إن يوسف زيدان في كتابه اللاهوت العربي قد فكك البنية اللاهوتية العربية في سياقها التاريخي ، فإن ما لم يكتب بعد هو أن هذه البنية نفسها تحولت في العصر الحديث إلى أداة سياسية تعيد إنتاج العنف ليس بوصفه ظاهرة دينية بل بوصفه تقنية حكم .
كتاب اللاهوت العربي وأصول العنف الديني يقدم أطروحة جذرية ، حيث أن العنف ليس ناتجاً عن الدين بل عن الخيال العربي حين يتعامل مع المقدس ، لكن ما لم يتطرق إليه زيدان مباشرة وما لم يكتبه أحد هو أن هذا الخيال نفسه انتقل من المجال الديني إلى المجال السياسي وأصبح جزءً من بنية السلطة العربية الحديثة ، بمعنى آخر أن العنف السياسي العربي اليوم هو إمتداد مباشر للاهوت العربي القديم لكن بملابس جديدة .
هنا يطرح السؤال نفسه كيف تحول المقدس إلى سلطة؟
اللاهوت العربي كما يشرحه زيدان يقوم على ثلاث ركائز وهي مركزية الحقيقة وثنائية الحق/الباطل واحتكار التأويل ، فمركزية الحقيقة تعني الاعتقاد بأن الحقيقة المطلقة والنهائية مصدرها إلهي ، أما ثنائية الحق/ الباطل ، أولاً الحق المطلق فهو يمثله الله (عز وجل) وصفاته وكلامه والسنن الكونية الثابتة التي لا تتغير هي ثابتة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان ، أما الباطل فهو الباطل الزائل وهو كل ما يخالف الشريعة أو الأوهام والشرور التي لا ثبات لها ولا استمرارية في نهاية المطاف ، أما مفهوم احتكار التأويل في الفكر الديني والفلسفي يعني ادعاء جهة معينة أو سلطة أو نخبة محددة حقها الحصري والوحيد في فهم النصوص المقدسة وشرحها واعتبار أي تفسير خارج عن هذه المؤسسة باطلاً أو خارجاً عن الدين ، هذه الركائز كانت في الماضي أدوات لفهم النصوص الدينية لكنها تحولت اليوم إلى أدوات سياسية ، فالدولة تحتكر الحقيقة الوطنية كما كان اللاهوت يحتكر الحقيقة الدينية والمعارضة تصنف كباطل أو خطر كما كان الكافر يصنف كتهديد والسلطة تحتكر تفسير الدستور والقانون كما كان اللاهوت يحتكر تفسير النص المقدس ، وهكذا يصبح اللاهوت العربي بنية سياسية لا مجرد تراث ديني .
وهنا تجدر الإشارة إلى ان العنف السياسي العربي هو استمرار للعنف الديني ولكن بلا دين ، فالعنف السياسي في العالم العربي اليوم لا يحتاج إلى نصوص دينية ليبرر نفسه فيكفي أن يستعير البنية اللاهوتية القديمة ، باليقين المطلق ( حالة العلم الجازم والإيمان التام الذي لا يخالطه شك ) ومركزية الذات ( حالة انغماس الفرد في عالمه الداخلي واعتقاده أن أفكاره ومشاعره واحتياجاته هي المحور الأساسي والأكثر أهمية ) ونفي الآخر وتقديس السلطة وشيطنة الخصم ، وهذه ليست سمات دينية بل سمات لاهوتية لغوية كما يصفها زيدان ، وحين تنتقل إلى السياسة تنتج تلقائياً قمعاً ، استبداداً ، خطاباً إقصائياً ، تبريراً للعنف وصناعة عدو داخلي دائم وهذا ما يجعل العنف السياسي العربي اليوم عنفاً لاهوتياً بملابس مدنية . إذن لماذا تتكرر الأنظمة العربية رغم اختلاف الأيديولوجيات؟
بكل بساطة ، لأنها جميعاً من قومية إلى اشتراكية إلى إسلامية تعمل داخل البنية اللاهوتية العربية نفسها حيث ان كل نظام يقدم نفسه بوصفه الحق ويرى معارضيه بوصفهم باطلاً ويحتكر تفسير النص يعني الدستور ، القانون ، التاريخ ، الهوية ويصنع جماعة نقية مقابل جماعة ملوثة ، هذه البنية ليست سياسية بل لاهوتية في جوهرها وهذا ما يجعل التغيير السياسي في العالم العربي صعباً لأن المشكلة ليست في الأنظمة بل في الخيال الذي يصنع الأنظمة.
وهنا يصبح اللاهوت العربي كأداة لإنتاج الخوف السياسي وهنا يربط يوسف زيدان العنف الديني بالخوف من الآخر ، لكن في السياسة العربية الخوف يصبح خوفاً من التغيير ، خوفاً من الحرية ، خوفاً من التعدد ، خوفاً من النقد وخوفاً من المستقبل ، هذا الخوف ليس سياسياً بل لاهوتياً ، فهو خوف من انهيار الذات المتفوقة التي صنعها اللاهوت العربي عبر قرون وهكذا يصبح العنف السياسي العربي اليوم عنفاً دفاعياً عن هوية متخيلة . فهل اللاهوت العربي هو المشكلة أم طريقة قراءتنا له؟
إذا كانت اللغة العربية كما يرى يوسف زيدان تنتج ثنائيات حادة فهل المشكلة في اللغة نفسها ؟ أم في الطريقة التي إستخدمها بها العرب عبر التاريخ؟ هذا سؤال لم يطرحه زيدان لكنه ضروري اليوم ربما اللاهوت العربي ليس قدراً بل اختياراً معرفياً تكرر عبر القرون ، وإذا كان اختياراً فهو قابل للتغيير .
ان العنف السياسي العربي المعاصر ليس ظاهرة جديدة بل استمرار لبنية لاهوتية قديمة أعادت إنتاج نفسها في السياسة وما لم يكتب وها هو يكتب الآن هو أن فهم هذه البنية هو شرط لفهم حاضرنا السياسي .
فاللاهوت العربي ليس كتاباً عن الماضي بل مفتاحاً لفهم حاضر مأزوم ومستقبل معلق .
✦ كتابات في الميزان ✦
يقرأ المقال كتاب «اللاهوت العربي» بوصفه مفتاحًا لفهم آليات العنف السياسي المعاصر، ويرى أن السلطة العربية استعارت من البنية اللاهوتية احتكار الحقيقة وإقصاء المخالف وتقديس الحاكم. ويلفت إلى أن اختلاف الشعارات القومية والاشتراكية والدينية لم يمنع تكرار الاستبداد، لأن المشكلة أعمق من شكل النظام وتمتد إلى طريقة التفكير التي تقسم العالم بين حق مطلق وباطل كامل. ويخلص إلى أن تجاوز العنف يبدأ بقبول التعدد وفتح باب التأويل والنقد، لا بمجرد استبدال سلطة بأخرى.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!