في كل أزمة إقليمية أو توتر بين الدول، ترتفع أصوات لا تعرف سوى مفردات الدم، تتحدث عن الحرب وكأنها مباراة، وعن الصواريخ وكأنها ألعاب نارية، وعن الخراب وكأنه مشهد عابر في نشرات الأخبار. هؤلاء يطالبون بالتصعيد، ويحتفون بلغة القوة، ويعتبرون الدعوة إلى التهدئة نوعاً من الضعف، متناسين أن الشعوب هي أول من يدفع الثمن، وأن الساسة قد يوقعون القرارات، لكن الأمهات هن من يوقّعن شهادات الفقد.
في العراق، تبدو هذه الأصوات أكثر غرابة من أي مكان آخر. فهذا البلد لم يخرج بعد من ركام حروبه المتعاقبة، ولم يلتئم جرح حتى انفتح آخر. ملايين العراقيين عاشوا ويلات الحرب، ومئات الآلاف فقدوا آباءهم أو أبناءهم أو أحلامهم، ومدن كاملة تحولت إلى أنقاض، واقتصاد استنزفته عقود من الصراع، وأجيال تربت على أصوات الانفجارات بدلاً من أجراس المدارس.
ومع ذلك، يخرج علينا من يتحدث عن الحرب بخفة لا تليق بحجم المأساة، وكأن التاريخ لم يعلمنا شيئاً.
المفارقة أن أكثر المتحمسين للدماء غالباً هم أبعد الناس عن ساحات القتال. يكتبون خلف الشاشات، يطلقون الشعارات النارية، ويطالبون الآخرين بالتضحية، بينما لا يخسرون سوى كلمات يكتبونها في منشور أو تغريدة. أما من سيدفع الثمن الحقيقي فهو الجندي الذي يقف في الخندق، والطفل الذي يستيقظ على دوي الانفجارات، والأب الذي يعود إلى منزله فلا يجده، والأم التي تنتظر ابناً لن يعود.
الحرب ليست بطولة رومانسية كما يصورها البعض، بل مصنع هائل لإنتاج الأرامل والأيتام والمعاقين والنازحين. هي انهيار للاقتصاد، وتراجع للتعليم، وتدمير للبنية التحتية، واستنزاف لثروات كان يمكن أن تبني مستشفيات ومدارس ومصانع. وكل رصاصة تُطلق تحمل معها سنوات إضافية من الفقر والتخلف وعدم الاستقرار.
الأخطر من ذلك أن خطاب التحريض على العنف يقتل الوعي قبل أن يقتل البشر. فهو يجعل من الكراهية فضيلة، ومن الانتقام سياسة، ومن الموت وسيلة لتحقيق المجد. وحين يصبح التصفيق للحرب سلوكاً يومياً، فإن المجتمع يكون قد بدأ يفقد مناعته الأخلاقية، ويعتاد رؤية الدم حتى يصبح مشهداً عادياً.
ليس المقصود هنا الدعوة إلى الاستسلام أو التفريط بالسيادة أو الحقوق الوطنية، فلكل دولة حق مشروع في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين الدفاع المسؤول عن الوطن، وبين التهليل للحروب واستسهال إشعالها. فالحكمة ليست جبناً، والدبلوماسية ليست هزيمة، والسعي إلى تجنيب الشعوب الكوارث ليس خيانة، بل هو قمة المسؤولية.
العراق تحديداً لا يحتاج إلى من يعلّمه معنى الحرب، بل يحتاج إلى من يتعلم من تجربته. فمن عاش المقابر الجماعية، والحصار، والاحتلال، والإرهاب، والنزوح، والانهيار الاقتصادي، يفترض أن يكون أكثر شعوب المنطقة إيماناً بأن السلام ليس شعاراً مثالياً، بل ضرورة للبقاء.
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نسمح لخطاب الدم بأن يستعيد بريقه، أو أن نمنح دعاة الحروب صفة الأبطال. فالتاريخ لا يخلّد من أشعل الحرائق، بل يتذكر من منعها. والأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا تُحمى بالشعارات، بل بالعقل، وبالقدرة على تجنيب الناس مآسي جديدة.
لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً كي يدركوا أن الحرب لا تترك منتصراً حقيقياً. ومن لا يزال يصفق لها بعد كل ما جرى، فإما أنه لم يقرأ التاريخ، أو أنه لم يتعلم شيئاً منه.
ليست الشجاعة أن ترفع صوتك مطالباً بالحرب، بل أن تمتلك الجرأة لتقول إن حياة الإنسان أغلى من شعارات المنتصرين. فكل حرب تبدأ بخطاب متحمس، لكنها تنتهي بقائمة طويلة من القتلى، وخرائط جديدة للمقابر، وأجيال تحمل آثارها لعقود. أما الذين يصفقون للحروب من بعيد، فلعلهم لا يدركون أن أول ضحاياها الحقيقة، وثانيهم الإنسان، وآخرهم الوطن.
✦ كتابات في الميزان ✦
يفضح المقال خطورة الأصوات التي تطالب بالحرب من خلف الشاشات، فيما تتحمل الشعوب والجنود والأمهات كلفتها الإنسانية والاقتصادية. ويستحضر الكاتب تجربة العراق المثقلة بالمقابر والدمار والنزوح، مؤكدًا أن من عرف مآسي الحروب يفترض أن يكون أكثر تمسكًا بالسلام. ويخلص إلى أن الحكمة والدبلوماسية ليستا ضعفًا، وأن الشجاعة الحقيقية تكمن في حماية الإنسان والوطن من حرائق جديدة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!