ينطلق الكاتب سعد الكناني في مقاله من فكرة أن توقيع (48) اتفاقية ومذكرة تفاهم بين العراق والولايات المتحدة، بقيمة تقارب (60) مليار دولار، يمثل خطوة مهمة وبداية واعدة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، واستقطاب الشركات العالمية ونقل التكنولوجيا وتوفير فرص العمل وتنويع مصادر الاقتصاد العراقي.
ويربط الكاتب نجاح هذه الاتفاقيات بقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات الإدارية والتشريعية، وتحقيق الاستقرار، وحماية المستثمرين، والانتقال من مرحلة التوقيع إلى التطبيق الفعلي. كما يلفت إلى أهمية امتلاك الحكومة إرادة سياسية مستقلة تحول دون إخضاع الاتفاقيات للمصالح الحزبية وتوازنات القوى النافذة.
ولا خلاف مع الكاتب في أن العراق يحتاج إلى استثمارات حقيقية وشراكات دولية قادرة على تطوير قطاعات النفط والغاز والكهرباء والتكنولوجيا والمصارف. كما أن الانفتاح الاقتصادي، إذا قام على المصالح المتبادلة وحفظ السيادة، يمكن أن يسهم في إعادة بناء الاقتصاد وتوفير فرص العمل.
لكن السؤال الذي يسبق الحديث عن نجاح هذه الاتفاقيات أو تعثرها هو: ماذا وقّعت الحكومة، وما الالتزامات التي قدمتها باسم العراق؟
الاتفاقيات لا تُقاس بعددها وقيمتها المعلنة
ليس المهم أن تكون الاتفاقيات (48)، أو أن تبلغ قيمتها نحو (60) مليار دولار، وإنما المهم معرفة طبيعة كل واحدة منها: هل هي مذكرات تفاهم أولية غير ملزمة؟ أم عقود تنفيذ واستثمار؟ أم التزامات طويلة الأمد تتعلق بإنتاج النفط وتسويقه وعائداته؟
إن جمع مذكرات التفاهم والعقود والاتفاقيات النهائية في رقم واحد، ثم تقديم قيمتها على أنها استثمارات متحققة، قد يمنح انطباعاً اقتصادياً أكبر من الواقع. فالتوقيع لا يعني التمويل، ومذكرة التفاهم لا تعني بالضرورة بدء المشروع، كما أن الرقم المعلن لا يكشف ما سيدفعه العراق وما ستحصل عليه الشركات من أرباح وضمانات وامتيازات.
وكان من الضروري أن تنشر الحكومة قائمة تفصيلية تتضمن:
اسم كل اتفاقية والشركة المعنية بها.
طبيعتها القانونية ومدتها الزمنية.
قيمة الاستثمار الفعلي ومصادر تمويله.
التزامات العراق المالية والنفطية.
حصة العراق من الإنتاج والأرباح.
نسب تشغيل العمالة العراقية.
شروط نقل التكنولوجيا والخبرات.
الجهة المختصة بحسم النزاعات.
هل أصبح النفط العراقي ضمانة لهذه الاتفاقيات؟
تتضاعف المخاوف لأن جانباً مهماً من الاتفاقيات يتعلق بالنفط والغاز والطاقة. وهنا لا بد من معرفة ما إذا كانت الحكومة قد ربطت مستحقات الشركات بكميات من النفط العراقي أو بعائدات تصديره، وما إذا كانت قد منحتها حقوقاً طويلة الأمد في الإنتاج أو التسويق.
لا يمكن الجزم بأن النفط العراقي قد أصبح رهينة لهذه الاتفاقيات قبل نشر نصوصها، لكن عدم نشرها هو الذي يفتح الباب أمام هذا القلق. فالحكومة مطالبة بأن توضح للشعب ما إذا كانت العقود تتضمن ضمانات سيادية، أو تسديداً بالنفط، أو التزامات تمتد إلى الحكومات والأجيال المقبلة.
والنفط، وفق المادة (111) من الدستور، «ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات»، وليس ملكاً لحكومة مؤقتة أو حزب أو مسؤول يستطيع التصرف به بعيداً عن الرقابة العامة. نص الدستور العراقي
لذلك لا يجوز أن تتحول الثروة النفطية إلى ثمن لاتفاقيات لم يطّلع العراقيون على تفاصيلها، أو أن تصبح الإيرادات المقبلة ضمانة لعقود لا تُعرف كلفتها الحقيقية ومدى فائدتها للاقتصاد الوطني.
لماذا لم تُعرض الاتفاقيات للنقاش؟
أهم ما ينبغي التوقف عنده هو أن هذه الاتفاقيات لم تُعرض تفاصيلها على مناقشة برلمانية أو اقتصادية أو مجتمعية معلنة، على الرغم من ضخامتها واتصالها بقطاعات سيادية تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي.
وإذا كان بعضها يرقى إلى اتفاقيات دولية ملزمة بين العراق والولايات المتحدة، فإنها تخضع للأطر الدستورية الخاصة بالموافقة والتصديق. أما إذا كانت عقوداً تجارية مع شركات أميركية، فإن ذلك لا يعفيها من رقابة مجلس النواب وديوان الرقابة المالية والجهات المختصة، ولا سيما حين تتعلق بالحقول النفطية أو تتضمن ضمانات والتزامات مالية كبيرة.
فالرقابة لا تعرقل الاستثمار، بل تحميه من الفساد وسوء التفاوض، وتمنحه شرعية سياسية وقانونية تمنع الطعن فيه أو إلغائه مستقبلاً.
الشراكة لا تعني الارتهان
يدعو الكاتب إلى تطوير التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع بناء شراكات إقليمية مع الأردن وسوريا وتركيا ومصر ودول الخليج. وهذه رؤية قابلة للنقاش، شرط ألا يتحول الانفتاح على جهة دولية إلى تبعية اقتصادية أو ارتهان سياسي.
إن تنويع الشراكات لا يتحقق بكثرة الدول والشركات، بل بمنع احتكار القرار الاقتصادي العراقي، والحفاظ على قدرة الدولة في التفاوض ومراجعة العقود واختيار ما يخدم مصالحها.
كما أن نقل التكنولوجيا لا يتحقق بمجرد دخول الشركات الأجنبية، بل يحتاج إلى شروط واضحة تلزمها بتدريب الكفاءات العراقية، وتشغيل الأيدي العاملة المحلية، وتوطين الصناعات، وعدم إبقاء العراق مجرد مصدر للنفط وسوق للمنتجات والخدمات الأجنبية.
تميّز مقال الكاتب سعد الكناني بوضوح الفكرة وتسلسلها، وبمحاولة الجمع بين التفاؤل بالاتفاقيات والتحذير من العقبات السياسية والإدارية التي قد تعترض تنفيذها. كما جاءت لغته هادئة وبعيدة عن الأحكام المتسرعة.
غير أن المقال اعتمد بدرجة كبيرة على التصريحات الحكومية، ولم يمنح مسألة غياب الشفافية والرقابة المساحة التي تستحقها. كما ركز على احتمال بقاء الاتفاقيات حبراً على ورق، بينما قد يكون السؤال الأخطر هو: ماذا لو نُفذت اتفاقيات تتضمن شروطاً مجحفة أو التزامات نفطية بعيدة المدى؟
فالتنفيذ ليس قيمة إيجابية بذاته؛ إذ تعتمد قيمته على عدالة العقود وحفظها حقوق العراق، وليس على سرعة تطبيقها فقط.
نعم، يمكن أن تكون الاتفاقيات التي أبرمها رئيس الوزراء علي الزيدي مع الجانب الأميركي خطوة ناجحة، كما ذهب الكاتب سعد الكناني، ولكن النجاح لا يُقاس بحفل التوقيع ولا بعدد الاتفاقيات وضخامة أرقامها.
النجاح الحقيقي يبدأ بنشر النصوص، وعرض الالتزامات على المؤسسات الرقابية، وتوضيح مصير النفط وعائداته، وضمان حقوق الأجيال المقبلة، وإثبات أن الشركات جاءت لتطوير الاقتصاد العراقي، لا لوضع اليد على موارده بعقود طويلة الأمد.
لسنا ضد الاستثمار ولا التعاون مع الولايات المتحدة، لكننا ضد أن يُسلَّم النفط العراقي رهينةً لاتفاقيات لم تُعرض على المناقشة، ولم يعرف الشعب حتى الآن ما له فيها وما عليه.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!