كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المحاماة. . . رسالةُ عدالةِ لا مهنةَ مالٍ

  منذُ الإعلانِ عنْ مسودةِ تعديلِ قانونِ المحاماةِ المقدمِ إلى مجلس النوابِ العراقي، توالتْ الآراءُ والاجتهاداتُ والمقترحاتُ منْ السادةِ المحامين، أوْ منْ خارجهم، وكلها تصبُ – منْ وجهةِ نظرِ أصحابها – في خدمةِ المهنةِ وتنظيمها، فمنهمْ منْ دعا إلى تشديدِ شروطِ الانتماءِ إلى النقابة، ومنهمْ منْ طالبَ بإلغاءِ أوْ تقييدِ استمرارِ المحامينَ المتقاعدينَ في ممارسةِ المهنة، بينما رأى آخرونَ أنَ بقاءَ أصحابِ الخبرةِ يمثلُ قيمةً مضافةً للمحاماةِ والقضاءِ معا.
   إنَ المحاماةَ ليستْ مجردَ مهنة، وإنما رسالة إنسانية قبلَ أنْ تكونَ وسيلة للكسب، فإنَ مناقشةَ أيِ تعديلٍ تشريعيٍ ينبغي أنْ تنطلقَ منْ فلسفةِ العدالة، لا منْ زاويةِ المنافسةِ الاقتصاديةِ وحدها، لا شكَ أنَ الظروفَ الاقتصاديةَ الصعبةَ التي يعيشها كثيرٌ منْ المحامينَ وخاصةً الشبابَ منهم، تدفعهمْ إلى المطالبةِ بتقليلِ أعدادِ المنافسين، وخاصةً منْ المتقاعدينَ الذينَ سبقَ أنْ شغلوا مناصبَ في القضاءِ أوْ الادعاءِ العامِ أوْ أجهزةْ الدولة، لما يملكونهُ منْ خبرةٍ وعلاقاتٍ اجتماعيةٍ ومهنيةٍ قدْ تسهمُ في استقطابِ الموكلين.
      إنَ هذهِ المطالبَ يمكنُ تفهمُ دوافعها، فهيَ نابعة منْ واقعٍ معيشيٍ ضاغط، لا منْ موقفٍ شخصيٍ تجاهَ أحد، وفي المقابل، هناكَ منْ يرى أنَ الحقوقيَ المتقاعد، لا يفقدُ علمه، ولا خبرته بإحالتهِ على التقاعد، بلْ ربما تكونُ سنواتِ الخدمةِ الطويلة، قدْ صقلتْ معرفته بالقانونِ وإجراءات التقاضي، فأصبحَ أكثر قدرةٍ على إعدادِ اللوائحِ القانونيةِ الرصينة، وإسناد القضاءِ بالاجتهاداتِ والدفوعِ التي تعينُ على الوصولِ إلى الحكمِ العادل. يمثلُ هذا الرأي يجدُ لهُ سندا في العديدِ منْ التشريعاتِ المقارنة؛ فالأصلُ في ممارسةِ المحاماةِ في كثيرٍ منْ الدولِ هوَ توافرُ المؤهلِ القانونيِ والاستقلالِ عنْ الوظيفةِ العامةِ أثناءَ مزاولةِ المهنة، لا مجردَ بلوغِ سنِ التقاعد.
      ففي مصر، يجيزُ قانون المحاماةِ للقاضي أوْ عضوِ النيابةِ العامةِ أوْ المستشارِ القانوني، بعدَ انتهاءِ خدمته، القيد في جدولِ المحامينَ متى استوفى الشروطَ القانونية، معَ مراعاةِ بعضِ القيودِ المتعلقةِ بالترافعِ أمامَ الجهاتِ التي كانَ يعملُ لديها خلالَ مدةٍ محددةٍ منعا لتعارضِ المصالح، وفي الأردن، يسمحُ قانونُ نقابةِ المحامينَ النظاميينَ للقضاةِ وأعضاءِ النيابةِ العامةِ بعدَ إحالتهمْ على التقاعدِ بالانتسابِ إلى النقابةِ وفقَ ضوابطَ قانونية، معَ فرضِ قيودٍ زمنيةٍ في بعضِ الحالاتِ حماية لنزاهةِ العملِ القضائي.
   أما في فرنسا، فإنَ القضاةَ وأعضاءَ النيابةِ العامةَ يستطيعونَ ممارسةَ المحاماةِ بعدَ تركِ الخدمة، إلا أنَ التشريعاتِ والأعرافَ المهنيةَ تفرضُ عليهمْ قيودا تتعلقُ بعدمِ استغلالِ النفوذِ السابقِ أوْ المرافعةُ في القضايا التي كانتْ لهمْ صلةً مباشرةً بها، حفاظا على استقلالِ القضاءِ وثقةِ المجتمع، وفي المملكةِ المتحدة، لا يوجدُ حظر عامّ يمنعُ القضاة أوْ كبار القانونيينَ المتقاعدينَ منْ العودةِ إلى العملِ القانونيِ متى التزموا بقواعدِ السلوكِ المهني، وتجنبوا حالاتِ تعارضِ المصالح.
     منْ هنا يتضح، أنَ أغلبَ التشريعاتِ الموازنة، لمْ تجعلْ التقاعد سببا مانعا منْ ممارسةِ المحاماة، وإنما ركزتْ على ضمانِ النزاهة، ومنعِ استغلالِ الوظيفةِ السابقة، وتحقيقِ تكافؤِ الفرصِ بينَ جميعِ العاملينَ في المهنة.
     إنَ الحلَ لا يكمن بإقصاءِ فئةٍ لمصلحةٍ أخرى، وإنما بوضعِ تنظيمٍ مهنيٍ متوازنٍ يحققُ العدالةَ للجميع؛ كفرضِ مددٍ زمنيةٍ معينةٍ قبلَ المرافعةِ أمامَ الجهاتِ التي كانَ يعملُ فيها المتقاعد، أوْ تنظيمُ بعضِ مجالاتِ العملِ التي قدْ تثيرُ شبهةْ تعارضِ المصالح، معَ المحافظةِ على حقِ الإنسانِ في العملِ والكسبِ المشروع. 
    إنَّ تقنينَ مهنةِ المحاماةِ والارتقاءَ بمستواها يتطلبانِ، اعتمادَ معاييرَ أكثرَ دقةً في اختيارِ الطلبةِ المقبولينَ في كلياتِ القانون، وهو ما يستدعي توجّهَ وزارةِ التعليمِ العالي والبحثِ العلميِ إلى إعادةِ النظرِ في معدلاتِ القبولِ، بحيث تكونُ أقلَّ قليلاً من معدلاتِ القبولِ في الكلياتِ الحكوميةِ الأخرى، مع الحفاظِ على مستوىً علميٍّ يضمنُ اختيارَ الطلبةِ الأكثرَ قدرةً واستعداداً لدراسةِ القانون، بما يسهمُ في تخريجِ جيلٍ مؤهلٍ من ( القضاءِ الواقف) يمتلكُ العلمَ والخبرةَ والكفاءةَ المهنيةَ، ويكونُ قادراً على أداءِ رسالتهِ في الدفاعِ عن الحقوقِ والحرياتِ، ورفعِ الظلمِ عن المظلومين، ومساعدةِ الفقراءَ والمحتاجينَ على استردادِ حقوقِهم، بما يعيدُ إلى مهنةِ المحاماةِ مكانتَها بوصفِها رسالةً ساميةً قبلَ أن تكونَ مهنةً لتحقيقِ الكسبِ المادي.
     لقدْ أقر القرآنُ الكريمُ، أنَ الرزقَ بيدِ اللهِ سبحانهُ وتعالى، فقالَ عزَ وجل: ( وما من دابةٍ في الأرضِ إلا على اللهِ رزقها) هود: 6. وقوله تعالى: (وفي السماءِ رزقكمْ وما توعدون) الذاريات: 22، فالإنسانُ يسعى، والله، هوَ الرازق، ولا ينبغي أنْ تتحولَ المنافسةُ المهنيةُ إلى خصومةٍ شخصيةٍ أوْ سبب لحرمانِ أحدٍ منْ حقٍ أباحهُ القانون. لعلَ منْ أعظمِ مقاصدِ المحاماةِ رفع الظلمِ عنْ الناس، وتحقيقِ العدالةِ بينهم، وهوَ مقصدٌ قرآنيٌ أصيل، وقالَ تعالى: (إنَ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسان) النحل: 90، وقوله سبحانه وتعالى :    (يا أيها الذينَ آمنوا كونوا قوامينَ بالقسطِ شهداء لله) المائدة: 8، وقالَ عزَ وجل: (لقدْ أرسلنا رسلنا بالبيناتِ … ليقومَ الناسُ بالقسط) الحديد: 25.
   إنَ المحاميَ شريكٌ أساسيٌ في إقامةِ هذا القسط، لأنهُ اللسانُ الذي ينطقُ بالحق، والقلمِ الذي يصوغُ الحجج، والعقلَ الذي يهدي المحكمةَ إلى النصوصِ القانونيةِ والاجتهاداتِ القضائية، وكمْ منْ مظلومِ وقفٍ باكٍ أمامَ محاميه يستنجدُ بهِ لاستردادِ حقٍ اغتصبَ منه، وكمْ منْ أمٍ صعدتْ درجاتِ المحاكم، وهيَ تحملُ أطفالها بحثا عنْ نفقةٍ أوْ حضانةٍ أوْ إنصاف، وكمْ منْ أب أنهكتهُ العقوق، أوْ عامل سلبتْ حقوقه، أوْ متهم بريء ينتظرُ منْ يدافعُ عنهُ بالحجةِ والدليل.
    هنا تتجلى عظمةُ مهنة المحاماة، فالمحامي لا يبيعُ سلعة، وإنما يدافعُ عنْ الحرية، يحمي الكرامة، يعيدُ الحقوق إلى أصحابها، ويقفُ سدا منيعا أمامَ الظلمِ والتعسف، فالموكلُ لا يبحثُ عنْ أكثرِ المحامينَ شهرة فحسب، وإنما يبحثُ عنْ الأمانة، الصدق، العلم، الإخلاص، حسن التعامل، والشعورِ بأنَ قضيتهُ أصبحتْ قضيةَ محاميه، فالمحاماةُ ليستْ ميدانا، يقصى فيهِ الضعيف، وإنما ميدان يتسعُ لكلِ مجتهد، وتبقى الكلمةُ الأخيرةُ للكفاءةِ والنزاهةِ وحسنِ الأداء.
     إنَ الشبابَ همْ مستقبلُ المهنة، ويستحقونَ كلَ دعمٍ ورعاية، كما أنَ أصحابَ الخبرةِ يمثلونَ ذاكرةً قانونيةً لا ينبغي التفريطُ بها، والجمع بينَ حيويةِ الشبابِ وحكمةْ الخبرةِ هوَ الطريقُ الأمثلُ لتطويرِ المحاماة، لا إلغاءَ أحدِ الطرفين، لذلك، فإنَ أيَ تعديلٍ لقانونِ المحاماة، ينبغي أنْ يحققَ ثلاثةَ أهدافٍ متوازنة: حمايةُ المهنة، دعمُ المحامينَ الشباب، الاستفادةَ منْ خبراتِ المتقاعدين، معَ وضعِ الضوابطِ الكفيلةِ بمنعِ تعارضِ المصالحِ وترسيخِ مبدأِ تكافؤِ الفرص.
     لقد بذلت نقابة المحامين جهوداً كبيرة ومقدّرة في سبيل الارتقاء بمهنة المحاماة وتعزيز مكانتها، والعمل على تحسين أوضاع المحامين مهنياً واجتماعياً واقتصادياً، فقد أسهمت في السعي إلى زيادة أتعاب المحامين المنتدبين بما يتناسب مع طبيعة رسالتهم المهنية، ومحاسبة من يسيء إلى المهنة أو ينتقص من مكانتها، فضلاً عن العمل على تحسين رواتبهم التقاعدية، و السعي الى توفير قطع الأراضي السكنية، وتحقيق مزايا وإعفاءات صحية،  واستحصال تخفيضات ومزايا مختلفة للمحامين، كما عملت على توسيع نطاق الجهات والشركات المعتمدة التي تقدم خدماتها للمحامين، سواء أكانت عربية أم أجنبية، بما يحقق لهم مزيداً من المنافع والتسهيلات، وهي جهود تُذكر للنقابة بكل تقدير وإشادة، لما تمثله من حرص على حماية حقوق المحامين، وتحسين أوضاعهم، والارتقاء بمهنة المحاماة بما يليق بمكانتها ورسالتها السامية في إقامة العدل ونصرة الحقوق.
       تبقى المحاماة، أشرف منْ أنْ تختزلَ في منافسةٍ على الرزق، لأنها رسالةٌ لإقامةِ العدل، ونصرةِ المظلوم، وصيانةِ الحقوق، فالتحيةُ لكلِ محامي حملٍ همْ الناسُ قبلَ همِ نفسه، ولكلِ قاضي جعلِ ضميرهِ ميزان حكمه، ولكلِ رجلِ قانونِ جعلِ العدالةِ غايته. ونسألُ الله تعالى أنْ يحفظَ القضاء شامخا مستقلا، وأنْ يوفقَ رجالَ القانونِ جميعا لخدمةٍ لإنسان، والوطن، وأنْ يجعلَ العدالة دائما فوقَ كلِ اعتبار. 
  ونختمُ مقالنا ببعضِ الأقوال، التي تجسدَ المعنى الأسمى لمهنةِ المحاماة، بوصفها رسالةً للحقِ والعدل، ووسيلةً للدفاعِ عنْ المظلومين، لا مجردَ مهنةٍ لتحقيقِ الكسبِ المادي.
      قالَ الإمامُ عليّ بن أبي طالبٍ (عليهِ السلامُ ) : (كونوا للظالمِ خصما، وللمظلومِ عونا ) ، وهيَ عبارةٌ تختصرُ جوهرَ الرسالةِ التي ينهضُ بها المحامي حينَ يقفُ إلى جانبٍ منْ سلبِ حقهِ أوْ عجزٍ عنْ إيصالِ صوته. 
     في هذا المعنى، يقولُ إبراهيمُ الهلباوي، أول نقيبٍ للمحامينَ في مصر: (إنَ أسمى مراتبِ المحاماة، وأعلى معانيها أنْ يقفَ المحامي إلى جانبِ مظلومٍ تحالفتْ عليهِ القوى، وأنْ يتحملَ معهُ شطرا مما يقاسيه)، 
   أنَ المحاماة، في جوهرها، ليستْ مجردَ مهنة، بلْ رسالةً تقومُ على نصرةِ الحقِ والدفاعِ عنْ المظلوم، وتستندُ إلى منظومةٍ منْ الأخلاقِ والأعرافِ والتقاليدِ التي تجعلُ منْ المحامي شريكا أساسيا في تحقيقِ العدالةِ ) .
   منْ هنا، فإنَ قيمةَ المحامي، لا تقاسُ بما يحققهُ منْ مكاسب، بلْ بما يقدمهُ منْ نصرةٍ للحق، وبما يمتلكهُ منْ شجاعةٍ في الوقوفِ إلى جانبِ المظلوم، واستقلال في أداءِ رسالته، ونزاهة في استعمالِ الكلمةِ والقانون. فالمحاماةُ الحقيقيةُ هيَ أنْ يكونَ المحامي صوتا لمنْ لا صوتَ له، وسندا لمنْ انكسر، وخصما للظلم، وشريكا في إقامةِ العدل؛ ولذلكَ تبقى هذهِ المهنة، في أسمى معانيها، رسالة إنسانية قبلَ أنْ تكونَ وظيفة أوْ وسيلة للكسب.

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال مسودة تعديل قانون المحاماة من زاوية تسعى إلى الموازنة بين دعم المحامين الشباب والاستفادة من الخبرة المتراكمة لدى المتقاعدين. ويرى أن المشكلة لا تُعالج بإقصاء فئة لمصلحة أخرى، بل بوضع ضوابط تمنع تعارض المصالح واستغلال النفوذ السابق وتكفل تكافؤ الفرص. فالمحاماة، في جوهرها، رسالة لنصرة المظلوم وصيانة الحقوق، وتنهض بتكامل حيوية الشباب مع حكمة أصحاب الخبرة.

مجلس القضاء الاعلى.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!