يأخذنا الحديث هذه المرة إلى شخصيّة فريدة من نوعها، عُرِفت بوقاحة لا مثيل لها في هذا العصر، أثارت حولها تساؤلات عديدة عن مدى سلامة مداركه العقلية، وهو على رأس دولة تربعت على عرش العالم بالقوّة والسطوة، وامتهان باقي الدول موالية لها أم متباعدة عنها أو عدوّة لها، وإن كانت ذات قوّة قريبة منها، فعالمنا اليوم يعيش على وقع رهبة استولت على الجميع حتى لم يعد هناك صوت يسمع غير صوت أمريكا جمهوريا كان رئيسها أم ديمقراطيا، فالأمر سيّان هنا، ليستمرّ الدوس الأمريكي على حقوق شعوب العالم بنسب متفاوتة، وهو قد بلغ اليوم أوْجَهُ ولم يعد هناك مجال لتفاقم تضخّمه.
لا أجد صفة تنطبق على دونالد ترامب جدير بها، سوى أنّه القرصان الأخير، الذي جاء من بلد عُرِف منذ تأسيسه بالقرصنة والعنف، ومن لا يعرف تاريخ أمريكا فعليه أن يقنع بالصورة التي ظهر بها رئيسها الأخير، ليقتنع بأنّه ذلك القرصان الذي ورث عن جدّه الأول الذي أسهم بوحشيّته المفرطة في اغتيال كل حياة في تلك الربوع المترامية الأطراف، بعد غزو متواصل لأصحاب الأرض وقتل الملايين منهم بدعوى أنهم جنس وضيع متخلف، فترامب قرصان وقح بلا قيم، متأصّل من أولئك الذين تلطخت أياديهم بدماء شعوب بريئة، كانت تعيش آمنة على أراضيها، وإذا قارنّا أعماله بأعمال القراصنة قديما وجدناها متطابقة تماما، بل قد يكون في قرصنته الحديثة متفوقا عليهم تماما.
فقد تجد قراصنة في قلوبهم بقية إنسانية فلا تحدّثهم أنفسهم المساس بالأطفال، فيتركوهم وشأنهم عند الغزو، لكنّ ترامب فاق كل تصوّر، فحدّثته نفسه بأن يقصف مدرسة شجرة طيبة الابتدائية للبنات بميناب، وكان يأمل بذلك إثارة الأهالي ودفعهم إلى خلق حالة من الاحتجاج على النظام الإسلامي في إيران، فلم يتردد في إعطاء الضوء الأخضر لقواته بقصف المدرسة، في 28 فبراير 2026، أدى إلى مقتل أكثر من 160 تلميذة، في غارة متعمّدة فاقت في وحشيتها وانحطاط منفّذيها كل وصف يمكن أن يستحقّه شيطان آدميّ.
ولا يختلف ذلك القرصان البحري الذي أعطى أوامر قصف الطائرة الإيرانية في إجرامه، عن هذا الذي قصف مدرسة ميناب الابتدائية، فقد أعطى «ويل روجرز» قائد الطرّاد الأمريكي (يوأس أس فينسينس) الأمر باطلاق صاروخين من طراز استاندارد 2 نحو الطائرة الإيرانية إيرباص 300 التابعة لخطوط إيران إير في رحلتها رقم 655 يوم 3 جويلية 1988، متّجة من بندر عباس إلى دُبَي وهي على علوّ عشرة آلاف قدم، بادية بوضوح على أنها طائرة مدنية، ولم يكن هناك اشتباه في كونها مدنية، سوى أن عقلية القرصنة كانت مسيطرة على عقول الأمريكيين سياسيين كانوا أم عسكريين.
ردود الفعل الأمريكية الرسمية تجاه الحادثة أثبتت طبيعة، كانت متناقضة فضحت حقيقية العقلية الحاكمة والتي لم يطرأ تغيير فيها من حيث كونها لا تقيم وزنا لأي شعب من شعوب العالم خصوصا إيران، التي وقفت بنظامها وشعبها في وجه سياستها العدوانية، وأظهرا لها العداء واصفين إيّاها بأنّها شيطان أكبر يجب محاربته بكافة السبل المتاحة لوقف جرائمه، والملفت للنظر هنا أنه رغم الخطأ الفادح والجريمة النكراء التي ارتكبها قائد القطعة البحرية الأمريكية وطاقمها التنفيذي، فقد مُنح رجال الطرّاد وسام البحرية الأمريكية تقديرا لإكمال رحلتهم إلى منطقة الحرب، وذكرت صحيفة (واشنطن بوست) في مقال نشر عام 1990 أن الجوائز قد مُنحت بسب إكمال رحلة الطاقم من عام 1984 إلى 1988 ولاشتباكاتهم السطحية التي وقعت مع الزوارق الإيرانية.
وكان من الطبيعي أن من سيطرت عليه عقلية القرصنة، أن لا يقيم وزنا لأي قيمة إنسانية، بل سيزداد عتوا في جرائمه، ففي عام 1990 مُنح لويليام روجرز قائد الطرّاد وسام الاستحقاق الأمريكي، بسبب حسن تصرفه وتنفيذ خدمات متميزة في فترة تولى مسؤوليته في وينسس بين أبريل 1987 ومايو 1989 ، وفي مراسم احتفال منح الوسام إليه، دون التفات إلى أنه في تلك الفترة بالذات كان ارتكب جريمة فظيعة تسببت في مقتل 290 شخصا من مختلف الاعمار أطفالا ونساء ورجالا وطاقما للطائرة، ولسان حال المانح معبّرا عن طبيعته اللا إنسانية، وهنا تظهر طبيعة الشيطنة التي صبغت السياسة الأمريكية، وهي بالتالي لا تأبه لأي موقف أو رأي، يعتبرها خارجة من سمت البشر، لتتحول من إطارها الإنساني، الجامع في حده الأدنى احترام النفس البشرية، إلى قوّة شيطانية فرعونية معتدية متعالية، منفردة في عقليتها المارقة ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم لا سبيل الرشاد).
وهل يمكن أن يخرج دونالد ترامب عن سمته الذي تربى عليه ونشأ فيه، وهو مستنقع آسن لا خير فيه، وان عدّدنا جرائم نظامه الذي امتد طول خمس مائة عام مليئا بالدماء البريئة، معتديا في جميعها، متناقضا في ردود افعاله تجاهها، مغالطا مجتمعا دوليا بشأن طبيعته الإرهابية الخبيثة، وهو الجدير بأن يوصف نظامه إرهابيا، بدل الصاق الصفة بمن يكافحون من أجل تحرير بلدانهم من هيمنة الكيان الصهيوني واتباع القوى الداعمة له، ولا عجب اليوم في أن تصطف أمريكا برئيسها الحالي ومن سبقه، في خندق انتهاك حقوق الانسان والشعوب، واستبلاهها واستعبادها، وارغامها على الرضا بسياساتها الممسوخة لكل قيمة إنسانية حقيقية لتحوّل العقلية البشرية إلى عقلية شيطانية، متباعدة عن العدل والانصاف بين الشعوب، فأي إرهاب يمكن أن توصف به أمريكا؟ وأي قرصنة يمكن أن يوصف بها رئيسها ترامب؟ لا شيء يمكن أن يوازي إرهاب البيت لأبيض الحالك في سواد جرائمه، ولا شيء يمكن أن ينعت به دونالد ترامب، سوى أنّه آخر قرصان يمكن أن يظهر بتلك المواصفات المنحطّة، في عالم يكاد يختنق من الظلم الأمريكي الصهيوني الغربي، قد اجتمع حلفاؤه من الأعراب على مائدة مسخ الشعوب ثقافيا ودينيا ومنطقيا، ومثلما فشل غيره في تحقيق أهدافهم الشيطانية، سيبوء ترامب بشقاء لا مثيل له، والرعب يلاحقه اليوم أينما حلّ.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!