يُثير بعض المشككين شبهةً مفادها أن الإمام الحسين (عليه السلام) لو كان يمتلك نصوصًا نبوية صريحة تثبت منزلته وإمامته، فلماذا لم يحتج بها أمام جيش عمر بن سعد؟ ولماذا لم يستشهد بالأحاديث التي يرويها أتباعه اليوم، مثل حديث: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)؟ ويستنتجون من ذلك أن هذه النصوص لم تكن معروفة في ذلك العصر، أو أنها وُضعت في عصور لاحقة.
وتقوم هذه الشبهة على مقدمتين غير صحيحتين: الأولى أن الإمام لم يحتج بنصوص النبي (صلى الله عليه وآله)، والثانية أن الاحتجاج لا يكون صحيحًا إلا إذا أدى إلى اقتناع الخصم، بينما تثبت المصادر التاريخية خلاف ذلك.
إن أول ما ينبغي بيانه أن الإمام الحسين (عليه السلام) احتج مرارًا بمكانته التي جعلها له رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذكّر القوم بالنصوص النبوية التي يعرفونها، لكنه كان يخاطب قومًا لم تكن مشكلتهم الجهل بالدليل، بل الإصرار على اتباع السلطة.
فقد قال لهم يوم عاشوراء:
(أنشدكم الله، هل تعلمون أني ابن بنت نبيكم، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري؟) (١)
وقال أيضًا:
(أما تعلمون أن رسول الله قال لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟) (٢)
ولم يُنكر أحدٌ من القوم صدق كلامه، بل سكتوا؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة هذه الأحاديث.
ثم إن الاحتجاج بالدليل لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر سيستجيب له. فقد احتج الأنبياء بالمعجزات والآيات، ومع ذلك كذبهم أقوامهم، لأن المشكلة لم تكن في الدليل، وإنما في العناد والمصالح السياسية.
ولهذا قال الإمام الحسين (عليه السلام):
(إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم.) (٣)
فالإمام هنا لم يناقشهم في أصل الأدلة، بل خاطب ضمائرهم الإنسانية بعدما رأى أنهم تجاوزوا مرحلة الاحتجاج العلمي.
أما حديث (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، فهو من النصوص التي رواها عدد من علماء المسلمين، وقد استدل به علماء الإمامية في بيان استمرار الإمامة في الحسن والحسين (عليهما السلام)، سواء اختار أحدهما الصلح أو اختار الآخر الثورة٤.
غير أن الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء لم يكن بصدد عقد مناظرة كلامية حول الإمامة، وإنما كان يخاطب جمهورًا يعرف منزلته، لكنه خضع للترهيب والطمع والدعاية الأموية.
ولهذا ركز في احتجاجه على الأمور التي لا يستطيع أحد إنكارها، فقال:
(ألست ابن بنت نبيكم؟... أليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟... أليس جعفر الطيار عمي؟) (٥)
إن هذه الحجج كانت كافية لإقامة الحجة على القوم؛ لأنها حقائق متفق عليها بين المسلمين.
ومن الشواهد التاريخية أن الإمام لم يقتصر على بيان نسبه، بل ذكّرهم أيضًا بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه، فقال:
(سمعتُم رسول الله يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.) (٦)
وهذا يدل على أن الإمام كان يحتج فعلًا بالأحاديث النبوية، خلافًا لما تدعيه الشبهة.
كما أن كثيرًا من أفراد جيش عمر بن سعد لم يكونوا يجهلون فضل الإمام، وإنما حالت بينهم وبين اتباعه المصالح الدنيوية أو الخوف من بطش السلطة. وقد اعترف الحر بن يزيد الرياحي بذلك عندما تاب والتحق بالإمام، معلنًا أنه اختار الآخرة على الدنيا٧.
ولو كانت المشكلة نقص الأدلة، لما غيّر الحر موقفه، وإنما الذي تغير هو موقفه النفسي والأخلاقي.
إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن معركةً لإثبات فضله، ففضله كان معلومًا عند الأمة، وإنما كانت معركةً لإحياء الضمير الإسلامي في مواجهة سلطةٍ أرادت توظيف الدين لتبرير حكمها. وعليه، فإن الادعاء بأن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يحتج بالنصوص النبوية غير صحيح؛ فقد احتج بها في أكثر من موضع، لكن القوم لم يكونوا يفتقرون إلى الدليل، بل كانوا يفتقرون إلى الإرادة في اتباعه. ولذلك لم يكن سبب المأساة غياب الحجة، وإنما الإصرار على مخالفتها، وهو ما جعل كربلاء شاهدًا على أن المشكلة قد تكون في الإنسان، لا في وضوح الحق.
الهوامش
١. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩٨.
٢. المصدر نفسه ، ج٢ ، ص٩٩.
٣. الخوارزمي، مقتل الحسين، ج٢، ص٣٧؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٥، ص٥١.
٤. الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج٢، ص ٢١٢.
٥. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩٨-٩٩.
٦. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٢٥.
٧. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص٦٨-٦٩.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!