في الأنظمة الديمقراطية، مُنح عضو مجلس النواب حصانةً برلمانية ليتمكن من ممارسة دوره الرقابي بحرية، لا ليجعل من قاعة البرلمان منصة لإصدار الأحكام أو المساس بسمعة الأشخاص. فالرقابة حق دستوري، لكن هذا الحق يقترن دائماً بمسؤولية قانونية وأخلاقية تفرض أن يكون الاتهام مبنياً على أدلة، وأن تُحترم قرينة البراءة.
إن الاتهامات التي وجهها أحد أعضاء مجلس النواب إلى محافظ البصرة، والتي امتدت لتشمل زوجته، تفتح نقاشاً يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة الخطاب السياسي وحدود استخدام المنبر البرلماني.
فإذا كانت لدى النائب وثائق وأدلة تثبت وجود الفساد، فإن واجبه أن يضعها أمام القضاء وهيئات النزاهة والرقابة، وأن يسعى إلى محاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان منصبه. أما إذا بقيت الاتهامات في إطار الخطاب السياسي والإعلامي دون أن تتحول إلى ملفات قضائية مدعومة بالأدلة، فإنها تثير إشكاليات تمس سمعة الأفراد وثقة المواطنين بالمؤسسات.
والأكثر حساسية في هذه القضية هو إدخال أفراد العائلة في دائرة الاتهام. فالأصل في القانون أن المسؤولية شخصية، ولا يجوز أن تمتد إلى الزوجة أو الأبناء أو الأقارب لمجرد صلتهم العائلية بمسؤول يشغل منصباً عاماً، ما لم تكن هناك وقائع محددة وأدلة قانونية تتعلق بهم شخصياً.
إن البرلمان ليس محكمة، والنائب ليس قاضياً. ودور المؤسسة التشريعية هو كشف مواطن الخلل وممارسة الرقابة، لا إصدار الإدانة أمام الرأي العام. فالفصل بين الاتهام والإدانة هو أحد أهم الضمانات التي تقوم عليها دولة القانون.
وفي المقابل، فإن أي مسؤول يتعرض لاتهامات علنية لا ينبغي أن يكتفي برفضها سياسياً، بل أن يطالب بالتحقيق القضائي الكامل، لأن التحقيق وحده هو الكفيل بكشف الحقيقة، سواء انتهى إلى الإدانة أو البراءة.
إن مكافحة الفساد لا تتحقق بتبادل الاتهامات تحت قبة البرلمان، وإنما بتحويل الأدلة إلى القضاء، وترك الكلمة الأخيرة للمؤسسات المختصة. فحين يصبح القانون هو الفيصل، يكسب الجميع: الدولة، والمجتمع، وحتى الضحايا، سواء كانوا متهمين أبرياء أو مسؤولين تثبت إدانتهم.
ويبقى السؤال الأهم: هل نريد برلماناً يصنع عناوين إعلامية، أم برلماناً يصنع ملفات قانونية تنتهي بأحكام قضائية؟ إن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الضجيج والعدالة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يضع النص فاصلاً ضرورياً بين ممارسة الرقابة البرلمانية وإصدار الأحكام بحق الأشخاص، مؤكداً أن الحصانة وُجدت لحماية أداء النائب لا لتحويل المنبر النيابي إلى ساحة للتشهير. كما يلفت إلى خطورة زجّ أفراد العائلة في الاتهامات من دون أدلة، فالمسؤولية في القانون شخصية. وتبقى الطريق الصحيحة لمكافحة الفساد هي تحويل الوثائق إلى القضاء، لأن العدالة تُبنى بالملفات والتحقيقات لا بالضجيج الإعلامي.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!