كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين نغسل أيدينا من المرفق !!

ليس أخطر على الأوطان أن يطول الفقر بل أن يطول معه الانتظار وليس أقسى على الشعوب من أن ترى الوجع يكبر بينما تتناقص أسباب الأمل .

سنوات طويلة والمواطن يطارد حقه في حياة كريمة فلا يجد إلا مزيدًا من العوز وتراجعًا في الخدمات وقرارات ضريبية ورسومًا لا تعرف طريقها إلا إلى أصحاب الدخل المحدود أما الذين أثقلوا البلاد بالمصالح والامتيازات فما زالوا يعبرون فوق الأزمات وكأنها لم تخلق إلا لغيرهم .

وفي الوقت الذي يضيق فيه رزق الناس تتسع مساحات النفوذ الحزبي حتى أصبحت مؤسسات الدولة ومقدراتها أقرب إلى إقطاعيات مغلقة تتقاسمها الإرادات السياسية وعندما تختلط السلطة بالمصلحة يصبح الوطن هو الخاسر الأول ويصبح المواطن آخر من يؤخذ رأيه وأول من يدفع الثمن .

أما الفساد فلم يعد يختبئ خلف الأبواب بل صار يسير في وضح النهار واثقًا من نفسه كأنه يعلم أن الحساب مؤجل إلى أجل غير معلوم تتغير الحكومات وتتعاقب الوعود وتبقى النتيجة واحدة لأن المشكلة ليست في الوجوه وحدها بل في منظومة اعتادت أن تعيش على حساب الوطن .

وكان الناس ينتظرون أن ترتفع أصوات الحكماء وأن يكون للمواقف المؤثرة حضور يخفف هذا الاحتقان ويعيد الثقة المفقودة لكن الأيام مضت والانتظار طال حتى تحول الصمت في نظر كثيرين إلى شريك في صناعة الخيبة وإن اختلفت التفسيرات وتعددت المواقف .

لهذا لم تعد عبارة نغسل أيدينا من المرفق مجرد مثل شعبي بل أصبحت صرخة تعب ويأس أطلقها من استنفد صبره وأرهقته الوعود وأدرك أن الكلمات التي لا تتحول إلى أفعال لا تبني وطنًا ولا تحفظ كرامة إنسان .

ثم اكتشفنا أن دموع اليتامى لم تكن في نظرهم سوى منجم مفتوح للثراء وأن أنين الأرامل لم يكن إلا سلماً يصعدون عليه نحو القصور وأن لقمة الجائع كانت الثمن الذي دُفع ليُصاغ الذهب وتُخاط منه الملابس الداخلية للساسة بينما بقيت أجساد الفقراء تسترها الخيبة وتدفئها الأكاذيب ويبتلع الوطن مرارة الصمت كل يوم .

سيبقى الوطن أكبر من الجميع وسيبقى الشعب هو صاحب المصلحة الحقيقية في نجاته لكن الأوطان لا تنقذها الخطب ولا الشعارات بل تنقذها العدالة وإرادة الإصلاح ومحاسبة الفاسد أيًا كان موقعه وما لم يتحقق ذلك فإن كل يوم يمر سيضيف إلى سجل الخسائر صفحة جديدة وإلى قلوب الناس وجعًا جديدًا .

العراق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!