اختصه الله تعالى به.

ومن هنا فإن أعظم ما يتجلى به الانتظار ليس كثرة الحركة، ولا كثرة الشعارات، وإنما كمال الائتمام.

أن يكون الإمام هو الذي يرسم الوظيفة، لا أن يرسمها الناس ثم ينسبوها إليه.

وأن يكون المؤمن حيث أقامه إمامه، لا حيث تقوده حماسته.

وأن يعلم أن من أعظم القربات في عصر الغيبة أن يحفظ حدود العبودية، فلا يتقدم بين يدي الله ورسوله وحجته، كما لا يتأخر عنهم.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للانتظار الذي أراده أهل البيت (عليهم السلام): أن تكون مستعداً للقيام إذا قام إمامك، ومستعداً للقعود إذا قعد، لأن مدار النجاة ليس على صورة الفعل، وإنما على موافقة الحجة التي جعلها الله تعالى على عباده.

فإذا بقيت هذه الحقيقة حاضرة في الوعي الإمامي، بقيت العقيدة المهدوية نقية كما أرادها أهل البيت (عليهم السلام)، وبقيت الإمامة هي مصدر الوظيفة، لا أن تتحول الوظائف المستنبطة إلى مصدر يعاد على أساسه تشكيل الإمامة نفسها.

الامام_المهدي.webp

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!