الدكتورُ محمدُ خضيرِ الأنباريِ
أثارَ تعميم وزارةِ التعليمِ العالي والبحثِ العلميِ الصادرِ في 15/ 7/ 2026، والمتضمن منع موظفي الدولةِ وأصحابِ الدرجاتِ الخاصة منْ الالتحاقِ بالدراسةِ المسائية، جدلاً قانونيا ودستوريا واسعا، ولا سيما، أنَ هذا المنعَ استندَ إلى قانونِ التعديلِ الأولِ رقمٌ (11) لسنةِ 2025، وقرارِ مجلسِ الوزراءِ رقم (11) لسنةِ 2026، فضلاً عنْ كتابِ الأمانةِ العامةِ لمجلسِ الوزراءِ المؤرخِ في 14/ 7/ 2026.
تتمثلُ الإشكاليةُ الأساسيةُ في التساؤلِ عنْ مدى قانونيةِ هذا المنع: هلْ يملكُ التعميمُ الوزاريُ أنْ يفرضَ حظرا عاما على دراسةِ الموظفين، أمْ أنَ ذلكَ يتجاوزُ حدودَ الاختصاصِ الإداري، ويمسُ حقا دستوريا كفلهُ الدستورُ العراقي؟
لا شكَ أنَ الإدارةَ ملزمةٌ بتنفيذِ القانونِ النافذ، كما أنَ قراراتِ مجلسِ الوزراءِ تكونُ ملزمةً للسلطةِ التنفيذيةِ متى صدرتْ في حدودِ الاختصاصِ وتنفيذِ للقانون، غير أنَ تنفيذَ النصِ القانونيِ لا يعني بالضرورةِ أنَ الإجراءاتِ المتخذةَ استنادا إليهِ بمنأى عنْ الرقابةِ القضائيةِ أوْ الدستورية؛ فكلّ قرارٍ أوْ تعميمٍ إداريٍ يظلُ خاضعا لمبدأِ المشروعية، ولرقابةِ القضاءِ منْ حيثُ الاختصاصُ والسببُ والمحلُ والغايةُ ومدى توافقهِ معَ الدستورِ والقانون.
تزدادُ أهميةُ الموضوعِ بالنظرِ إلى أنَ المادةَ (34) منْ دستورِ جمهوريةِ العراقِ بينت، على أن: التعليمُ عامل أساس لتقدمِ المجتمع، وهوَ حقٌ تكفلهُ الدولة، كما أكدتْ أنَ التعليمَ المجانيَ حقٌ للعراقيينَ في مختلفِ مراحله، وأنَ الدولةَ تشجعُ البحثَ العلمي، وتكفلُ تطويرَ التعليم، ولمْ يميزْ النصُ الدستوريُ بينَ الموظف، وغيرَ الموظف، ولمْ يجعلْ اكتساب صفةِ الموظفِ سببا لفقدانِ الحقِ في مواصلةِ التعليم.
منْ هنا، فإنَ السؤالَ لا يتعلقُ بإنكارِ سلطةِ الدولةِ في تنظيمِ الوظيفةِ العامة، وإنما بحدودِ هذهِ السلطة، فالإدارةُ تملكُ تنظيمَ دراسةِ الموظفِ بما يضمنُ عدم تعارضها معَ واجباتهِ الوظيفية، لكنها لا تملكُ بالضرورةِ تحويلَ سلطتها التنظيميةِ إلى وسيلةٍ للحرمانِ المطلقِ منْ حقٍ دستوري، ما لمْ يكنْ ذلكَ مستندا إلى نصٍ قانونيٍ واضحٍ وصريح، ومبررٍ بضرورةٍ حقيقية، ومتوافقَ معَ مبدأِ التناسب.
هنا يظهرُ اتجاهانِ قانونيان. يرى الاتجاهُ الأولُ، أنَ إلغاءَ المادةِ (12/ أولا) منْ قانونٍ أسسَ تعادلُ الشهاداتُ رقما (20) لسنةِ 2020 أزالَ الأساس القانونيّ الذي كانَ يسمحُ للموظفينَ بالدراسةِ أثناءَ الخدمة، ومنْ ثمَ أصبحتْ الإدارةُ ملزمةً بتنفيذِ القانونِ المعدل، ولا سيما أنَ المحكمة الاتحادية العليا لمْ تصدرْ حكما بعدمٍ دستوريةِ النص.
في المقابل، يرى اتجاهٌ آخرُ أنَ إلغاءَ نصٍ كانَ ينظمُ دراسةَ الموظفِ، لا يعني بالضرورةِ إنشاءٌ حظرَ عامَ ومطلقَ على الدراسة، ما لمْ يتضمنْ القانونُ نصا صريحا بهذا المعنى، فهناكَ فرق بينَ إلغاءِ تنظيمٍ قانونيٍ سابق، وبينَ إنشاء منع جديد يمسُ حقا دستوريا.
إنَ الدراسةَ المسائية، متى كانتْ خارجَ أوقاتِ الدوامِ الرسمي، ولا تؤثرُ في أداءِ الموظفِ لواجباته، لا تؤدي بذاتها إلى قيامِ تعارضٍ بينَ الدراسةِ والوظيفة.
يبرزُ في هذا المجالِ مبدأُ التناسب، وهوَ منْ المبادئِ الدستوريةِ المهمة، فإذا كانَ الهدف منْ منعِ الدراسةِ هوَ ضمانُ حسنِ سيرِ المرفقِ العام، فإنَ هذا الهدفَ يمكنُ تحقيقهُ بوسائلَ أقلَ تقييدا، كمنعِ الدراسةِ في الحالاتِ التي تتعارض- فعليا- معَ الدوامِ الرسمي، أوْ مساءلةِ الموظفِ إذا أثرتْ دراستهُ في أداءِ واجباته، أوْ إخضاعِ الدراسةِ لضوابطَ تضمنُ عدم الإخلالِ بالوظيفة.
أما المنعُ الشاملُ لمجردِ كون الشخص موظفا، فقدْ يثيرُ تساؤلاً جديا حولَ مدى تناسبِ الوسيلةِ معَ الغاية. فليسَ منْ المنطقيِ افتراض أنَ كلَ موظفٍ يدرسُ مساءً يخلُ بواجباتهِ الوظيفية، كما لا يصحُ افتراضٌ أنَ الغايةَ الوحيدةَ منْ الدراسةِ هيَ الحصولُ على منفعةٍ وظيفيةٍ أوْ ترفيعٌ أوْ ترقية، فقدْ يسعى الموظفُ إلى تطويرِ ثقافته، أوْ اكتسابِ تخصصٍ جديد، أوْ مواصلةْ مسارهِ العلمي، وهيَ أهدافٌ ترتبطُ بحقِ التعليمِ ذاته.
منْ الضروريِ هنا التمييز بينَ حقِ الموظفِ في الدراسة، وبينَ الآثارِ الوظيفيةِ المترتبةِ على الشهادة. فحقُ الدراسةِ والحصولِ على مؤهلٍ علميٍ يختلفُ عنْ حقِ احتسابِ الشهادةِ لأغراضِ الترفيعِ أوْ الترقيةِ أوْ تغييرِ العنوانِ الوظيفي، وقدْ لا تتوافرُ شروطُ احتسابِ الشهادةِ وظيفيا، لكنْ ذلكَ لا يعني بالضرورةِ أنَ أصلَ الدراسةِ غير مشروع، ما لمْ يوجدْ نصٌ قانونيٌ صريحٌ يقضي بخلافِ ذلك.
كما أنَ الكتابَ أوْ التعميمَ الإداريَ، لا يجوزُ أنْ ينشئَ قيدا جديدا على حقٍ دستوريٍ أوْ قانوني، لأنَ وظيفتهُ الأصليةَ هيَ تنفيذُ القوانينِ والقراراتِ وتنظيمِ العملِ الإداريِ في حدودِ الاختصاص، لا إضافةَ أحكامٍ جديدةٍ إلى النصوصِ التي يستندُ إليها، ولا يجوزُ كذلكَ التوسعِ في تفسيرِ قرارِ مجلسِ الوزراءِ بما يؤدي إلى إنشاءِ منعٍ لمْ يردْ فيهِ صراحة، ولا سيما إذا ترتبَ على ذلكَ تقييدُ حقٍ دستوري.
يضافُ إلى ذلكَ ضرورةْ التمييزِ بينَ اختصاصِ وزارةِ التعليمِ العالي والبحثِ العلميِ في تنظيمِ شؤونِ التعليمِ والجامعاتِ والاعترافِ بالمؤهلاتِ العلمية، وبينَ اختصاص الجهةِ التي يعملُ فيها الموظفُ في تنظيمِ شؤونهِ الوظيفيةِ والتحققِ منْ عدمِ تعارضِ الدراسةِ معَ واجباته، ومنْ ثم، فإنَ مسائلَ الدراسةِ الأكاديميةِ والاعترافِ بالشهادةِ تختلفُ عنْ الآثارِ الوظيفيةِ التي تترتبُ عليها.
إنَ التجربةَ العمليةَ خلالَ السنواتِ الماضيةِ، أظهرتْ التحاقَ أعدادٍ كبيرةٍ منْ موظفي الدولةِ بالدراسةِ المسائيةِ في الجامعاتِ الحكوميةِ والأهلية، وحصولهمْ على شهاداتٍ مختلفة، دونَ أنْ يثبتَ بصورةٍ عامةٍ أنَ الدراسةَ المسائيةَ تؤدي بذاتها إلى الإخلالِ بالوظيفةِ العامة.
لذلكَ، فإنَ معيارَ المشروعيةِ، ينبغي أنْ يكونَ التعارض الفعليّ بينَ الدراسةِ والوظيفة، لا مجردَ صفةِ الموظف. وبناءً على ذلك، فإنَ التعميمَ الصادرَ عنْ وزارةِ التعليمِ العالي يظل، منْ الناحيةِ التنفيذية، واجبُ التطبيقِ ما دامَ يستندْ إلى نصوصٍ نافذة، ولمْ يصدرْ حكمٌ قضائيٌ يقضي بإيقافهِ أوْ إبطالِ آثاره، غير أنَ ذلكَ لا يمنعُ منْ إخضاعِ الأساسِ القانونيِ للمنعِ للرقابةِ الدستوريةِ والقضائية، ولا سيما إذا كانَ تفسيرُ النصوصِ قدْ أدى إلى فرضِ حظرٍ عامٍ ومطلقٍ على حقٍ كفلهُ الدستور.
تقتضي المعالجةَ القانونيةَ السليمة في التمييزَ بينَ حقِ الموظفِ في التعليمِ وحقهِ في ترتيبِ آثارٍ وظيفيةٍ على الشهادة، كما ينبغي أنْ يكونَ الأصلُ هوَ السماحَ بالدراسةِ خارجَ أوقاتِ الدوامِ الرسمي، متى لمْ يثبتْ تعارضها معَ الواجباتِ الوظيفيةِ أوْ تأثيرها في حسنِ سيرِ المرفقِ العام، معَ إخضاعِ الاعترافِ بالشهادةِ واحتسابها وظيفيا للقوانينِ والتعليماتِ النافذة.
إنَ حمايةَ الوظيفةِ العامةِ، لا تعني حرمانَ الموظفِ منْ حقهِ في التعليم، كما أنَ حمايةَ الحقِ في التعليمِ لا تعني إعفاءَ الموظفِ منْ أداءِ واجباته. والحلُ القانونيُ المتوازنُ لا يكونُ بالمنعِ المطلق، بلْ بتنظيمِ الدراسةِ وفقَ معيارٍ موضوعيٍ هوَ مدى تأثيرها الفعليِ في أداءِ الوظيفة.
ومنْ ثم، فإنَ أيَ منعٍ شاملٍ لموظفي الدولةِ منْ الدراسةِ المسائيةِ ، يحتاجُ إلى سندٍ قانونيٍ واضحٍ وصريح، كما ينبغي أنْ يخضعَ لمبادئِ المشروعيةِ والمساواةِ والتناسب، وألا يتحولَ التعميمُ الإداريُ إلى وسيلةٍ لإنشاءِ قيودٍ جديدةٍ لمْ ينصْ عليها القانون، وفي حالِ تجاوزِ القرارِ أوْ التعميمِ حدود السندِ القانوني، يبقى للمتضررِ حقُ اللجوءِ إلى القضاءِ المختصِ للطعنِ في مشروعيته.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال الأبعاد القانونية والدستورية لقرار منع موظفي الدولة وأصحاب الدرجات الخاصة من الالتحاق بالدراسة المسائية، من خلال قراءة تستند إلى الدستور العراقي ومبادئ المشروعية والتناسب. ويعرض الكاتب اتجاهين قانونيين متباينين بشأن تفسير النصوص النافذة، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين حق الموظف في مواصلة التعليم وبين الآثار الوظيفية المترتبة على الشهادة العلمية. ويخلص المقال إلى أن تنظيم الدراسة أمر مشروع، لكن المنع الشامل يحتاج إلى سند قانوني صريح، ويبقى خاضعًا لرقابة القضاء والدستور حفاظًا على حق التعليم ومتطلبات الوظيفة العامة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!