تمضي رحلةَ العمرِ بخطواتٍ متباينةٍ بينَ الفرحِ والحزن، والنجاحِ والإخفاق، واللقاءِ والفراق. وفي كلِ محطةٍ منْ محطاتها تنعكسُ أمامَ الإنسانِ مرايا تكشفُ لهُ وجوها جديدةً منْ الحقيقة؛ حقيقةْ نفسه، وحقيقةْ الآخرين، وحقيقةْ الحياةِ بكلِ ما تحملهُ منْ تقلباتٍ ودروس، فالحقيقةُ لا تدركُ دائما في البدايات، بلْ تتجلى معَ مرورِ الزمن، حينَ تنضجُ التجارب، ويزدادُ الوعي، فتغدو كلّ تجربة مرآة ، تعكسُ معنى أعمقَ للحياة، وتمنحُ الإنسان بصيرة تعينهُ على مواصلةِ الطريقِ بحكمةٍ واتزان.
إنَ الإنسانَ لا يتعرفُ إلى حقيقةِ الناسِ منْ وجوههمْ بقدرِ ما يتعرفُ إليهمْ منْ خلالِ المواقف، فالوجوهُ قدْ تتشابهُ في ابتسامتها، والكلمات، قدْ تتزينُ بأجملِ العبارات، لكنَ الحقائقَ لا تنكشفُ إلا عندما تهبُ رياحُ الاختبار، عندها تتساقطُ الأقنعة، كما تتساقطُ الأوراقُ اليابسة، ولا يبقى إلا الجذر الصادق ثابتا في الأرض، فالكثيرَ ممنْ يحيطونَ بنا ما دامتْ الحياةُ ميسرة، والموائد عامرة، لكنَ القليلَ منهمْ يظلُ حاضرا عندما تضيقُ السبل، وتثقلُ الخطوات، وتشتدُ المحن. ففي أوقاتِ الشدةِ تتمايزُ النفوس، ويظهرُ معدنُ الإنسانِ الحقيقي، وتعرفُ قيمةْ العلاقاتِ بقدرِ ما تحملهُ منْ وفاءٍ وإخلاص.
ليس الصديقُ الحقُ منْ ملءِ المجالسِ حديثا وضجيجا، بلْ منْ ملءِ أيامنا، عونا وسندا عندَ الحاجة، ولذلكَ قيل: " الصديقُ وقتُ الضيقِ "، لأنَ المحبةَ الصادقةَ لا تقاسُ بكثرةِ اللقاءات، وإنما بصدقِ المواقف، وثباتِ الوفاء، وحضورِ القلبِ عندما يغيبُ الجميع.
إنَ المواقفَ تكشفُ معادنَ الناس، فإنَ الألسنةَ تفضحُ ما تخفيه النفوس؛ فالإنسانُ لا يعبرُ بكلامهِ عنْ الآخرينَ بقدرِ ما يكشفُ عنْ نفسه. ومنْ اعتادَ الخوض في أعراضِ الناسِ والانتقاصِ منهمْ في مجالسه، فإنما يعكسُ أخلاقهُ وطبيعته قبلَ أنْ يصفَ غيره، لأنَ النفوسَ مرايا يظهرُ فيها ما استقرَ في أعماقها.
لقدْ حذرَ القرآن الكريم منْ هذا الخلق، فقال: ( ولا يغتبْ بعضكمْ بعضا، أيحبُ أحدكمْ أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتا فكرهتموهُ ) الحجرات :12، فالكلمةُ التي تخرجُ منْ الفمِ تحملُ بصمةْ القلب، وما يفيضُ منْ الإناءِ إلا ما فيه. منْ عجائبِ البشر، أنَ أخلاقهمْ قدْ تبقى مختبئةً خلفَ ستارِ الراحة، فإذا نزلوا منازلَ المشقة، أوْ شاركوك طريقا طويلا، انكشفتْ معادنهمْ كما ينكشفُ الذهبُ في أتونِ النار، ولهذا كانتْ الأيامَ والرحلاتِ والمواقفَ الصعبةَ خيرا كاشفا للنفوس، فما كلٍ لامعٍ ذهبا، ولا كلّ ساكنٍ هادئٍ منْ الداخل، أما الغضب، فهوَ لحظة تتحدثُ فيها النفسُ بلا ترجمان.
هناكَ تتجلى الحكمةُ أوْ الحماقة، ويتبينُ سموّ الروحِ أوْ ضيق الأفق، أوصى النبيّ محمد (ص) رجلا، فقال: (لا تغضبُ ) ، وكررها مرارا، لأنَ الإنسانَ في لحظةِ غضبهِ يكشفُ منْ حقيقتهِ ما قدْ لا يكشفهُ في سنواتٍ منْ الهدوء، وإن الكرامةُ شجرةٌ لا تنمو في أرضِ الإهانة.
منْ اعتادَ الوقوف على أبوابِ منْ لا يعرفونَ قيمته، أضاعَ منْ نفسهِ أكثر مما أضاعَ منْ وقته، وقديما قالَ الحكماء: منْ هانَ على نفسهِ هانَ على الناسِ "، لذلكَ كانَ الابتعادُ عنْ مواطنِ التحقيرِ حفاظا على النفس، لا تكبرَ على الخلق، وإذا كانتْ الشدائد تمتحنُ الوفاء، فإنَ المالَ والسلطةَ يمتحنانِ الضمير.
إنَ الكثيرَ منْ الناسِ يبدونَ لطفاء، وهمْ عاجزون، فإذا ملكوا القدرةَ تبدلتْ الوجوه، وظهرتْ الحقائق، لذلكَ قالَ الفاروقُ عمرِ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه: " إذا رأيت الرجل قدْ أعطيَ منْ الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هوَ استدراج، فالنفوسُ لا تعرفُ بما تقول، بلْ بما تفعلُ حينَ تصبحُ قادرةً على الفعل، فالحقيقةُ أثمن منْ الشائعات، كانَ الإنصافَ أنْ يسمعَ الإنسان منْ فمهِ قبلَ أنْ يحكمَ عليهِ منْ أفواهِ الآخرين. فالناسُ يضيفونَ إلى الأخبارِ منْ ظنونهمْ وأهوائهمْ حتى تصبحَ الحقيقةُ غريبةً بينَ الروايات.
قالَ اللهُ سبحانهُ وتعالى: (يا أيها الذينَ آمنوا إنْ جاءكمْ فاسقٌ بنبإ، فتبينوا ) الحجرات :6 ، فجعلَ التثبت خلقا للمؤمنينَ ومنهجا للعدل، وتبقى قيمةُ الزمنِ منْ أعظمِ الدروسِ التي لا يدركها الإنسانُ إلا بعدَ فواتِ بعضها. فالسنةُ التي تمرُ على أحدهمْ كأنها يومُ عابر، قدْ تكونُ عندَ آخرِ حلمٍ ضائعٍ أوْ فرصة لنْ تعود، ولذلكَ قالَ الحسن البصريّ رحمهُ الله: يا ابنُ آدم، إنما أنتَ أيام، فإذا ذهبَ يوما ذهبَ بعضك.
إنَ السعادةَ الحقيقية، لا تبنى على ما يرحل، بلْ على ما يبقى أثره، فالأشخاصُ قدْ تتفرقُ بهمْ السبل، والأشياءُ قدْ تزولُ أوْ تتغير، أما الغايةُ النبيلة، فتبقى وقودا للروحِ مهما تبدلتْ الظروف. ومنْ عاشَ لأجلِ رسالة، عاشَ كبيرا، ولوْ كانَ وحيدا، ومنْ عاشَ لأجلِ المتاعِ فقط، بقيَ فقير، ولوْ ملكَ الدنيا.
منْ أصدقِ المرايا، التي تكشفُ العقولُ طريقةَ الإنسانِ في تعاملهِ معَ منْ يخالفه، فالعقلُ الواسعُ لا يخشى الاختلاف، لأنهُ يبحثُ عنْ الحقيقةِ لا عنْ الانتصارِ لنفسه، أما ضيقُ الأفق، فيحولُ الحوار إلى معركة، والرأي إلى خصومة، وقدْ علمنا القرآنَ الكريمَ أدب الاختلافِ بقولهِ تعالى: (ادعُ إلى سبيلِ ربك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهمْ بالتي هيَ أحسنُ ) النحل:125.
وهكذا تمضي الحياة؛ لا تكشفُ لنا الناس دفعةً واحدة، بلْ تمنحنا معَ كلِ موقف نافذة جديدة نطلُ منها على يستحقُ قربه، ومنْ ينبغي أنْ يتركهُ للزمن. وعندها يدركُ أنَ أعظمَ ما يملكهُ الإنسانُ ليسَ كثرةً منْ حوله، بلْ جودةْ منْ يبقونَ معهُ عندما تنطفئُ الأضواء، وتتكلمُ الأيام.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتأمل الكاتب رحلة الإنسان في الحياة، مبينًا أن التجارب والمواقف هي المرايا الحقيقية التي تكشف معادن النفوس وتميز الصادق من المدعي. ويركز على قيم الوفاء، وضبط الغضب، والتثبت من الأخبار، واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها أسسًا لبناء شخصية متوازنة. ويخلص إلى أن أعظم ما يكسبه الإنسان مع مرور العمر ليس كثرة المعارف، بل البصيرة في معرفة الناس، والتمسك بالمبادئ، والعيش من أجل رسالة سامية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!