يذهب بعض الكُتّاب إلى أن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) أضعفت الدولة الإسلامية في وقتٍ كانت تواجه فيه تحديات خارجية، وأدت إلى انشغال المسلمين بالصراعات الداخلية، مما أتاح الفرصة للأعداء لاستغلال حالة الانقسام. ويستنتجون من ذلك أن المصلحة كانت تقتضي السكوت عن ظلم يزيد حفاظًا على قوة الدولة ووحدة المسلمين.
وتستند هذه الشبهة إلى الخلط بين الدولة الإسلامية بوصفها كيانًا يقوم على العدل والشريعة، وبين السلطة السياسية التي قد تنحرف عن مبادئ الإسلام. فليس كل نظام يرفع شعار الإسلام يُمثل الإسلام حقيقةً، وليس كل معارضةٍ للسلطة تُعد إضعافًا للدولة.
إن أول ما ينبغي بيانه أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج لإسقاط الدولة الإسلامية، وإنما خرج لإنقاذها من الانحراف الذي أصاب قيادتها. فالفرق كبير بين معارضة النظام الإسلامي، ومعارضة السلطة التي تُفرغ الإسلام من مضمونه.
ولهذا أعلن الإمام هدف نهضته بوضوح فقال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.) (١)
فالإمام لم يتحدث عن إسقاط الدولة أو تقسيم الأمة، وإنما عن الإصلاح، والإصلاح لا يكون إلا عندما يوجد فساد يحتاج إلى معالجة.
ومن الناحية العقلية، فإن قوة أي دولة لا تُقاس باتساع سلطانها أو كثرة جيوشها فقط، وإنما تُقاس بعدالة نظامها وثقة الناس بقيادتها. فالدولة التي تقوم على الظلم قد تبدو قويةً في ظاهرها، لكنها تحمل عوامل انهيارها في داخلها.
ولهذا فإن السكوت عن الانحراف لا يحفظ الدولة، بل يُسرّع سقوطها؛ لأن الظلم يُنتج السخط، ويؤدي إلى تفكك المجتمع، وهو ما أثبته التاريخ في كثير من الحضارات.
ومن الناحية التاريخية، فإن مظاهر الضعف لم تبدأ مع نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل كانت موجودة قبلها نتيجة سياسة الحكم الأموي. فقد فرض معاوية ولاية العهد ليزيد بالقوة، وخالف بنود الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام)، وأجبر كبار الصحابة والوجهاء على البيعة، مما أحدث انقسامًا واسعًا داخل الأمة قبل واقعة كربلاء بسنوات٢.
إذن، فالانقسام لم يكن نتيجة نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل كان نتيجة السياسات التي سبقتها.
بل إن الأحداث التي وقعت بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) تؤكد أن المشكلة كانت في طبيعة السلطة نفسها، فقد وقعت واقعة الحرة سنة (٦٣هـ)، واستُبيحت المدينة المنورة، وقُتل عدد كبير من الصحابة والتابعين، ثم حوصرت مكة وضُربت الكعبة بالمنجنيق في عهد يزيد٣.
وهذه الجرائم وقعت بعد كربلاء، ولم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) موجودًا، مما يدل على أن مصدر الاضطراب كان نهج الحكم الأموي، لا الثورة الحسينية.
كما أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يدعُ إلى تمزيق الأمة، بل كان يدعو إلى تصحيح مسارها. ولذلك خاطب المسلمين بقوله:
«ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟» (٢)
فالقضية لم تكن صراعًا على النفوذ، وإنما دعوةً لإعادة الأمة إلى قيم الإسلام.
ومن الشواهد التاريخية المهمة أن كثيرًا من الثورات التي قامت بعد كربلاء لم تكن بسبب الإمام الحسين (عليه السلام)، بل بسبب الغضب الشعبي من جرائم السلطة الأموية. فقد قامت ثورة التوابين، ثم ثورة المختار، ثم توالت حركات المعارضة، وكلها كانت نتيجة فقدان الناس الثقة بالحكم الأموي بعد انكشاف ممارساته٤.
ولو كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد بايع يزيد وسكت عن الانحراف، لبقيت تلك الممارسات تُرتكب باسم الإسلام، ولظن الناس أن سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أقرها، وهو ما كان سيؤدي إلى ضياع القيم الإسلامية من داخلها.
إن الحفاظ على الدولة لا يكون بحماية الحاكم الظالم، وإنما بحماية المبادئ التي تقوم عليها الدولة. فإذا تعارض بقاء السلطة مع بقاء الدين، فإن الأولوية تكون لحفظ الدين، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه شرعية أي نظام.
ولهذا رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البيعة، وقال:
«ومثلي لا يبايع مثله.» (٣)
فهو لم يكن يرفض الدولة، وإنما كان يرفض منح الشرعية لسلطةٍ رآها منحرفة عن مبادئ الإسلام.
وعليه، فإن القول بأن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) أضعفت الدولة الإسلامية يتجاهل أن الدولة كانت قد بدأت تفقد مقوماتها الأخلاقية قبل كربلاء، وأن الإمام خرج ليمنع هذا الانهيار، لا ليصنعه. وقد أثبت التاريخ أن النهضة الحسينية حفظت هوية الإسلام، وكشفت الفرق بين الدولة التي تُقام على العدل، والسلطة التي تتخذ الدين وسيلةً لتحقيق مصالحها السياسية.
الهوامش
١. المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
٢. البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١١٨-١٤٦.
٣. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص١١٨-١٢٨.
٤. مروج الذهب، المسعودي ، ج٣، ص٨٥-٩٢.
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش القسم الحادي عشر شبهةَ تحميل النهضة الحسينية مسؤولية إضعاف الدولة الإسلامية، موضحًا أن هذه الرؤية تخلط بين حماية الدولة وبين حماية السلطة المنحرفة. ويؤكد النص أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج لتقسيم الأمة، بل لإصلاح مسارها ومنع تحويل الظلم إلى حكمٍ مشروع باسم الإسلام. كما يستند إلى وقائع تاريخية تُظهر أن الانقسام سبق واقعة كربلاء، وأن سياسات الحكم الأموي كانت المصدر الحقيقي للاضطراب. وبذلك غدت النهضة الحسينية عاملًا في حفظ هوية الإسلام وقيمه، لا سببًا في إضعافه.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!