كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

تشابه الفاسدين .. لماذا يسرقون بالطريقة نفسها؟

 كلما كُشف ملف فساد جديد في العراق ، لا يتوقف الناس عند حجم الأموال المنهوبة بقدر ما يدهشهم التشابه المثير في طريقة ارتكاب الجريمة , شركات وهمية ، عقود مبالغ ، عقارات فاخرة في الخارج ، حسابات معقدة ، وأموال نقدية مخبأة في أماكن يصعب الوصول إليها.
ويتكرر السؤال : هل يجلس هؤلاء الفاسدون حول طاولة واحدة ليتفقوا على أساليب السرقة ؟ أم أن بينهم مدرسة سرية لتعليم الفساد؟
الإجابة ، على الأرجح ، أكثر تعقيدًا من نظريات المؤامرة ، وأكثر بساطة مما نتخيل, فالفساد ليس مجرد قرار فردي ، بل هو منظومة تتعلم من نفسها, وكلما نجحت طريقة في إخفاء الأموال أو تعطيل الملاحقة القانونية ، انتشرت بين الشبكات الفاسدة , كما تنتشر الوصفة الناجحة في أي مهنة أخرى , فالغاية واحدة ، والمخاطر متشابهة ، والنتيجة أن الجميع يسلك الطريق الذي أثبت فعاليته , لكن قبل أن نبحث عن الأموال ، ينبغي أن نفهم العقل الذي قرر سرقتها.
الفساد لا يبدأ في الخزائن ، بل يبدأ عندما يفقد المنصب معناه بوصفه مسؤولية ، ويتحول إلى امتياز شخصي , وعندها يصبح المال العام بلا مالك في نظر الفاسد ، ويصبح الاستيلاء عليه فعلًا يمكن تبريره بحجج مختلفة, الجميع يفعل ذلك ، أو لن يتغير شيء ، أو هذه فرصتي قبل أن أغادر المنصب .
إن أخطر ما يفعله الفساد ليس سرقة المال ، بل سرقة الإحساس بالمسؤولية , ومع مرور الوقت ، تتبلد المشاعر, فلا يعود المسؤول يرى في نقص الأدوية مرضى ينتظرون العلاج ، ولا في المدارس المتهالكة أطفالًا يحلمون بمستقبل أفضل ، ولا في الطرق المدمرة أرواحًا قد تُزهق بسبب الإهمال , تتحول المآسي إلى أرقام ، ويتحول الإنسان إلى بند في موازنة يمكن التلاعب بها.
ومن هنا يبدأ التشابه  .ليس لأن الفاسدين يتفقون سرًا، بل لأنهم يتحركون داخل البيئة نفسها ، ويواجهون المخاطر ذاتها ، ويستعينون غالبًا بالوسطاء أنفسهم من مستشارين ماليين ومحامين وشركات واجهة ومتخصصين في إخفاء الأصول وغسل الأموال , وعندما ينجح نموذج معين في الإفلات من الرقابة ، يصبح النموذج المفضل لدى الآخرين.
الخوف يلعب دورًا كبيرًا.
فالفاسد يعلم أن السلطة لا تدوم ، وأن الحليف قد يصبح خصمًا، وأن تغيرًا سياسيًا واحدًا قد يحوله من صاحب نفوذ إلى متهم أمام القضاء , لذلك يسعى إلى تحويل الأموال سريعًا إلى أصول يصعب مصادرتها ، أو نقلها إلى ولايات قضائية أكثر تعقيدًا ، أو الاحتفاظ بجزء منها خارج النظام المالي الرسمي ,إنه لا يثق حتى بالمنظومة التي استفاد منها.
وهنا تكمن المفارقة ؛ فالفاسد كلما ازدادت ثروته ، ازداد خوفه, يشتري القصور لكنه يخشى الإقامة فيها ، ويفتح الحسابات , لكنه يخاف تتبعها، ويحيط نفسه بالحراس لأنه لا يشعر بالأمان.
إن الثروة غير المشروعة لا تمنح صاحبها الاستقرار، بل تمنحه قلقًا دائمًا من انكشاف الماضي أو تغير المستقبل ,غير أن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية الكارثة لا يكفي ,فالفساد لا يعيش طويلًا إلا عندما يجد مؤسسات ضعيفة ، وقوانين لا تُطبق بعدالة ، ورقابة شكلية ، وإجراءات تسمح بتكرار الأخطاء نفسها , وفي المقابل ، تثبت تجارب دول عديدة أن بناء مؤسسات مستقلة ، وتعزيز الشفافية ، وحماية أجهزة الرقابة والقضاء ، يمكن أن يقلص الفساد حتى وإن لم يقضِ عليه بالكامل.
ولهذا فإن معركة مكافحة الفساد ليست معركة أخلاقية فقط ، بل هي معركة بناء دولة.
دولة تجعل المنصب تكليفًا لا غنيمة ، وتجعل المال العام أمانة لا فرصة ، وتجعل القانون أقوى من النفوذ، والمحاسبة أسرع من التبرير.
وفي النهاية ، قد ينجح الفاسد في إخفاء الأموال سنوات،  وربما عقودًا، لكنه يعجز عن إخفاء آثاره , فكل مشروع لم يُنجز، وكل مستشفى افتقر إلى الدواء ، وكل مدرسة بقيت بلا بناء ، وكل شاب فقد فرصة عمله, هي شواهد حية على أن المال المسروق لا يختفي ، بل يتحول إلى معاناة يومية يعيشها ملايين المواطنين.
ولعل أعظم ما يخشاه الفاسد ليس كشف حساباته المصرفية ، بل أن يأتي يوم يصبح فيه التاريخ هو القاضي ، والشعب هو الشاهد، والعدالة هي الحكم الذي لا يسقط بالتقادم.
 
✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول الكاتب ظاهرة التشابه في أساليب الفساد، مبينًا أن الأمر لا يعود إلى اتفاقٍ سري بين الفاسدين، بل إلى تشابه البيئة التي تسمح بتكرار الأدوات والوسائل ذاتها. ويرى أن الفساد يبدأ عندما يتحول المنصب من مسؤولية إلى امتياز شخصي، فتغيب قيمة المال العام وتضعف الرقابة. كما يؤكد أن مكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، ورقابة فاعلة تجعل القانون أعلى من النفوذ. ويختتم المقال بالتأكيد أن آثار الفساد تبقى حاضرة في معاناة المواطنين، وأن التاريخ والعدالة سيظلان الشاهد الأكبر على ما ارتُكب بحق الوطن.

الفساد.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!