هناكَ كلماتٌ تكتسبُ قداسةَ لا لأنها معصومة، بلْ لأنَ الشعوبَ تمنحها تلكَ المكانة، ومنْ بينِ هذهِ الكلمات، تظلُ الثوراتِ أكثرها حضورا وإثارةً للجدل، فما إنْ يذكرْ اسمها حتى تتداعى إلى الأذهانِ صورُ الحرية، والتحررِ منْ الاستبداد، واستعادةِ الكرامةِ الإنسانية. إنَ التاريخ، وهوَ أكثرُ الشهودِ نزاهةً حينَ يقرأُ بعيدا عنْ أهواءِ المنتصرين، يخبرنا بحقيقةٍ أخرى؛ وهيَ أنَ كثيرا مما سميَ ثوراتٍ لمْ يكنْ سوى انتقالٍ للسلطةِ منْ يدٍ تحملُ السيفَ إلى يدٍ أخرى أكثر حدة، بينما بقيَ الدمُ هوَ اللغة الوحيدة التي لمْ تتغير.
تعد الثورةُ في الفكرِ السياسي، ليستْ انقلابا على الحاكمِ فحسب، وإنما انقلاب على الظلمِ نفسه، وهيَ ليستْ مجرد إسقاطِ نظام، بلْ إقامةِ نظامٍ أعدلَ منه، يخضعُ فيهِ الجميع لسيادةِ القانون، ويصبحُ الإنسانُ قيمةَ لا وسيلة، وغايةَ لا ضحية. أما حينَ يصبحُ القتلُ أولَ بياناتِ السلطةِ الجديدة، والمحاكمِ الاستثنائيةِ أول مؤسساتها، والساحات العامة مسارح للسحلِ والانتقام، فإنَ منْ حقِ التاريخِ أنْ يتوقف؛ ليسأل: هلْ كانتْ تلكَ ثورة، أمْ كانتْ مجرد عمليةِ تبادلٍ للجلادين؟
لقدْ عرفتْ أوروبا ثورات، غيرتْ وجهَ الحضارةِ الإنسانية، فالثورةُ الفرنسية، رفعتْ رايات الحريةِ والمساواةِ والإخاء، وأسستْ لمفاهيمَ دستوريةٍ ما زالتْ البشريةُ تستظلُ بها حتى اليوم، لكنها في الوقتِ ذاتهِ دخلتْ أكثرُ مراحلها ظلمةَ فيما عرفَ ب عهدِ الإرهاب، حينَ تحولتْ المقصلةُ إلى رمزٍ يوميٍ للدولة، وأصبحَ الشكُ في الولاءِ كافيا لإنهاءِ حياةِ الإنسان، ولمْ يحتجْ التاريخُ طويلاً حتى يحكمَ بأنَ الثورة، مهما كانتْ أهدافها نبيلة، تفقدُ جزءا منْ مشروعيتها عندما تستبدلُ العدالةَ بالانتقام. ولمْ تتوقفْ أوروبا عندَ هذا الدرس.
في العقودِ الأخيرةِ منْ القرنِ العشرين، شهدتْ دول أوروبا الشرقية سقوطَ أنظمةٍ شموليةٍ كانتْ تبدو عصيةً على التغيير، لكنَ انتقالَ السلطةِ في عددِ كبيرٍ منها تمَ عبرَ التفاوض، والإصلاحِ الدستوري، والاحتكامِ إلى صناديقِ الاقتراع، لا إلى ساحاتِ الإعدام، كما قدمتْ إسبانيا، بعدَ نهايةِ حكمِ الجنرال فرانكو، نموذجا سياسيا بالغ الأهميةِ حينَ اختارتْ المصالحة الوطنية، وبناء المستقبل، بدلَ تحويل الماضي إلى سلسلةٍ لا تنتهي منْ الثأرِ السياسي.
لقدْ أدركتْ تلكَ الأممُ أنَ الدولة، لا تبنى بالمشانق، وإنما تبنى بالقانون، وفي جنوب أفريقيا، بعدَ عقودٍ منْ نظامِ الفصلِ العنصري، كانَ يمكنُ للبلادِ أنْ تنزلقَ إلى حربِ انتقامٍ لا تنتهي، لكنَ قيادةَ المرحلةِ اختارتْ طريقا آخر، تمثلَ في العدالةِ الانتقالية، ولجانِ الحقيقةِ والمصالحة، حيثُ قدمتْ الحقيقةَ على الانتقام، وبقيَ القانونُ أعلى منْ رغبةِ الغضب، فلمْ يكنْ ذلكَ إنكارا للجرائم، بلْ كانَ انتصارا لفكرةِ الدولةِ على شهوةِ الثأر.
أما في وطننا العربي، وفي العراقِ على وجهِ الخصوص، فقد أثار ما جرى صباح الرابع عشر من تموز عام 1958 جدلًا واسعًا بين الباحثين والمتخصصين في القانون والسياسة والتاريخ، ولا يزال هذا الجدل قائمًا حتى اليوم، فقد اختلفت التوصيفات بين من يعدّ الحدث ثورة، ومن يصفه بانقلاب، ومن يرى أن ما رافقه من قتل أفراد العائلة المالكة يرقى إلى جريمة جنائية، وبين هذه التفسيرات المتباينة، يبقى لكل باحث أو كاتب أو قارئ أو موثق رؤيته الخاصة في تفسير الحدث، وتقييمه استنادًا إلى منهجه وقناعاته.
إنَ الصورةَ تبدو مختلفةً إلى حدٍ بعيد، فمنذُ أربعينياتَ القرنَ الماضيَ شهدَ العراقُ سلسلةً منْ الانقلاباتِ العسكرية، لكنَ معظمها دخلُ كتبِ التاريخِ تحتَ عنوانِ الثورات، فكلّ سلطةٍ جديدةٍ كانتْ تبدأُ بإدانةِ منْ سبقها، ثمَ تقيمُ المحاكم الخاصة، وتصدرُ أحكامُ الإعدام، وتملأُ السجون، قبلَ أنْ يأتيَ يومٌ تصبحُ فيه- هيَ نفسها- على منصةِ الاتهام، ويتكررُ المشهدُ بالأسلوبِ ذاته، ولكنْ بشعاراتٍ جديدة. هكذا تحولَ التاريخُ السياسي، في كثيرٍ منْ مراحله، إلى دائرةٍ مغلقة؛ انقلاب يعقبهُ انتقام، وانتقامٌ يعقبهُ انقلاب، بينما يظلُ المواطنُ يدفعُ ثمنَ صراعِ السلطة، ويظلُ التاريخُ الرسميُ يغيرُ أسماءَ الأحداثِ وفقا لمنْ يملكُ السلطةَ لا وفقا لما جرى على أرضِ الواقع.
هنا يفرضُ القانون نفسه قبلَ السياسة، فالدولةُ الحديثةُ ، لا تعترفُ بمبدأِ المسؤوليةِ الجماعية، ولا تجيزُ معاقبةْ الإنسانِ بسببِ انتمائهِ السياسيِ أوْ موقعه الوظيفي، فالمسؤولية، في جميعِ التشريعاتِ الجنائيةِ الحديثة، شخصية، والجريمة لا تثبتُ إلا بدليل، ولا ترتبُ عقوبة إلا بعدَ محاكمةٍ عادلةٍ تتوافرُ فيها ضمانات الدفاعِ واستقلال القضاءِ وحقّ الطعن.
أما محاكمُ المنتصرين، التي تنشأُ تحتَ ضغطٍ الشارع أوْ رغبةْ السلطةِ الجديدة، فهيَ لا تنتجُ عدالة، وإنما تنتجُ ذاكرةٌ مثقلةٌ بالأحقاد، وتفتحُ أبواب الثأرِ لجيلٍ جديد، وهذا المبدأ لمْ يأتِ بهِ القانون الوضعيّ وحده، بلْ سبقَ إليهِ القرآن الكريم قبلَ أكثرَ منْ أربعةَ عشرَ قرنا، حينَ قررَ قاعدةَ العدالةِ المطلقةِ بقولهِ تعالى: (ولا تزر، وآزرهُ وزر أخرى) الأنعام: 164، فلا يدانُ إنسانٌ بذنبِ غيره، ولا يحاسبُ لمجردِ أنهُ كانَ جزء منْ سلطةٍ سابقة، ما لمْ تثبتْ عليهِ جريمةٌ محددةٌ وفقَ ميزانِ العدل. بلْ إنَ القرآنَ جعلَ العدلَ قيمة لا تتبدلُ حتى معَ الخصومةِ ، فقالَ سبحانهُ وتعالى: (ولا يجرمنكمْ شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هوَ أقربُ للتقوى) المائدة: 8.
إنها آيةٌ لوْ تحولتْ إلى دستورٍ عمليٍ بعدَ كلِ تغييرٍ سياسي، لما امتلأتْ السجونُ بالأبرياء، ولا تحولتْ المحاكمَ إلى أدواتٍ لتصفيةِ الحسابات. أما الدم، فقدْ جعلهُ القرآن منْ أعظمِ المحرمات، فقالَ تعالى:؟ منْ قتلَ نفسا بغيرِ نفسٍ أوْ فساد في الأرضِ فكأنما قتلَ الناس جميعا؟ .
وليسَ في هذهِ الآيةِ استثناء لثائرٍ أوْ حاكم أوْ قائد أوْ منتصر؛ فالدمُ الحرامُ يبقى حراما مهما تبدلتْ الرايات، ومهما تغيرتْ أسماءُ الأنظمة. وقدْ يظنُ القاتلُ أنَ الزمنَ يمحو الجريمة، وأنَ السلطةَ تمنحهُ حصانة، لكنَ القرآنَ يردُ على هذا الوهمِ بقولهِ تعالى: (ولا تحسبنَ الله غافلاً عما يعملُ الظالمونَ إنما يؤخرهمْ ليومٍ تشخصُ فيهِ الأبصار) إبراهيم: 42.
إنها ليستْ مجرد وعيدٍ أخروي، بلْ إعلان بأنَ العدالةَ قدْ تتأخر، لكنها لا تضيع. منْ هنا، فإنَ إعادةَ قراءةِ تاريخنا ليستْ ترفا فكريا، بلْ ضرورة أخلاقية ووطنية. فلا يجوزُ أنْ نستمرَ في إطلاقِ وصفِ الثورةِ على كلِ انقلابٍ عسكريٍ نجحَ في السيطرةِ على الحكمِ بالقوة، ثمَ أعقبهُ مسلسلٌ منْ الإعداماتِ والمحاكماتِ الصوريةِ والإقصاءِ السياسي، فالمصطلحاتُ ليستْ ألفاظا بريئة، بلْ هيَ التي تصنعُ وعيَ الأجيال.
وهكذا ، فعندما نمنحُ الانقلابَ اسمَ الثورة، فإننا نمنحُ العنفَ شرعيةً ونفتحُ البابَ أمامَ تكراره، فالثورةُ الحقيقيةُ تُقاسُ بما تُحققه من عدلٍ وحريةٍ وصونٍ لكرامةِ الإنسان، لا بما تُسقطه من حكام. ويبقى السؤالُ الذي لا ينبغي أن يهربَ منه التاريخ: هل صنعتْ تلكَ الثورةُ دولةً أعدل، أم استبدلتْ مستبدًّا بآخر؟
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال مفهوم الثورة من منظور قانوني وأخلاقي، مؤكدًا أن الثورة الحقيقية تُقاس بما تؤسسه من عدالة وسيادة للقانون، لا بمجرد إسقاط نظامٍ سياسي. كما يدعو إلى إعادة قراءة التاريخ بعيدًا عن رواية المنتصرين، والتمييز بين الثورة التي تبني الدولة والانقلاب الذي يكرّس العنف والانتقام، مستندًا إلى مبادئ العدالة في القانون والقرآن الكريم.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!