قديما" في ستينات وسبعينات القرن الماضي كان هنالك مسلسل بغدادي رائع وشهير ما زالت احداثه وقفشاته ماثلة امام الذاكرة الشعبية العراقية وهو مسلسل (تحت موس الحلاق). ويبدو فيما يبدو ان السيد محيميد في غفلة من غفلات الزمان اصبح مثل (حجي راضي) عندما شرب دواء الاسهال وتبين فيما بعد ان صبيه (عبوسي) بدله بشراب (روحي) وقد ارتشفه الحجي بسرعة ولذة لكي يقضي على حالة الاسهال البطني عنده والتي انتهت بالفعل ولكن عند اسهاله العقلي والفكري، ومن نشوة المشروب اضاع حجينا اتزانه وهيبته وبوصلته، وهو ما حدث لمحيميد عندما اصبح عضوا" برلمانيا" فقد اضاع اتزانه نتيجة نشوته البرلمانية، كان محيميد رجلا" بسيطا"، لايعرف من السياسة الا انها تكتب بحرف السين ، ولا من الدستور الا انه كتاب سميك يصلح ان يكون وسادة في قيلولة الصيف، لم يقرا قانونا"، ولم يناقش مشروعا"، ولم يحمل يوما" هم وطن، لكنه كان يحمل حلما" اكبر من كل الاحلام، ان يصبح نائبا" في البرلمان. لم يكن يسأل كيف اخدم الناس ؟ بل كان يسأل كم يبلغ الراتب وكم سيارة ترافقني وكم حارسا" يقف امام بيتي وهل جواز السفر الدبلوماسي يختصرطوابير المطارات؟
كان محيميد يعتقد ان الديمقراطية ليست تداولا" للسلطة بل هي تداول للامتيازات وان صندوق الاقتراع ليس صندوقا" للارادة الشعبية وانما صندوق كنوز يكفي ان تضع فيه اسمك لتخرج منه محاطا" بالمخصصات. دخل البرلمان وما ان جلس على المقعد الوثير حتى تغيرت ملامحه، صار يتحدث بلغة لا يفهمها هو نفسه. يرفع يده مع الجميع ويخفضها مع الجميع وكأنه يعمل بجهاز تحكم عن بعد، اما المواطن الذي انتخبه فقد بقى ينتظر الماء والكهرباء والوظيفة والدواء، بينما كان محيميد مشغولا" بحساب عدد الامتيازات التي حصل عليها منذ اول جلسة، وفي كل مرة يسأل عن انجازاته يبتسم بثقة ويقول (لقد حضرت معظم الجلسات.... الا انني لم احضرها) الغريب ان محيميد لم يكن استثناء في الحكاية وانما كان رمزا" يتكرر كل موسم انتخابي يتبدل الاسم ويتغير الوجه، لكن الحكاية تبقى هي الحكاية وكأن بعض المقاعد البرلمانية تمتلك قدرة سحرية على تحويل البسطاء الى سادة والوعود الى دخان والخدمة العامة الى مشروع استثماري.
وهكذا اصبح محيميد خبيرا" في كل شي في الاقتصاد وهو لا يفرق بين الموازنة والميزان وفي القانون وهو يظن ان المادة الدستورية نوع من مواد البناء، وفي السياسة وهو يعتقد ان المعارضة تعني الجلوس في الجهة الاخرى من قاعة البرلمان. ومع ذلك ظل يردد في كل خطاب او لقاء تلفزيوني (انا خادم الشعب) اما الشعب فكان يبحث عنه فلا يجده الا في موسم الانتخابات حيث يعود محيميد بوجه متواضع خانع، ومصافحة دافئة ووعود اكبر من الوطن نفسه.
ليس عيبا" ان يحظى عضو مجلس النواب بما يعينه على اداء واجباته فالمناصب العامة في جميع دول العالم تقترن بامتيازات تضمن استقلالية القرار وتوفر مستلزمات العمل لكن العيب كل العيب ان تتحول تلك الامتيازات الى غاية بحد ذاتها، وأن يصبح الطريق الى البرلمان طريقا" نحو الرفاه الشخصي عوضا" ان يكون طريقا" الى خدمة الوطن والمواطن. فالبرلمان في جوهره ليس مؤسسة لتوزيع الامتيازات وانما هو ضمير الامة وعينها الساهرة على حماية مصالح الشعب.
تعتبر الرواتب والمخصصات والامتيازات في البرلمان العراقي هي الاعلى عالميا" من جميع الدول الاخرى الديمقراطية اوالدكتاتورية وحتى الدول الهامشية من رواتب ومخصصات وحصانة برلمانية كبيرة وجواز سفر دبلوماسي والحماية الشخصية وكذلك السكن والايفادات الرسمية والحقوق التقاعدية والتي تكون لخدمة اربع سنوات (رواتب ضخمة من دون وجه حق) ، اضافة الى قيام بعض النواب بممارسة الضغوط هنا او هناك للحصول على المزيد الصفقات التي يشوبها الفساد، وكل ذلك كان بحاجة الى شخص بهلوان يتقافز في كل مكان لذا اصبح محيميد من القافزين ويتناقل بافكاره من هذا التيار الى ذلك الحزب وتلك الكتلة، وكان ذكيا" حاد الذكاء في الحصول على الهبات والاموال والهدايا والمناصب التي يوزعها (حسب معارفه) في مؤسسات الدولة وفقا" لفائدته وحاجته الحالية والمستقبلية لذلك الشخص الساعي في تعينه بهذا المنصب. ابتعد محيميد عن عمله الاصلي وتراجعت في ذهنه الوعود التي اطلقها للناخبين حتى كادت تتلاشى، ابتعد عن واجباته الاساسية وهو تمثيل المواطنين والدفاع عن حقوقهم وانشغل ببناء شبكة من المصالح الشخصية حتى اصبح حضوره في دوائر النفوذ اكثر من حضوره بين ابناء دائرته الانتخابية، ولان الكرسي اغراه تحولت خدمة الناس الى شعار يرفع في موسم الانتخابات ثم يطوى مع اول جلسة تحت قبة البرلمان.
وهكذا اكتشف محيميد ان اقصر طريق الى الثراء ليس العثور على كنز مدفون، بل العثور على معقد برلماني وفير، اما الوطن فقد بقي واقفا" عند الباب ينتظر نائبا" شريفا" يرى في المنصب مسؤولية لا غنيمة .... وفي خدمة الناس شرفا" لا صفقة.وسيتذكر محيميد وغيره من النواب انه سيأتي يوم تطوى فيه ملفاتهم النيابية كما تطوى صفحات العمر فلا يبقى من الالقاب شيء ولا من الامتيازات اثر ولا من الحمايات والرواتب ذكر، عندها لن يسأل التأريخ : كم سيارة امتلك؟ ولا كم جوازا" دبلوماسيا" حمل؟ وانما سيسأل سوالا" واحدا"ماذا قدم لوطنه، فمن جعل البرلمان وسيلة لخدمة الناس بقي اسمه وساما" على صدر الوطن، ومن جعله جسرا" للثراء والمصالح فلن يحصد الا خيبة الذكر وسوء الاثر، لان الاوطان لا تنسى المخلصين الحقيقين ولا تغفر لمن باع ضميره بثمن بخس وهذه هي دورة الحياة الباقية ، وان غدا" ناظره لقريب.
✦ كتابات في الميزان ✦
يستخدم المقال شخصية «محيميد» الساخرة لتصوير نائبٍ دخل البرلمان بحثاً عن الامتيازات والوجاهة، لا لخدمة المواطنين أو تشريع القوانين. ومن خلال استحضار أجواء مسلسل «تحت موس الحلاق»، ينتقد النص تحوّل المقعد النيابي إلى طريق للثراء والنفوذ وتوزيع المناصب. ويؤكد أن المشكلة ليست في توفير مستلزمات عمل النائب، بل في جعلها غايةً تتقدم على مسؤولياته تجاه الشعب. وتبقى قيمة النائب بما يقدمه للعراق، لا بعدد الحمايات والسيارات والجوازات التي يحصل عليها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!