كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الصلاح والإصلاح التربوي في رسالة الحقوق للإمام السجاد "عليه السلام" -حقوق الجوارح- تتمة (٢)

 تحدثنا في الحلقة السابقة عن حقوق ثلاثة من الحقوق السبعة المتعلقة بالجوارح في رسالة الحقوق للإمام علي السجاد "عليه السلام"، ونكمل في هذه الحلقة الحقوق الأربعة الأخرى؛ لنكون على بينة من عظمة هذه الرسالة وصاحبها من جهة، والاطلاع على مثالٕ المنهج التربوي الإسلامي في رحاب الثقلين من جهة أخرى .
 *رابعًا: وحق يدك: أنْ لا تبسطها فيما لا يحلُّ لك. 
حيث ذكر الإمام "عليه السلام" أمرًا واحدًا تنطوي ضمنه أمور متعددة، وهو معرفة المؤمن حقوقه التي يجوز له التصرف بها، عن غيرها التي لا يجوز له أنْ يتعدَّى عليها، بل التفكير في التجاوز عليها، وطهارة هذه الجارحة عن ارتكاب المحرمات؛ حيث انها نعمة من الله تعالى ولا بد من أداء شكرها، وشكرها هو استعمالها في طاعة الله عز وجل؛ لئلا تكون شاهدة على صاحبها يوم القيامة حيث الفضيحة أمام الخلائق، وفي ذلك رسالة إلى ضرورة السعي إلى الصلاح والبر والخير.
 والقرآن الكريم قد حذَّر من ذلك الموقف، ومن شهادة الجوارح على صاحبها، قال تعالى: ((الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) [يس: ٦٥]، وقال تعالى: ((وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)) [الجمعة: ٧]

 *خامسًا: وحق رجليك: أنْ لا تمشي بهما فيما لا يحلُّ لك، فبهما تقفُ على الصراط، فانظر أنْ لا تزلَّ فتردى في النار. 
وفي هذا الحق قد حذَّر الإمام "عليه السلام" من السعي إلى أي جهة فيها ما يخالف طاعة الله تعالى ورضاه، والتعدي على الحرمات، حيث لا بد للمؤمن أنْ يستثمر هذه النعمة والقوة في السعي بها نحو الطاعات، وهذا يوجِب علينا معرفة الأحكام الشرعية (حدود الله)؛ لئلا يقع المرء في معصية وهو لا يعلم بها، فضلًا عن الوقوع فيها عالمًا، أو مصرًّا على ارتكابها لا سمح الله.
ثم يؤكد أبعاد ذلك التحذير حيث الوقوف يوم القيامة بين يدي الله تعالى للحساب، وما أصعبه من يوم، وما أدقُّه من صراط، إذا تُعْرَض الأعمال أمام جميع الخلائق بحقيقتها، فعلى المؤمن أنْ يكون شديد الحذر في كُلِّ خطوة يقوم بها، فيكون سائلًا نفسه قبل القيام بها عن جهتها وما فيها من طاعة أو معصية!! ومراقبًا لها أثناء العمل!! ومحاسبًا لها بعد ذلك!!
 والقرآن الكريم قد حذَّر من ذلك الموقف، وضرورة الاستعداد للوقوف يوم القيامة للحساب، وشهادة هذه الجوارح، قال تعالى: ((((الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) [يس: ٦٥]، وقال تعالى: ((وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤]

 *سادسًا: وحق بطنك: أنْ لا تجعله وعاءً للحرام، ولا تزيد على الشبع. 
في هذا الحق قد أشار الإمام "عليه السلام" بكُلِّ وضوح إلى أمرين، يتعلق الأول بأمر واجب يجب على المؤمن اجتنابه، والآخر يتعلق بنصيحة ضروري للإنسان التحرُّز منه.
أما الأول فلا يخفى وجوب اجتناب المحرمات والابتعاد عنها بكُلِّ سبيل، وأنْ يسعى المؤمن جاهدًا في تحصين نفسه منها، ومنها على سبيل المثال التعدي على المال الحرام من أجل تلبية شهوات النفس الأمارة بالسوء بسرقة أو غش أو سلب حقوق الآخرين، أو أي نوع من أنواع التجاوز على الحدود الشرعية مثل منع الحقوق الشرعية، فحرمة ذلك ظاهرة في تعاليم الشريعة المقدسة، وقد حذرت منها ومن آثارها.
وأما الآخر ففيه آثار متعددة منها تؤثر في الجانب العبادي مثل التكاسل عن العبادات كما ورد في المأثور من الروايات، وقسوة القلب وغيرها، ومنها في الجانب الصحي مثل الأمراض التي تورث ذلك كما ورد في الروايات، وما أثبته العلم في دراساته، ومنها في الجانب التربوي للنفس حيث التفكير باللذات والشهوات والإفراط بها، وغير ذلك مما هو مفصَّل في محله.
فإجمالًا على المؤمن أنْ يكون حذرًا حذرًا تامًّا من الوقوع في الحرام ومراقبة نفسه في كُلِّ معاملة، بل الابتعاد عن الشبهات تحصينًا لنفسه، وأنْ يكون موازنًا لنفسه في التعامل مع المباحات .. ففي جميع الأحوال عليه أنْ يكون عارفًا بالنظام الإلهي الذي ينظم حياته نحو تحقيق صلاحه.
 والقرآن الكريم قد أكد على الأمر الأول بتحذير شديد يوجب على المؤمن أنْ يكون محصِّنًا لنفسه من ذلك، قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)) [النساء: ١٠]، وقال تعالى: ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [البقرة: ١٨٨]، وقال تعالى في بيان مثالٍ للمال الحرام وهو المعاملات الربوية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)) [آل عمران: ١٣٠-١٣١]. 
 وقال تعالى في الموازنة بالطعام وعدم الإسراف: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)) [الأعراف: ٣١]

 *سابعًا: وحق فرجك: أنْ تحصِّنه عن الزنا، وتحفظه من أنْ ينظر إليه. 
أكد الإمام "عليه السلام" على أهمية حفظ المؤمن نفسه من أخطر المحرمات في الشريعة المقدسة، وإنْ كانت جميع المحرمات لها آثار سلبية وسيئة على علاقة العبد بالله تعالى، ولكن هناك بعض المحرمات التي تتجاوز ذلك كذلك بالتعدي على الآخرين، وتلوث الفطرة الإنسانية، ويخرج بها المؤمن من الطهارة والنزاهة والعفة، ومنها هذا الفعل المحرم القبيح.
فالإمام قد حذَّر فيه من أمرين، الأول ممارسة الرذيلة ووجوب تحصينه بالحلال من خلال العفة بالصبر، أو العفة بالزواج الشرعي. والآخر اجتناب النظر بحفظه عن الناظر؛ لما فيه من تهييج للشهوة المحرمة، أو عن الناظر المحترم كما هو مفصَّل في محله.
وهذه الرذيلة قد كان لها أبلغ الأثر في انحراف الإنسان والمجتمع، وفتح الباب أمام رذائل متعددة، بل جرائم، والإمام "عليه السلام" يؤكد ذلك؛ تحصينًا للمؤمنين من الوقوع بذلك.
 والقرآن الكريم قد حذَّر من هذا الفعل المحرَّم بتحذيرات متعددة، ومحاولة لسَدِّ المقدمات التي تؤدي إليه لا سمح الله، قال تعالى: ((وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)) [الإسراء: ٣٢]، وقال تعالى في بيان استنكار المجتمع لهذه الأفعال القبيحة المخالفة للطهارة والعفة في قصة مريم بنت عمران: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا .... قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا .... فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا .... يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)) [مريم: ٢٠-٢٨].

 أخيرًا .. 
إننا بعد بيان ما تقدَّم من الحقوق المتعلقة بالجوارح، وبيان تأكيدات الإمام "عليه السلام" على بعض الموضوعات، والتحذير من أخرى، والنصيحة في ثالثة، تقع علينا مسؤولية الصلاح لهذه النفس الإنسانية وإصلاح المجتمع من خلال التمسك بذلك معرفة وعملًا، وتربية أبنائنا على ذلك بالمعرفة والعمل وتدريبهم على ذلك، ودعوة المجتمع لصلاحه بالمعرفة والعمل؛ لنكون أهلًا لمثل هذه الوصايا المباركة من جهة. 
ونستثمر نعمة الله تعالى علينا بهذه الجوارح من جهة ثانية.
 والوصول بها إلى طاعته ورضوانه من جهة ثالثة.
وأنْ نكون من الدعاة إلى تحصين الفرد والمجتمع من جهة رابعة.
والتوفيق بوسام شرف الإسوة للآخرين من جهة خامسة .. والسلام

✦ كتابات في الميزان ✦

يواصل الكاتب استعراض الحقوق المتعلقة بالجوارح في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام)، مسلطًا الضوء على حقوق اليد والرجل والبطن والفرج، بوصفها أسسًا لتربية النفس وتقويم السلوك. ويبين أن حفظ الجوارح عن الحرام، والالتزام بحدود الله، ومراقبة النفس في الأقوال والأفعال، تمثل منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان الصالح، وترسيخ قيم العفة والأمانة والاعتدال، بما يسهم في صلاح الفرد واستقرار المجتمع.

022351c0-cfba-4c16-8fa3-6877a8ac8d54.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!