كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الحذر. . . عينَ على الثقةِ وعينَ على الحقيقةِ

  يعدُ الحذر خلقا منْ أخلاقِ العقلاء، وليسَ علامة على الخوفِ أوْ سوءِ الظنِ بالناس، بلْ هوَ ثمرةْ التجارب، ودليل على نضجِ الإنسانِ وحسنِ تقديرهِ للأمور. فالحياةُ مليئةٌ بالمواقفِ التي تحتاجُ إلى بصيرةٍ قبلَ الإقدام، وإلى تفكيرٍ قبلَ اتخاذِ القرار، لأنَ كثيرا منْ الأخطاءِ تبدأُ بثقةٍ عمياء، أوْ بصحبةٍ سيئة، أوْ بخطوةِ ظنها صاحبها صغيرة، فانتهتْ بهِ إلى طريقٍ لا يحمدُ عقباه. 
     ليسَ كلّ منْ ابتسمَ في وجهك صديق، ولا كلّ منْ تقربَ منك يريدُ لك الخير، فكمْ منْ إنسانٍ أفسدتهُ صحبةُ السوءِ بعدَ أنْ كانَ مستقيما، وكمْ منْ شابٍ أوْ فتاةٍ انجرفا وراءَ رفاقٍ زينوا لهما الخطأَ حتى أصبحَ عادة، ثمَ تحولَ إلى ندمٍ لا ينفعُ معهُ الندم.
    لذلكَ قيل: الثقةُ فضيلة، لكنَ الحذرَ حكمة، وقيلَ أيضا: اجعلْ قلبك طيبا، وعينك يقظة. إنَ أخطرَ ما يواجهُ الشباب في هذا العصرِ هوَ رفيقُ السوءِ الذينَ يجرونَ أصدقاءهمْ إلى التدخين، ثمَ إلى تعاطي المخدرات، أوْ إلى تعلمِ السلوكياتِ المنحرفة، أوْ ارتيادِ الأماكنِ المشبوهة، أوْ الانخراط في أعمالِ العنفِ والجريمة، وربما يبدأُ الأمرُ على سبيلِ التجربة، أوْ بدافعِ التقليد، ثمَ يتحولُ إلى إدمانٍ أوْ انحرافٍ يصعبُ التخلصُ منه. والصديقُ الصالحُ هوَ الذي يأخذُ بيدِ صاحبهِ إلى الخير، أما صديقُ السوء، فيقودهُ إلى الهلاك، وهوَ يظنُ أنهُ يرافقهُ إلى المتعة.
   من الحكمة أن يختار الإنسان بيئته كما يختار أصدقاءه، فالبيئات الفاسدة تترك أثرها في الأخلاق والسلوك، وكثرة التردد على الأماكن التي تنتشر فيها المخدرات أو الجرائم أو المظاهر غير الأخلاقية تجعل النفس تألف المنكر شيئًا فشيئًا، حتى يصبح ما كان مستنكرًا أمرًا عاديًا. ولهذا فإن الابتعاد عن مواطن الفتنة والفساد هو وقاية للنفس قبل أن يكون هروبًا منها.
ولا يقل خطر المال الحرام عن خطر الصحبة السيئة، فالمال الذي يأتي من الغش، أو الرشوة، أو السرقة، أو الاحتيال، أو استغلال الوظيفة، أو الاعتداء على حقوق الآخرين، لا يحمل لصاحبه بركةً ولا راحةً، بل يكون سببًا في فساد الضمير وضياع البركة. ويزداد الأمر خطورة عندما يكون الاعتداء على المال العام، لأنه حقٌ لجميع أفراد المجتمع، وأمانة في أعناق من اؤتمنوا عليه.
   فالعبث بالممتلكات العامة، أو اختلاس الأموال، أو استغلال الوظيفة لتحقيق مكاسب شخصية، أو هدر موارد الدولة، كلها صور من صور الاعتداء على حقوق الناس جميعًا، وهي قبل أن تكون مخالفةً للقانون، مخالفةٌ للأمانة والقيم والأخلاق.
وإذا تأملنا في عالم الحيوان وجدنا أن الفطرة نفسها تُعلّم الحذر؛ فالظبي يشرب الماء وهو يلتفت، والطير لا يهبط إلى الأرض حتى يطمئن، وسائر المخلوقات تبقى متأهبة لما قد يهددها. فإذا كانت هذه الغريزة تحفظ حياتها، فإن الإنسان، بما أوتي من عقل وتجربة، أولى بأن يجعل من الحذر منهجًا في حياته، فيختار أصدقاءه بعناية، ويحفظ دينه وأخلاقه، ويصون ماله، ويحترم حقوق الآخرين.
وقد أحسن الإمام الشافعي، حين قال: إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلُّفًا  فدعْهُ ولا تُكثرْ عليه التأسُّفا
   إنَ الحذرَ لا يعني أنْ يعيشَ الإنسانُ في عزلة، ولا أنْ يسيءَ الظنّ بكلٍ منْ حوله، وإنما يعني أنْ يكونَ يقظا، وأنْ يزنَ الناس بأفعالهمْ لا بأقوالهم، وأنْ يجعلَ المبادئ فوقَ المصالح، والحقِ فوقَ المجاملة، والضميرِ فوقَ المكاسبِ الزائلة.
    فلنكونْ جميعا، ولا سيما شبابنا، أصحاب قلوبٍ نقية، وعقولٍ واعية، نبتعدُ عنْ رفقاءِ السوء، ونرفضُ المخدراتِ والتدخينَ والجريمةَ والمالَ الحرام، ونحافظُ على المالِ العام، كما نحافظُ على أموالنا الخاصة، لأنَ بناءَ الإنسانِ الصالحِ هوَ الأساسُ في بناءِ الأسرةِ والمجتمعِ والوطن، ومنْ جعلَ الحذر رفيقا له، والصدق منهج، والأمانة خلقا، والاستقامة طريقا، عاشَ كريم بينَ الناس، وربحِ احترامهمْ في الدنيا، وأجرهِ عندَ اللهِ في الآخرة.

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول المقال قيمة الحذر بوصفها خُلُقًا نابعًا من الحكمة وحسن التقدير، لا من الخوف أو سوء الظن، مؤكدًا أن بناء الشخصية الواعية يبدأ بحسن اختيار الأصدقاء والبيئة المحيطة والابتعاد عن كل ما يقود إلى الانحراف. كما يسلط الضوء على مخاطر المال الحرام والاعتداء على المال العام، داعيًا إلى ترسيخ قيم الأمانة والاستقامة واليقظة، باعتبارها الأساس في بناء الفرد الصالح والمجتمع المتماسك.

الحذر_الحقيقة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!