هناك من يتعامل مع المنصب منذ اللحظة الأولى التي يتسلمه فيها وكأنه ملكية شخصية، فيتمسك بالكرسي بكل ما يملك من وسائل، وينسى أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن المسؤولية التي تأتي معه أكبر من الامتيازات التي قد يوفرها. ومع الوقت يتحول الحفاظ على الموقع عند هؤلاء إلى هدف بحد ذاته، فتتراجع قيمة العمل العام أمام هاجس البقاء، ويصبح السؤال الذي يشغلهم ليس ماذا يمكن أن يقدموا، بل كيف يمكن أن يضمنوا استمرارهم.
ولأن بقاء المسؤول في موقعه يصبح بالنسبة إليه مسألة شخصية، فإنه يبدأ بالنظر إلى كل من يمتلك الكفاءة أو النزاهة أو الحضور والمقبولية بوصفه منافساً محتملاً. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، إذ بدلاً من أن يبحث المسؤول عن الأشخاص القادرين على تطوير العمل ويمنحهم مساحة للتقدم، يسعى إلى إبعادهم أو تحجيم أدوارهم، خصوصاً أولئك الذين يتمتعون بالاستقلالية ولا يقبلون أن تتحول وظيفتهم إلى مجرد تأييد دائم للمسؤول.
المسؤول الواثق من نفسه لا يخشى الكفاءة، بل يبحث عنها، ولا يخشى الشخص النزيه، بل يعتبره ضمانة للعمل، ولا ينزعج من صاحب الرأي المختلف، لأن الاختلاف يمكن أن يصحح القرار ويمنع الخطأ. أما المسؤول الذي يرى في كل كفوء تهديداً لموقعه، فإنه يبدأ تدريجياً بتشكيل دائرة ضيقة من الأشخاص الذين لا ينافسونه ولا يعترضون على قراراته، حتى يصبح القرب منه معياراً للتقدم، لا القدرة على الإنجاز.
وعندما تسود هذه الثقافة داخل المؤسسة، يدفع الجميع الثمن. إذ إن الكفاءات تتراجع أو تغادر، وأصحاب الخبرة يفقدون الحافز، والنزيه يجد نفسه في مواجهة بيئة لا تكافئ الاستقلالية، بينما يجد المتملق طريقه أسهل إلى مواقع التأثير. ومع كل شخص كفوء يجري إبعاده، تخسر المؤسسة جزءا من قدرتها على التطور، ومع كل شخص يصل إلى موقعه بسبب الولاء الشخصي، تتراجع معايير العمل أكثر.
الأخطر أن بعض المسؤولين لا يكتفون بإقصاء من يختلف معهم، بل يحاولون إعادة تعريف النجاح داخل المؤسسة بما يتناسب مع بقائهم. يصبح الموظف الجيد هو من لا يعترض، والمخلص هو من يدافع عن المسؤول، والكفاءة هي القدرة على تنفيذ رغباته، فيما ينظر إلى الاستقلالية والنقد والمساءلة وكأنها خصومة شخصية. وبذلك تتحول المؤسسة من مكان يفترض أن تحكمه القواعد والمعايير إلى مساحة تحكمها العلاقات والولاءات.
المشكلة هنا ليست شخصية فقط، لأن آثارها لا تتوقف عند المسؤول ومن يحيط به، بل تمتد إلى المؤسسة والمجتمع الذي يفترض أن تخدمه. إذ حين يصبح بقاء شخص في المنصب أهم من مصلحة المؤسسة، تصبح القرارات محكومة بالحسابات الشخصية، وتضيق مساحة المنافسة المهنية، وتتراجع فرص أصحاب الكفاءة، ويصبح الوصول إلى المواقع مرتبطاً بمن يرضي المسؤول أكثر ممن يستطيع أن يؤدي المهمة بصورة أفضل.
المنصب بطبيعته مؤقت، مهما طال البقاء فيه. والمسؤول الذي يتصرف وكأنه سيبقى في موقعه إلى الأبد ينسى أن الكرسي الذي يتمسك به اليوم جلس عليه آخرون قبله، وسيجلس عليه آخرون بعده. لذلك فإن قيمة المسؤول لا تقاس بمدة بقائه، ولا بعدد الأشخاص الذين استطاع إبعادهم عن طريقه، وإنما بما تركه من أثر، وبمدى نجاحه في بناء مؤسسة تستطيع أن تعمل بكفاءة حتى بعد مغادرته.
المسؤول الناجح لا يحتاج إلى إقصاء الكفاءات كي يثبت نفسه، لأن إنجازاته هي التي تمنحه قيمته، ولا يحتاج إلى إحاطة نفسه بالموالين، لأن ثقته بعمله تجعله قادراً على الاستماع إلى المختلفين عنه. أما الذي يخشى من وجود شخص كفوء ونزيه ومستقل إلى جواره، فهو في الحقيقة لا يحمي المؤسسة، بل يحاول حماية شعوره بالأمان داخل المنصب.
وفي النهاية، لا أحد يبقى في الكرسي إلى الأبد، وما يبقى هو الأثر. قد ينجح المسؤول في إبعاد منافسيه والحفاظ على موقعه لبعض الوقت، لكنه لن يستطيع إلغاء الحقيقة الأهم: أن المنصب لا يمنح صاحبه قيمة دائمة، وأن الكفاءة التي أقصاها ستبقى كفاءة، وأن النزاهة التي حاصرها ستبقى قيمة، بينما يبقى الحكم الحقيقي على المسؤول فيما إذا كان قد غادر موقعه تاركاً مؤسسة أقوى مما تسلمها، أم ترك وراءه مؤسسة أضعف، وأكثر اعتماداً على الأشخاص والولاءات.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!