✦ كتابات في الميزان ✦ خاص
في وقتٍ يؤكد فيه الدستور العراقي ضرورة حماية أصحاب الدخل المحدود وضمان العدالة في فرض الضرائب، تتصاعد شكاوى المواطنين من اتساع دائرة الرسوم والجبايات الحكومية، وسط تساؤلات عن مدى انسجام هذه السياسات مع النصوص الدستورية، في ظل استمرار تراجع مستوى الخدمات الأساسية التي يفترض أن تكون مقابلًا لما يدفعه المواطن من أموال.
ويرى مختصون أن الحكومات المتعاقبة اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تعظيم الإيرادات غير النفطية عبر زيادة الرسوم واستحداث جبايات جديدة، بدلاً من معالجة الخلل البنيوي في الاقتصاد، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، واسترداد الأموال المنهوبة، ومكافحة الفساد، الأمر الذي جعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح المالي.
أعباء مالية تتزايد مقابل خدمات متراجعة
يؤكد مواطنون أن الرسوم الحكومية أصبحت تشمل معظم مفاصل الحياة اليومية، من الكهرباء والماء إلى المرور والتعليم والصحة، دون أن يقابلها تحسن ملموس في الخدمات.
ويقول المواطن عباس كاظم إن ما يدفعه المواطن من ضرائب ورسوم ينبغي أن ينعكس على مستوى الخدمات، إلا أن الواقع يشير إلى استمرار معاناة المواطنين في القطاع الصحي، إذ تضطر آلاف العائلات إلى مراجعة المستشفيات الأهلية بسبب ضعف الخدمات الحكومية.
وأضاف أن أجور جباية الكهرباء في بعض المناطق تصل إلى نحو 200 ألف دينار شهرياً، رغم أن ساعات التجهيز لا تتجاوز أربع أو خمس ساعات يومياً، وهو ما يزيد الأعباء على الأسر، التي تضطر في الوقت نفسه إلى تشغيل المولدات الأهلية.
المرور.. رسوم مرتفعة وشوارع متضررة
ولا تقتصر الأعباء على قطاع الكهرباء، إذ يشكو أصحاب المركبات من ارتفاع رسوم التسجيل والإجازات والطرق والجسور.
ويشير المواطن عقيل مسلم إلى أن رسوم تسجيل المركبات الصغيرة تبلغ نحو 30 ألف دينار، بينما تصل إلى 300 ألف دينار للمركبات الكبيرة، فضلاً عن رسوم أخرى، في وقت ما تزال فيه الطرق تعاني من الحفر والتشققات وضعف الصيانة.
التعليم.. رسوم جديدة تثقل كاهل الطلبة
وفي قطاع التعليم، تقول الطالبة الجامعية ريهام العبودي إن الرسوم الجامعية والبدلات المختلفة أصبحت تشكل عبئاً إضافياً على الطلبة، لاسيما من ذوي الدخل المحدود.
وتوضح أن بعض الجامعات أصبحت تعتمد تطبيقات إلكترونية مدفوعة للحصول على نتائج الامتحانات أو بعض الخدمات الإدارية، وهو ما يضيف نفقات جديدة دون أن ينعكس ذلك على جودة التعليم أو الخدمات المقدمة داخل الجامعات.
استنزاف دخل الأسرة
من جانبه، يؤكد المواطن زياد النعيمي أن الرسوم والجبايات الحكومية باتت تستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة العراقية، في ظل ارتفاع الأسعار والبطالة وضعف القدرة الشرائية.
ويقول إن المواطن يدفع رسوماً لدوائر عديدة، لكنه ما يزال يواجه شوارع متهالكة، ومشكلات في الكهرباء والمياه والمجاري، الأمر الذي يعزز الشعور بغياب التوازن بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه من خدمات.
البرلمان: إصلاح النظام الضريبي ضمن الأولويات
في المقابل، أكد عضو لجنة الخدمات النيابية محمد الحسناوي أن مجلس النواب يضع إصلاح النظام الضريبي ضمن أولويات الدورة التشريعية الحالية، مشيراً إلى وجود توجه لإعداد قانون جديد يحقق العدالة الضريبية ويحمي الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وأوضح أن عدداً من النواب يدعون إلى إعادة هيكلة السياسة الضريبية بما يحقق توزيعاً أكثر عدالة للأعباء المالية، وعدم تحميل المواطنين وحدهم كلفة العجز المالي.
ماذا يقول الدستور؟
ينص الدستور العراقي في المواد (30 و31 و34) على التزام الدولة بتوفير الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم باعتبارها حقوقاً أساسية للمواطن.
كما تنص المادة (28/ثانياً) على إعفاء أصحاب الدخول المنخفضة من الضرائب بما يضمن عدم المساس بالحد الأدنى اللازم للمعيشة، وهو ما يدفع كثيراً من المختصين إلى المطالبة بإعادة النظر في السياسات المالية الحالية لضمان توافقها مع النصوص الدستورية.
بين الإصلاح المالي والعدالة الاجتماعية
ويرى خبراء اقتصاديون أن تنويع مصادر الإيرادات هدف مشروع، لكنه ينبغي أن يترافق مع إصلاحات اقتصادية حقيقية تشمل تنشيط الصناعة والزراعة والاستثمار، ومحاربة الفساد والهدر المالي، بدلاً من الاعتماد بصورة رئيسية على زيادة الرسوم والجبايات.
كما يؤكدون أن نجاح أي سياسة مالية يرتبط بقدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين الخدمات العامة، وعدم تحميل أصحاب الدخل المحدود أعباءً إضافية قد تؤدي إلى تراجع مستويات المعيشة.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!