بقلم: محمد الرصافي المقداد
الجأنا البحث في هذا الخصوص أنّ العدوان الأمريكي الذي شنته قواته البحرية والجوية ويحتمل أن تختتم عدوانها بعمليات إنزال برية، على محيط مضيق هرمز، من أجل السيطرة عليه، ليس حبا في ترك الملاحة التجارية منسابة فيه، كما كانت من قبل بدون رسوم، بل من أجل السيطرة الكاملة عليه تملّكا واحتلالا، وما ستجني منه أمريكا من رسوم، لا أشك في كونها أكبر مما اشترطته إيران، وشرطها هذا جاء بناء على حاجتها لتخصيص تلك العائدات الضخمة، من أجل إصلاح ما دمره العدوان الأمريكي الصهيوني وعملاؤهما من بناها التحتية.
لقد شكل انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، تحوّلا هاما في رؤية الطلائع المثقفة من الشعوب الإسلامية، والتي كانت بعيدة عن تصور حكم إسلامي شامل، يعيد للدين مكانته على رأس قيادتها، فتولّدت من ذلك الفكر الثوري حركات إسلامية تحررية في لبنان وفلسطين واليمن، أخذت على عاتقها مسؤولية استعادة الدين زمام قيادة الحياة بكفاءة واقتدار، بدأ من مواجهة الاحتلال الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين، وانتهاء بإقامة حكم الله في الأرض.
لم يكن هناك همّ يشغل الأمريكيين والبريطانيين بعد سماحهما بانتصاب كيان إسرائيل على جزء من أراضي فلسطين، سوى التمهيد لضمّ جوار فلسطين، والتمدد منه شرقا وغربا لتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى، بتدعيم المشروع الاستعماري، بإقامة قواعد عسكرية في المناطق المحيطة به، وكانت الحاجة أوكد بالإسراع في بناء تلك القواعد جوية وبحرية وبرية قريبة المناطق المستهدفة، تتكفل بحماية المشروع الاستعماري الجديد، وتكون في نفس الوقت تهديدا جدّيا وخطيرا للنظام الإسلامي في إيران، وهو الهدف الثاني الذي صنّفه الأمريكيون وحلفاؤهم بعد حماية إسرائيل في تمددها وعربدتها، ذلك أن العقلية الأمريكية في الهيمنة على العالم، ركبتها حالة الكبرياء والنشوة بالانتصار على النازية الألمانية، فعملت على بناء قواعد عسكرية مختلفة الاختصاصات في شتى انحاء العالم، تركزت بداية في المانيا وكوريا الجنوبية واليابان، لكنها لم تفلح في فييتنام، فباءت قواتها بالخسران والهزيمة النكراء هناك.
بدأ مشروع أمريكا الإستعماري الجديد، بتحويل أولوية بناء قواعدها العسكرية إلى الخليج الفارسي، لما يمثله من أهمية استراتيجية يمكنها من هيمنة على تلك الدول الضعيفة والعميلة، وحماية للمشروع التوسّعي الصهيوني خارج فلسطين، فباشرت في فرض أوامرها على حكام تلك الدول، الطامعين في حمايتها من وهم خطر ايران الذي ركبه الأمريكيون في رؤوسهم، مع أنهم يدركون جيّدا أن إيران لا تمثل أيّ خطر عليهم، والشواهد على ذلك كثيرة، وقد ثبت تورط هؤلاء الحكام في التآمر على أيران بهدف اسقاط نظامها وما حرب الثماني سنوات التي حرضوا عليها مع الأمريكيين صدّام وأنفقوا مئات مليارات الدولارات من أجل تحقيق ذلك الهدف، فباءت محاولاتهم الخبيثة بالفشل والخسران، ومع ذلك ضربت ايران عن تلك الحرب صفحا، ساعية الى بناء علاقات أخوية باسطة اياديها إلى جيرانها وفق أحكام الإسلام الجامع لهم بحكم انتمائهم له، لكن من أضمروا شرا في عقولهم وقلوبهم لا يمكن أن ينزعوا منها فكرة التخلص من النظام الإيراني، فتمادوا في مؤامراتهم، بإبقاء القواعد الأمريكية وتقديم الدعم المالي لها.
جغرافيا تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية في أنحاء العالم في مناطق نفوذ إستراتيجية، يمكن تصنيفها إلى خمس مناطق رئيسية: منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أوروبا، الشرق الأوسط، أفريقيا، وأمريكا اللاتينية والكاريبي. وتُعد هذه القواعد من أهم أدوات الولايات المتحدة في تعزيز قوتها العسكرية، وتأمين مصالحها السياسية والاقتصادية، ودعم حلفائها، وكذلك الرد على التهديدات الإقليمية والدولية.
منطقة المحيطين الهندي والهادئ
تُعدّ هذه المنطقة المحور الأبرز للانتشار العسكري الأمريكي الخارجي، إذ تستأثر بأكبر حجم من تمركز القوات الأمريكية خارج الأراضي الوطنية، ومعظمها في اليابان وكوريا الجنوبية. تُعدّ ألمانيا أولى الدول في العالم، من حيث عدد القواعد العسكرية التي يمتلكها الجيش الأمريكي فهي تشتمل على 21 قاعدة عسكرية، يتمركز ففيها نحو 34500 جندي أمريكي، ويبلغ العدد الإجمالي نحو 50 ألف أمريكي، مع احتساب عدد الموظفين المدنيين الإداريين في القواعد العسكرية الأمريكية على أراضي ألمانيا، التي استخدمتها الولايات المتحدة في نقل الجنود والمعدات، خلال التدخلات العسكرية الأمريكية الخارجية. وتحتل اليابان المركز الثاني عالمياً، من حيث حجم التواجد العسكري الأمريكي، مع 15 قاعدة كبرى يقدر عدد الجنود فيها عام 2025 بنحو 55000 ألف جندي. ووفق تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس في يوليو/ تموز 2024، فإن الجيش الأمريكي يملك أو يستخدم ما يزيد على 128 منشأة عسكرية في 51 دولة.
تصنيف القواعد الأمريكية
تصنف وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) منشآتها الخارجية إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب الحجم والأهمية، إذ توجد القواعد الرئيسية، وهي منشآت ضخمة دائمة، مجهزة ببنية تحتية متكاملة تضم مطارات، وموانئ، ومساكن عائلية، وتستوعب آلاف الجنود. أما النوع الثاني فهي قواعد العمليات الأمامية، وهي قواعد أصغر قابلة للتوسع، تُستخدم لدعم العمليات الدورية وتخزين المعدات، مع وجود عسكري محدود في أوقات السلم.
وأيضًا، مواقع الأمن التعاوني وتعرف بـ (منصات الزنبق(Lily Pads ، وهي مواقع صغيرة جداً لا يوجد بها جنود دائمون، بل تُدار بالتعاون مع الدول المضيفة وتُستخدم كمحطات تزويد بالوقود أو مراكز استخباراتية عند الحاجة. أما مواقع الطوارئ التابعة للقوات الأمريكية فتُصنَّف وفق مدة تشغيلها إلى ثلاثة أصناف رئيسية، بما يتيح مرونة عالية في التعامل مع مختلف المهام العملياتية والطوارئ.
الموقع الأوّلي يُنشأ للاستخدام الفوري عند الحاجة العاجلة، بينما يُستخدم الموقع المؤقت لفترة تمتد من شهر إلى سنتين لتغطية مهام محددة أو عمليات قصيرة الأمد. أما الموقع شبه الدائم، فيُخصص لفترات أطول تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، ما يتيح دعماً مستداماً للعمليات العسكرية واللوجستية دون الحاجة لإنشاء قواعد دائمة(2).
ومن أهم هذه القواعد:
تُعدّ السعودية المقر الرئيسي للقيادة العسكرية المركزية الأمريكية وهي كالآتي:
قاعدة الأمير سلطان الجوية: أهم قاعدة لقيادة القوات الجوية الأمريكية في المنطقة وفيها 5000 عسكري أمريكي يديرون عمليات 80 طائرة حربية وتجسسية أمريكية ومنها طائرات يو 2 التجسسية. ومن القواعد العسكرية الأمريكية الأخرى في المنطقة يمكن الإشارة الى قاعدة تبوك في شمال غرب السعودية، وقاعدة خميس مشيط في جنوب السعودية، وقاعدة الغربية في جدة، وقاعدة الظهران في المنطقة الشرقية، وتشرف هذه القواعد على القواعد الجوية والبحرية الامريكية الأخرى بالمنطقة.
أما الكويت
فتضم احدى أهم القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج الفارسي، وقد وقعت الكويت مع أمريكا إتفاقية في عام 1987 أثناء ما كان يعرف بحرب ناقلات النفط لتقديم الحماية لـ 11 ناقلة نفط كويتية، وبعد طرد القوات العراقية من الكويت في عام 1991، وقعت الكويت اتفاقية تعاون عسكري مع أمريكا، تعهدت بموجبها بتقديم تسهيلات واسعة للقوات الأمريكية على أراضيها، وفي عام 2003 وضعت الكويت كامل أراضيها وموانئها ومطاراتها في تصرف القوات الامريكية لغزو العراق، وقد تواجدت حينها في الكويت عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين والبريطانيين، وآلاف الدبابات ومئات الطائرات الحربية والمروحيات.
أما في قطر
فقد قعت في عام 1992 اتفاقية أمنية مع أمريكا، وهي مستمرة حتى الآن، حيث تحتمي السلطات القطرية بالأمريكيين، وحسب المركز العربي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية في الخليج (الفارسي)، فإن قطر تُعَدّ من أهم البنى التحتية العسكرية الامريكية في المنطقة، وقد انتقلت قيادة القوات الجوية للقيادة المركزية الأمريكية من السعودية، إلى قاعدة العديد الجوية في قطر في عامي 2002. وقد صرفت قطر مبلغ 400 مليون دولار لتطوير هذه القاعدة، وتحويلها الى قاعدة عسكرية أمريكية، وهناك أيضا قاعدة عسكرية قطرية مماثلة، وضعت في تصرف الأمريكيين هي قاعدة السيلية.
أما في البحرين فقد بدأت في استضافة القواعد العسكرية الأجنبية منذ سنة 1967 بداية من قواعد بريطانية صرفة، لكنه بعد انسحاب البريطانيين، حلّ محلهم الأمريكيون، وفي عام 1995 تحول البحرين رسميا الى مقر للأسطول الأمريكي الخامس، وقد رست السفن الأمريكية قرب المنامة، وإستقر 4200 عسكري أمريكي في هذا البلد الصغير جدا والغير قادر على تحمل وجود أي قواعد عسكرية اجنبية على ارضه المحدودة المساحة نحو 788 كلم2.
اما الأسطول الأمريكي الخامس فهو يضم عددا من حاملات الطائرات والغواصات الهجومية والمدمرات كما استقرت في البحرين ايضا 70 طائرة مقاتلة أمريكية وعدد من القاذفات التكتيكية وطائرات تزويد الوقود في قاعدة الشيخ عيسى الجوية، ورغم ذلك تبقى القاعدة العسكرية الأمريكية الرئيسية في البحرين قاعدة الجفير جنوب شرق المنامة وهي مقر الأسطول الخامس، كما تضم المنامة معظم مراكز قيادة القوات البحرية الأمريكية في قاعدة الجفير التي فيها 40 مركز قيادة امريكية وهي مرتبطة جميعا بالقيادة الأمريكية الوسطى.
عمان
تحظى بأهمية فائقة في الإستراتيجية الأمريكية لأنها مطلة على مضيق هرمز وقد بنت أمريكا فيها قاعدة جوية متعددة المهام ونشرت فيها قاذفات بي 1 وطائرات تزويد الوقود. وتعتبر عمان مركزا لتقديم الخدمات وإسناد الجسور الجوية بين القواعد الأمريكية المختلفة، وقبل احداث 11 سبتمبر كانت هناك 5 قواعد أمريكية في عمان وحسب الإتفاقيات المبرمة بين البلدين يمكن للأمريكيين الإستفادة من 24 قاعدة عسكرية في عمان.
الإمارات
اضافة الى عدة موانئ إماراتية وضعت في تصرف الأمريكيين يمتلك الجيش الأمريكي قاعدة جوية، وعددا من المخازن اللوجستية في الإمارات، حيث ترسو في موانئها سفن أمريكية عملاقة نظرا للعمق الكبير لمياهها. وقد وقعت الإمارات في عام 1994 إتفاقية تعاون عسكري مع أمريكا أوجد بموجبها الامريكيون مكتب إرتباط عسكري في الإمارات وحصلوا على تسهيلات لبناء قواعد بحرية لوجستية. ويتواجد الجيش الأمريكي في موانئ زايد، وجبل علي، ودبي، والفجيرة بشكل علني، بالإضافة الى التعاون السري بين الجانبين، وقد جرت مؤخرا مناورات في أمريكا شاركت فيها قوات إماراتية إلى جانب قوات إسرائيلية وباكستانية وإسبانية(3).
تُعتبر القواعد العسكرية الأمريكية إحدى أهم الأدوات بسط هيمنتها على الدول والحفاظ على مصالحها عليها وعلى ما حولها حسب الأهمية الاستراتيجية، وان إيجاد قواعد عسكرية امريكية عديدة في مختلف انحاء العالم، لعب دورا بارزا في استمرار النفوذ والهيمنة الأمريكية على الدول الخليجية.
لقد أظهر العدوانان الأولان اللذان نفّذتها القوات الأمريكية على ايران، الدور الكبير الذي لعبته تلك القواعد المنتشرة جنوب الخليج الفارسي في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية والعراق والأردن وسوريان في العدوان على إيران، فقد أسهمت تلك القواعد في ضرب نقاط ومواقع وبنى داخل الأراضي الإيرانية، لم يكن بإمكان القطع البحرية الامريكية القيام بها وهي بعيدة عنها، ومجرد اقترابها من مرمى الصواريخ والتوربيدات الإيرانية يجعلها في خطر إصابات محققة وهو ما يُعَدّ كارثة على تلك القوات، فكان اسهام تلك القواعد في الاعتداء على ايران كبيرا، ما استوجب توجيه ضربات دقيقة لأجل اسكات نيرانها وتحييدها من المعركة التي ستكون شديدة القسوة والخسائر.
قواعد عسكرية لم يكن لها أي دور في حماية الدول الخليجية المستضيفة، لكن من أيّ خطر دعاها إلى اللجوء إلى خيار لا خير فيه؟ بل شكلت وبالا عليها، فلم تستفد منها بشيء وكانت سببا مباشرا في توتير الأجواء في المنطقة، ووضعها على مدار السنة تحت بركان قابل في أي وقت للإنفجار، وها قد بدأ اعراض خطره تلوح للعيان، فعلى مَن تعود تبعة هذه القواعد؟ ومن يتحمل المسؤولية رخّص لها بالبقاء على أراض إسلامية لتهديد دولة إسلامية؟ ايران ليس في سياستها بند واحد يدعو إلى الاعتداء على جيرانها، بينما جيرانها باعوا فلسطين وأضمروا لها خداعا وخبثا متأصلا في حكام رأوا في أمريكا وإسرائيل أدوات حماية وقوة، فتورّطوا وكانت جميع حساباتهم خاطئة تماما، لعل المثل القائل: من حفر جبّا لأخيه وقع فيه ينطبق على دول الخليج التي سمحت لأمريكا بالاعتداء على ايران من أراضيها.
المصادر
1 - القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا، تحديات دفاعية وجيوسياسية
https://www.europarabct.com/
2 - خريطة القواعد الأميركية حول العالم: الأعداد والأنواع ومناطق التمركز
https://arabic.euronews.com/2026/03/03/map-of-us-bases-around-the-world-numbers-types-and-locations
3 - القواعد العسكرية في الدول الخليجية
http://alwaght.net/ar/News/69254/
✦ كتابات في الميزان ✦
يبحث الكاتب في دوافع انتشار القواعد العسكرية الأميركية حول العالم، ولا سيما في منطقة الخليج، رابطاً وجودها بحماية المصالح الاستراتيجية وتعزيز النفوذ الإقليمي. ويستعرض أنواع هذه القواعد وأبرز مواقعها وأدوارها العسكرية واللوجستية. ويرى المقال أن هذا الانتشار لم يحقق الأمن للدول المستضيفة بقدر ما جعل أراضيها جزءاً من الصراعات ومصدراً دائماً للتوتر.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!