كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

كيف يمكن للعرب الخروج من البنية اللاهوتية؟

إن الخروج من البنية اللاهوتية لا يعني الخروج من الدين، بل الخروج من الخيال اللغوي والثقافي الذي يجعل الدين والسياسة والهوية تعمل بالطريقة نفسها: مركز واحد، وحقيقة واحدة، وجماعة واحدة، وزعيم واحد.

لقد فكّك يوسف زيدان، في كتابه «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني»، البنية الفكرية التي أسهمت في صناعة العنف الديني عبر التاريخ. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن للعرب التحرر من هذه البنية، لا نظريًا فحسب، بل عمليًا ومعرفيًا وثقافيًا وسياسيًا؟

أولًا: تفكيك احتكار الحق

تقوم البنية اللاهوتية العربية، كما يطرحها الكاتب، على تصور يرى أن هناك فهمًا واحدًا للحق، وكل ما عداه باطل. وحين تتحول هذه الرؤية إلى أداة لإقصاء الآخرين، فإنها تصبح من منابع العنف والطائفية وصناعة الزعيم.

وللخروج من هذه البنية، ينبغي التمييز بين الحق في ذاته والفهم البشري له؛ فالحق لا يصبح نسبيًا، لكن إدراك الإنسان له يظل قابلًا للمراجعة والنقد. كما ينبغي قبول تعدد القراءات والتأويلات، وتدريب العقل العربي على التفكير الاحتمالي بدلًا من ادعاء اليقين في كل مسألة، وإدخال مناهج تعليمية تعلّم الشك المنهجي والتفكير النقدي، بدلًا من تكريس الطاعة العمياء.

وتكمن أهمية ذلك في أن العقل الذي يرى العالم من خلال ثنائية صارمة: الحق والباطل، لا يستطيع قبول التعدد، وبالتالي يصعب عليه تقبّل الديمقراطية والنقد والاختلاف.

ثانيًا: تحرير اللغة من الثنائيات الحادة

تُنتج اللغة، حين تُستخدم بطريقة إقصائية، ثنائيات حادة من قبيل: مؤمن وكافر، وطاهر ونجس، ونحن وهم. وعندما تنتقل هذه الثنائيات إلى المجال السياسي، فإنها تسهم في صناعة الطائفية والزعيم المقدس.

ويتطلب الخروج من ذلك إدخال مفردات جديدة إلى الخطاب العام، مثل: المواطن، والحقوق، والمسؤولية، والاختلاف، والتعدد. كما يتطلب تفكيك لغة الإعلام التي تصنع جماعات نقية وأخرى ملوثة، وتدريب المتحدثين على استخدام لغة غير إقصائية، وإعادة بناء الخطاب الديني ليصبح خطابًا إنسانيًا وأخلاقيًا، لا خطابًا قائمًا على التصنيف والاستبعاد.

وتنبع أهمية هذه الخطوة من أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي مصنع للخيال؛ ولذلك فإن تغيير اللغة يسهم في تغيير الخيال نفسه.

ثالثًا: كسر قداسة الجماعة

يصنع اللاهوت السياسي جماعة مقدسة، قد تكون الأمة أو الطائفة أو القبيلة أو جماعة الأنصار. وحين تدخل هذه الجماعة المجال السياسي، فإنها قد تتحول إلى كيان مغلق لا يقبل الاختلاف.

ويكون الخروج من ذلك بتحويل الانتماء من جماعة مغلقة إلى مجتمع مفتوح، وتعزيز مفهوم المواطنة فوق الانتماءات الطائفية والقبلية، وتفكيك الخطاب الذي يقدّس الجماعة ويشيطن الآخر، فضلًا عن بناء مؤسسات تحمي الفرد من ضغط الجماعة.

وهذه الخطوة ضرورية؛ لأن الجماعة التي تُمنح قداسة مطلقة تصنع، في الغالب، زعيمًا مقدسًا وتمنع نقده أو تغييره.

رابعًا: تفكيك صورة الزعيم المقدس

الزعيم المقدس هو التجسيد البشري للخيال اللاهوتي في المجال السياسي؛ لذلك فإن الخروج من هذه البنية يقتضي إنهاء تقديس الأشخاص.

ويتحقق ذلك بنقل السلطة من الشخص إلى المؤسسة، ووضع آليات واضحة للمساءلة والمحاسبة، ومنع وسائل الإعلام من صناعة الرمز السياسي المعصوم، ونشر ثقافة ترى الحاكم موظفًا في خدمة المجتمع، لا شخصية تعلو على النقد والقانون.

وتكمن أهمية ذلك في أن الزعيم يمثل الحلقة التي تصل الخيال اللاهوتي بالسياسة؛ ومن ثم فإن تفكيك قداسته يسهم في تفكيك جزء أساسي من البنية السلطوية.

خامسًا: إعادة بناء الخيال العربي

تمثل هذه الخطوة الجانب الأصعب والأعمق؛ فالخيال العربي، وفق هذه الرؤية، اعتاد النظر إلى العالم من خلال مركز واحد. ولذلك، فإن الخروج من البنية اللاهوتية يتطلب بناء خيال جديد وتعددي، يرى العالم من خلال مراكز ووجهات نظر متعددة.

والمطلوب خيال إنساني يرى الإنسان قبل الطائفة، والفرد قبل الجماعة، وخيال نقدي يسمح بالسؤال والشك والتجريب، فضلًا عن خيال سياسي جديد يرى السلطة عقدًا اجتماعيًا ومسؤولية عامة، لا قداسة أو امتيازًا شخصيًا.

سادسًا: إصلاح التعليم

لا يمكن الخروج من البنية اللاهوتية من دون إصلاح جذري للتعليم. والمطلوب هو تعليم مبادئ الفلسفة والتفكير النقدي بما يلائم المراحل الدراسية المختلفة، وتعليم المنطق والتحليل بدلًا من الحفظ والتلقين، وتدريس التاريخ بوصفه مجالًا لتعدد الروايات وقراءتها نقديًا، لا سردية مغلقة لا تقبل النقاش.

كما ينبغي تعليم الدين بوصفه منظومة إيمانية وأخلاقية وروحية، لا أداة للصراع السياسي، وتعليم اللغة بطريقة تكشف الثنائيات الحادة وتفككها، بدلًا من إعادة إنتاجها وترسيخها.

إن الخروج من البنية اللاهوتية لا يعني الخروج من الدين، بل التحرر من الخيال الذي يجعل الدين والسياسة والهوية تعمل بالطريقة نفسها.

إنه خروج من ادعاء اليقين المطلق، والثنائيات الحادة، والجماعة المقدسة، والزعيم المقدس، والخوف من الاختلاف والمستقبل؛ ودخول إلى فضاء التعدد والنقد وكرامة الفرد والمجتمع والمسؤولية والحرية. وهذه ليست خطوات سياسية فحسب، بل تحولات معرفية وثقافية عميقة.

✦ كتابات في الميزان ✦  

ينطلق المقال من التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا وقيمًا روحية، وبين توظيف بنيته في صناعة الإقصاء والسلطة المقدسة. ويقترح مسارًا للتحرر يقوم على تعدد الفهم، وتجديد اللغة، وترسيخ المواطنة، ونقل السلطة من الفرد إلى المؤسسة. وتبقى أطروحته بحاجة إلى التفريق الدقيق بين «نسبية الحق» و«نسبية الفهم البشري للحق»؛ لأن هذا التمييز يحمي النقد من التحول إلى نفي للحقيقة نفسها.

اللاهوتية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!