كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

القرآن الكريم يتجلّى في سيرة وأخلاق الإمام الحسن عليه السلام / القسم الأول

 القرآن الكريم كتاب هداية ، قال تعالى [ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ] البقرة ٢ ، فمن اهتدى بهديه والتزم بأوامره ونواهيه ، وجعله دستوراً لحياته وصراطاً مستقيماً لنعيم آخرته .. كان بحق قرآناً يمشي على الأرض ..

ونحن نعتقد أن رسول الله والائمة من أهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين هم أعلى مستويات التجلّي القرآني وأوضح مصاديق هذا المعنى والمفهوم ، وفي ذلك نصوص واردة وسيرة متواترة ، فهم عِدل القرآن الكريم وهو معهم وهم معه ولا يفترقان أبدا ..

ولنأخذ من شخصية وسيرة الإمام الحسن عليه السلام أنموذجاً لهذا المعنى ، لنتبرّك به صلوات الله عليه ونحيي ذكراه في السابع من شهر صفر الخير ..

● التجلّي الأول / الدفع بالتي هي أحسن

وأولى التجليات القرآنية للإمام الحسن عليه السلام هي في قوله تعالى : [ وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ] فصلت ٣٤

تتحدث هذه الآية عن موضوع مهم في التعايش السلمي والاجتماعي وهو ما يسمى حديثاً بالذكاء العاطفي والاجتماعي ، وخاصة مهارة التعامل مع الآخرين وإحتوائهم والقدرة على إدارة الأزمات معهم وبكفاءة عالية ..

وكان الإمام الحسن عليه السلام خير من يستطيع التحكم بمشاعره ومشاعر الآخرين .. وإليك شيء من سيرته في ذلك :

قصة الرجل الشامي وكيف استطاع عليه السلام تحويل العداء إلى ولاء بالتعاطف :

حيث يروى أن رجلاً شاميّاً قد رآه راكباً ، فجعل يلعنه والحسن عليه‌ السلام لا يرد ، فلمّا فرغ أقبل عليه الإمام وتبسم في وجهه وقال : " أيّها الشيخ ، أظنّك غريباً ولعلك شبهتني ، فلو استعنتنا أعنّاك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استحملتنا حملناك ، وإن كنت جائعاً أشبعناك ، وإن كنت عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كنت ذا حاجة قضيناها لك ، فلو كنت حرّكت رحلك إلينا ، وكنت ضيفاً لنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك ، لأن لنا موضعاً رحباً ، وجاهاً عريضاً ، ومالاً كثيراً " .

فلمّا سمع الرجل كلامه بكى ، ثمّ قال : ( أشهد أنّك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته ، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ ، فالآن أنت أحبّ الخلق إليّ ، وحوّل رحله إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل ، وصار معتقداً محبّتهم )

ذكرت هذه القصة مصادر كثيرة ومنها : كشف الغمة في معرفة الأئمة – للإربلي ( ج 1 ، ص 561 )

هذه الآية وهذه السيرة والتطبيق العملي لها هو ما نفتقر إليه اليوم كمجتمعات إسلامية ، فلا جعلنا القرآن مناراً لسلوكنا وطبيعة تفكيرنا ، ولا من سيرة وحياة عظماء الإسلام أسوةً لنا وقدوة .. تركنا كل ذلك جانباً وذهبنا نبحث عن قواعد تنمية بشرية ونؤلف قصصاً خيالية ، لا يعدو تأثيرها فينا جلسة قرائتها .. !


● التجلّي الثاني / ردّ التحية بأحسن منها

قال تعالى [ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ] النساء : 86

ردّ التحيّة بأحسن منها هو خُلق إسلامي وإنساني عالي المستوى ، وهو امتثال مباشر لأمر الله تعالى في القرآن الكريم ، ويعكس عمق الأدب والذوق الرفيع في الإسلام ، ويحوّل المجاملات العابرة إلى روابط متينة بين البشر .

ولا يقتصر هذا الخُلق على الكلمات فحسب ، بل يمتد ليشمل ردّ الجميل والمعروف بأفضل منه ، عن أمير المؤمنين عليه السلام : " إذا حُيِّيتَ بـِتِحيّةٍ فـَحيّي بأحْسَنَ مِنـْها وإذا أسْدِيَتْ إليْكَ يَدُ فكافِئْهـَا بما يُربْي عـَليها ، والفضل مع ذلك للبادىء " .

والإمام الحسن عليه السلام هو من تجليات هذه الآية الشريفة وخلقه من أوضح تطبيقاتها ، فهو إن رد الإساءة بالإحسان كما ذكرنا في التجلي السابق ، فإن رد الإحسان بإحسان أكبر منه يكون أسهل له بل هو الأقرب لطبعه وسجيّه ..

فقد روي أنّ جارية حيّته بطاقة من ريحان ، فقال ( عليه السّلام ) لها : أنت حرّة لوجه اللّه ، فلامه أنس على ذلك ، فأجابه ( عليه السّلام ) : « أدّبنا اللّه فقال تعالى : {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} وكان أحسن منها إعتاقها » .

سبْطُ النَّبِيِّ ومَعْدِنُ الإِحسَانِ
ومَنَارُ حِلْمٍ ثَابِتِ الأَرْكَانِ

حَسَنُ السَّجَايَا وَالمكَارِمِ والنَّدَى
بَحْرٌ يجُودُ بِوابِلِ الْغُفْرَانِ

يلقَى الإِساءَةَ بِالْسماحةِ راضِياً
ويَعُودُ بِالإِحْسَانِ لِلْجَانِي

إِنْ حُيِّيَ يوماً بالتَّحِيَّةِ رَدَّهَا
بِأَتَمِّ منْهَا في عُلَا التِّبْيَانِ

كَفَّاهُ غَيْثٌ للفقِيرِ إِذا أَتَى
يَسْخُو بِلَا مَنٍّ ولَا حِسْبَانِ

مُتَسَامِحٌ شَهْمٌ كَرِيمٌ خُلْقُهُ
وُرِثَ الْمَكَارِمَ عَنْ أَبٍ وَجَدّه العَدْنَاني


● التجلّي الثالث : الكرم

لم يكن الكرم في سيرة الإمام الحسن عليه السلام مجرّد صفة عابرة أو سخاء تقليدي ، بل كان رؤية فلسفية عميقة تؤمن بالمسؤولية الاجتماعية المشتركة وتكريم الإنسان .

فحين يقاسم المرء ثروته مع المجتمع ثلاث مرات ، أو يتخلى عنها بالكامل مرتين لصالح المحتاجين ، فإنه يعلن انتصار الإرادة الإنسانية على غريزة التملك والشُّح . هذا السلوك يمثل إمتداداً حيّاً للقيم الروحية التي نشأ عليها ، والتي تلخصها الآية الكريمة : « وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ » الحشر : 9 .

وتزخر الذاكرة التاريخية بمواقف ملهمة تبرز كيف حوّل الإمام الحسن العطاء إلى أداة لتحقيق العدالة النفسية والاجتماعية ، ومنها :

١. مواجهة الفقر بكرامة

في حوار يحمل أبعاداً بلاغية وإنسانية عميقة ، وقف رجل أمامه مستغيثاً : يا ابن أمير المؤمنين ، بالذي أنعم عليك بهذه النعمة التي ما تليها منه بشفيعٍ منك إليه ، بل إنعاماً منه عليك إلّا ما أنصفتني من خصمي فإنّه غشوم ظلوم ، لا يوقّر الشيخ الكبير ولا يرحم الطفل الصغير .

وكان (ع) متّكئاً فاستوى جالساً وقال له : مَنْ خصمك حتى أنتصف لك منه ؟ فقال له : الفقر ، فأطرق رأسه ساعةً ثم رفع رأسه إلى خادمه وقال له : أحضر ما عندك من موجود ، فأحضر خمسة آلاف درهم ، فقال : إدفعها إليه ، ثم قال له : بحقّ هذه الأقسام التي أقسمت بها عليّ متى أتاك خصمُك جائراً إلّا ما أتيتني منه متظلّماً )

لم يتعامل الإمام مع الموقف كمسألة إحسان عابر ، بل كقضية عدالة ، لقد كان الإمام الحسن يرى في مساعدة المحتاج واجباً أخلاقياً يعيد للإنسان كرامته المستلبة .

٢. العطاء كقيمة وجودية وتبادل إنساني

حين سُئل الإمام عن سر تدفقه بالعطاء حتى في أوقات حاجته الشخصية ، كشف عن وعي كوني متقدم بمفهوم الوفرة والتداول ، قائلاً : « اني لله سائلاً وفيه راغب ، وأنا استحي أن اكون سائلاً وارد سائل وان الله عودني عادة ان يفيض نعمه علي وعودته ان افيض نعمه على الناس فأخشى ان قطعت العادة ان يمنعني العادة » . ثم أنشد مؤكداً أن قمة نضج الإنسان وتألقه تكمن في قدرته على النفع والعطاء :

إِذَا مَا أَتَانِي سَائِلٌ قُلْتُ مَرْحَبَاً
بِمَنْ فَضْلُهُ فَرْضٌ عَلَيَّ مُعَجَّلُ

وَمَنْ فَضْلُهُ فَضْلٌ عَلَى كُلِّ فَاضِلٍ
وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الفَتَى حِينَ يُسْأَلُ

يمثل الإمام الحسن أنموذجاً ملهماً لكيفية تحويل النصوص الدينية والآيات القرآنية الداعية للإيثار من مجرد كلمات مسطورة إلى ممارسات سلوكية واقعية . إن لقب " كريم أهل البيت " لم يكن مدحاً عاطفياً ، بل كان اعترافاً ببلوغه ذروة السخاء الإنساني النقي ، البعيد كل البعد عن حب المظاهر أو المباهاة السياسية ، إنه العطاء من أجل الإنسان والإنسانية .

فهو عليه السلام يمثل تجليّاً لكثير من آيات القرآن الكريم التي تدعو الى الإنفاق والتكافل الاجتماعي ، قال تعالى [ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمَّ يَحْزَنُونَ ] (البقرة: 274)

القسم الثاني .. يتبع

✦ كتابات في الميزان ✦

يستعرض المقال جانباً من التجلي القرآني في سيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، من خلال تحويله الآيات الكريمة إلى سلوكٍ حيّ وممارسة يومية. ويتوقف في قسمه الأول عند الدفع بالتي هي أحسن، وردّ التحية بأفضل منها، والكرم الذي يصون كرامة المحتاج. وتكشف المواقف الواردة أن أخلاق الإمام لم تكن صفات فردية فحسب، بل منهجاً قرآنياً متكاملاً في التسامح والتكافل وحسن التعامل مع الإنسان.

الامام الحسن.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!