من الظواهر التي تستدعي التوقف والتأمل أن يُروَّج لبعض الأشخاص أو المرجعيات أو الحركات من خلال الإيحاء بوجود علاقة خاصة بينها وبين الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فيقال: إن فلاناً «متصل بإمام زمانه».
فقد يتوهم بعض الناس أن هذه الدعوى أخف شأناً من دعوى السفارة أو النيابة الخاصة، والحال أن التأمل يكشف أنها لا تقل خطورة عنها، بل قد تكون أخطر منها في بعض الأحيان.
فإن التوقيع الشريف المروي عن الناحية المقدسة إنما حكم على مدعي المشاهدة بقوله: «فهو كذاب مفتر»، مع أن المشاهدة في نفسها لا تستلزم أكثر من دعوى اللقاء والرؤية.
أما أصحابنا المتقدمون (رضي الله عنهم) فقد كانوا أشد موقفاً تجاه من يدعي مقاماً يتجاوز مجرد الرؤية إلى وجود ارتباط خاص بالإمام.
ومن هنا قال ابن قولويه فيما نقله الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة: «عندنا أن كل من ادعى الأمر بعد السمري [السفير الرابع والأخير] فهو كافر منمّس [دجال] ضال مضل».
وذلك لأن القضية لم تكن قضية رؤية شخص للإمام أو عدم رؤيته، بل قضية ادعاء موقع خاص يربط صاحبه بالإمام ويجعله مرجعاً للناس من طريق غير الطريق الذي رسمه أهل البيت (عليهم السلام).
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرد لفظ «الاتصال»، بل فيما ينطوي عليه من لوازم.
فإذا كان معنى الاتصال أن شخصاً ما يستطيع أن يتلقى من الإمام التوجيهات والأوامر، أو أن يعرف رأيه الخاص في القضايا المختلفة، فما الفرق العملي بين هذه الدعوى وبين دعوى السفارة والنيابة الخاصة؟
فما الفرق بين من يقول: «أنا سفير الإمام»، وبين من يقول: «لست سفيراً له، لكنني أتلقى منه التعليمات والتوجيهات وأنقل إرادته للناس»؟!
إن اختلاف الألفاظ لا يغير من حقيقة المضمون شيئاً.
ولهذا كان علماء الطائفة في غاية التحفظ تجاه هذه الدعاوى، لأن بابها إذا فُتح لم يبق للضوابط العلمية والشرعية معنى، وصار كل مدعٍ قادراً على أن يفرض نفسه على الناس من خلال دعوى لا يمكن التحقق منها ولا إقامة البينة عليها.
ولم يجعل أهل البيت (عليهم السلام) في عصر الغيبة طريق معرفة الأحكام قائماً على المنامات أو المكاشفات أو الدعاوى الخاصة، وإنما أرجعوا الشيعة إلى القواعد العامة، وإلى العلماء الجامعين للشرائط، وإلى الموازين العلمية المعروفة.
ولهذا فإن المزية التي ينبغي أن يُعرَف بها العالم أو المرجع ليست أنه «متصل بالإمام»، بل علمه، وتقواه، وورعه، وبصيرته، وقدرته على الاستنباط، وسلامة منهجه، وشهادة أهل الخبرة له.
أما تحويل دعوى الاتصال بالإمام إلى وسيلة لإثبات المرجعية أو ترجيح شخص على غيره فهو أمر بالغ الخطورة؛ لأنه ينقل الناس من دائرة الدليل والبرهان إلى دائرة الدعاوى التي لا ضابط لها.
والمؤمن الموالي لأهل البيت (عليهم السلام) مأمور بأن يكون شديد الاحتياط في مثل هذه الأمور، وأن يقف عند الحدود التي رسمها الأئمة (عليهم السلام)، فلا يرفع أحداً فوق منزلته، ولا يقبل دعوى لا دليل عليها، ولا يستبدل الموازين الشرعية الواضحة بشعارات عاطفية قد تفتح أبواب الانحراف على مصاريعها.
إن حفظ عقيدة الغيبة كما أرادها أهل البيت (عليهم السلام) يقتضي سد هذا الباب، والتمسك بما أجمع عليه علماؤنا من أن عصر الغيبة الكبرى قد انقطع فيه باب السفارة والنيابة الخاصة، وأن طريق الأمة إلى دينها هو الدليل الشرعي والعلم المعتبر، لا دعاوى الاتصال الخاصة التي ما جرّت على الأمة عبر التاريخ إلا الفتن والاضطراب.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!