كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 القداسة المزيّفة .. حين يتحول الدين إلى ستار للفساد


لم يعد الفساد في العراق مجرد ظاهرة سياسية أو انحراف إداري ، بل تحول ، في نظر كثيرين، إلى خطر يهدد فكرة الدولة نفسها، وإلى منظومة تتغذى على الإفلات من المحاسبة, والخطر الأكبر لا يكمن في حجم الأموال المنهوبة فحسب ، بل في التناقض الصارخ بين الخطاب الأخلاقي والممارسة العملية ؛ حين تُرفع شعارات التقوى والورع في العلن ، بينما تُثار في الوقت نفسه ملفات تتعلق بهدر المال العام والإثراء غير المشروع.
 إن أخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال العام وحدها ، بل سرقة ثقة الناس بالدولة وبالقيم التي يفترض أن تحكمها.
ثنائية القداسة والفساد.
إن أغرب ما يواجهه المواطن العراقي اليوم هو هذا المشهد المتناقض؛ فهناك من يحرص على الظهور في مواسم الحج والعمرة ، أو في المناسبات الدينية ، مرتديًا ثياب الورع،  بينما تتزامن هذه الصورة مع اتهامات أو وقائع فساد تُتداول في الرأي العام أو تُكشفها التحقيقات , وهنا يبرز السؤال الأخلاقي قبل أن يكون السياسي: كيف يمكن للعبادة أن تؤدي رسالتها إذا لم تنعكس في الأمانة والعدل وصيانة حقوق الناس؟! أي دين يقبل أن يُستباح المال العام ، ثم يُظن أن المظاهر الدينية وحدها تمحو آثار الظلم؟! وأي ثواب يُرجى من عملٍ خيري إذا كان مصدر المال محل شبهة أو اعتداء على حقوق المواطنين؟! إن الشعائر الدينية لا يمكن أن تكون بديلاً عن رد الحقوق إلى أصحابها ، ولا وسيلة لاكتساب شرعية أخلاقية لا تصنعها إلا النزاهة.
جشع لا يعرف حدودًا.. ولا يخشى يومًا
إن ما يُعلن بين الحين والآخر عن ضبط أموال أو ذهب أو ممتلكات في قضايا فساد يطرح سؤالًا وجوديًا مؤلمًا : إلى أين يمضي هذا الجشع؟! وما الذي ينتظره من راكم ثروات لا تكفيه أعمار متعددة لإنفاقها؟
لقد أغوى بريق المال بعض النفوس حتى نسيت أن القبر لا يتسع لذهبٍ ولا لعقارات ، وأن الإنسان يغادر الدنيا كما جاء إليها ، لا يحمل معه سوى عمله. 
إن كل دينار يُهدر من المال العام يعني مدرسة أفلت ، ومستشفى أفل، وفرصة عمل ضائعة، وحلمًا مؤجلًا لشاب، ودواءً مفقودًا لمريض ، ولقمةً انتُزعت من أسرة تنتظر الإنصاف.
لقد تحولت لدى بعض الفاسدين الثروة إلى هوسٍ مرضي، حتى بدا وكأن جمع المال أصبح غاية بحد ذاته ، لا وسيلة للحياة , لكن التاريخ لا يتذكر حجم الثروات ، بل يتذكر كيف جُمعت ، وعلى حساب من تراكمت؟!
أرقام تفضح حجم الأزمة
عندما تتكرر ملفات الفساد ، وتتسع دائرة الاتهامات أو الإدانات بحق مسؤولين في مواقع مختلفة ، فإن القضية لا تبدو مجرد أخطاء فردية ، بل مؤشرًا على أزمة مؤسسات تحتاج إلى إصلاح عميق ، ومحاسبة عادلة ، وتعزيز استقلال القضاء وأجهزة الرقابة.
إن الفساد لا يسرق المال فقط ، بل يسرق ثقة المواطن ، ويقوض هيبة الدولة، ويجعل القانون يبدو ضعيفًا أمام النفوذ, وإذا غابت المحاسبة ، تحول الفساد من جريمة إلى ثقافة ، ومن استثناء إلى منظومة.
القداسة لا تمنح حصانة
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع هو توظيف الدين لتبرير السلوك السياسي أو حماية الفساد من النقد , فالدين جاء ليقيم العدل ، لا ليكون ستارًا يحجب الحقيقة، وجاء ليحمي حقوق الناس ، لا ليمنح غطاءً أخلاقيًا لمن يعتدي عليها.
ولا يمكن للذهب أن يشتري ضميرًا ، ولا للمظاهر أن تمحو أثر الظلم إن ثبت وقوعه, فالعدل لا يقاس بعدد الرحلات إلى الأماكن المقدسة ، ولا بعدد الولائم  بالمناسبات الدينية أو الشعارات بحب علي والحسين وال النبي ، وإنما بمدى احترام الإنسان لحقوق الناس وأمانته في المسؤولية التي يحملها.
العار لا تغسله المظاهر
إن الأوطان لا تُبنى بالخطب ، ولا تُصان بالشعارات الدينية والوطنية ، وإنما يحفظها العدل وسيادة القانون وصيانة المال العام , وإذا ثبتت جرائم الفساد بحق أي مسؤول ، فإن الحساب العادل هو الطريق الوحيد لاستعادة ثقة المواطنين ، لأن القداسة لا تمنح حصانة ، والمناصب لا تعلو على القانون.
لقد أثبتت التجارب أن السياسة حين تنفصل عن الأخلاق تتحول إلى تجارة ، وأن السلطة حين تغيب عنها الرقابة تتحول إلى وسيلة للإثراء على حساب الشعب. وسيبقى التاريخ يميز بين من حمل المسؤولية ليخدم وطنه ، ومن اتخذها جسرًا لمصالحه الشخصية, فالأموال قد تُخفى ، لكن آثارها في حياة الناس لا يمكن دفنها، والضمير الجمعي لا يخدعه بريق الذهب ، ولا تمحوه المظاهر، لأن القداسة الحقيقية تبدأ من الأمانة ، وتنتهي عند العدالة.

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال خطورة استغلال المظاهر الدينية لتغطية الفساد، مؤكدًا أن القداسة الحقيقية لا تُقاس بالشعارات أو الطقوس، بل بحفظ الأمانة وصيانة المال العام. ويرى أن الفساد لا يقتصر على سرقة الأموال، بل يمتد إلى تقويض ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة والقيم الأخلاقية. ويخلص إلى أن العدالة وسيادة القانون هما السبيل لاستعادة ثقة المواطنين، وأن لا أحد ينبغي أن يكون فوق المساءلة.

القانون_السرقات.jpg

التعليقات

يوجد 1 تعليق على هذا المقال.

1
جلال الطائي من العراق •

الدين لعقٌ على ألالسن… متى يَسكن القلوب؟

استغلال الدين لتحقيق مكاسب شخصية أو التغطية على الفساد لا يُسيء إلى الدين بقدر ما يكشف حقيقة من يمارسه. فمن ارتدى العمامة واستغل مكانتها لخيانة الأمانة، فإنه لا يمثل إلا نفسه، ولا يجوز تعميم فعله على جميع أهل الدين أو العلماء. وكما لا يصح أن نتهم كل من يرتدي البدلة الرسمية أو الـ الرباط بالفساد لأن أحد المسؤولين أفسد، فكذلك لا يجوز اتهام كل من يلبس العمامة بجريرة فردٍ أساء إليها. فالمعيار هو السلوك والأمانة، لا اللباس أو المظهر، والعدل يقتضي أن يُحاسب كل إنسان بعمله لا بانتمائه أو زيه.