كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الخامس عشر : إذا كان أهل الكوفة هم الذين دعوا الإمام الحسين (عليه السلام)، فلماذا وثق بهم وخرج إليهم ؟

من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم بتاريخ أهل الكوفة وتقلب مواقفهم مع أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) والإمام الحسن (عليه السلام)، فكيف وثق بدعوتهم وخرج إليهم؟ وهل كان ذلك خطأً في تقدير الموقف السياسي؟
     وتقوم هذه الشبهة على افتراض أن الإمام الحسين (عليه السلام) تحرك بدافع الثقة المطلقة بأهل الكوفة، مع أن المصادر التاريخية تثبت أنه تعامل مع دعوتهم بمنهجٍ قائم على التحقق وإقامة الحجة، لا على حسن الظن المجرد.
فقد وصلت إلى الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة آلاف الرسائل من أهل الكوفة، حتى ذكرت المصادر أن الرسل توالت عليه من مختلف القبائل، يعلنون استعدادهم لنصرته، ويطالبونه بالقدوم إلى العراق لإقامة الحق وإحياء سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)(١).
ولو تجاهل الإمام هذه الدعوات، لقيل إنه أعرض عن نداء الأمة، ولم يمنحها فرصة الإصلاح، ولذلك لم يتخذ قراره مباشرة، بل أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل سفيرًا وممثلًا عنه للتحقق من صدق الدعوة.
    وقد كتب الإمام إلى أهل الكوفة:
(وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليّ أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، أقدمت عليكم.) (٢) وهذا النص التاريخي يكشف أن الإمام لم يبنِ قراره على العاطفة، بل اشترط التحقق الميداني قبل التحرك.
ومن الناحية التاريخية، فإن مسلم بن عقيل دخل الكوفة، وبايعه الآلاف من الناس، حتى كتب إلى الإمام الحسين (عليه السلام) يطلب منه القدوم، بعد أن رأى إقبال الناس عليه(٣).
     فلو نظرنا إلى الوقائع وفق معطياتها الزمنية، لوجدنا أن قرار الإمام كان مبنيًا على معلومات واقعية، لا على أوهام أو تقديرات غير مدروسة.
     أما انقلاب الموقف في الكوفة، فلم يكن بسبب خطأ الإمام، وإنما بسبب الإجراءات القمعية التي اتخذها عبيد الله بن زياد بعد وصوله إلى الكوفة؛ فقد نشر الرعب بين الناس، واعتقل الزعماء، وهدد القبائل، ورشى بعض الوجوه، وقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، فانهارت حركة التأييد تحت ضغط الإرهاب(٤).
     ومن الناحية العقلية، فإن القائد يُحاسب على ما يتوافر لديه من معطيات عند اتخاذ القرار، لا على أحداثٍ استجدت بعد ذلك بسبب ظروف خارجة عن إرادته.
فلو استجاب آلاف الأشخاص لدعوة قائدٍ للإصلاح، ثم تراجعوا لاحقًا تحت التهديد، فإن المسؤولية الأخلاقية تقع على من مارس الإرهاب، لا على القائد الذي استجاب لدعوةٍ صادقة في ظاهرها.
     ولهذا لم يُخفِ الإمام الحسين (عليه السلام) حقيقة ما جرى بعد استشهاد مسلم بن عقيل، بل أخبر أصحابه بذلك، وقال لهم إن الظروف قد تغيرت، وأذن لمن أراد بالرجوع، فلم يُكره أحدًا على مواصلة الطريق(٥).
    وهذا يكشف أن الإمام كان يتعامل مع الواقع بوضوح وشفافية، ولم يخفِ عن أصحابه تطورات الأحداث.
كما أن الإمام لم يخرج إلى الكوفة طلبًا للسلطة، وإنما أعلن هدفه منذ البداية بقوله:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.) (٦)
فلو أن أهل الكوفة ثبتوا على بيعتهم، لتحقق الإصلاح بوسيلةٍ سلمية، ولو خذلوه ـ كما وقع ـ فقد قامت عليهم الحجة أمام الله والتاريخ.
    وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن كثيرًا من أهل الكوفة ندموا على تخاذلهم، فخرجت ثورة التوابين معلنةً أن تقصيرهم في نصرة الإمام كان ذنبًا عظيمًا لا يكفّره إلا التضحية في سبيل القضية نفسها(٧).
وهذا الندم الجماعي دليل على أن الإمام لم يُخطئ في دعوة الناس إلى تحمل مسؤوليتهم، وإنما الذي أخطأ هو من نكث بيعته وخذل إمامه.
    وعليه، فإن القول بأن الإمام الحسين (عليه السلام) أخطأ عندما وثق بأهل الكوفة لا تؤيده المصادر التاريخية؛ لأنه لم يعتمد على الثقة المجردة، بل تحقق من الأمر بإرسال مسلم بن عقيل، ولم يتحرك إلا بعد أن وصلته تقارير تؤكد اجتماع الناس على نصرته. وإنما الذي غيّر مجرى الأحداث هو الإرهاب الأموي الذي فرضه عبيد الله بن زياد، فكان الخذلان جريمةً ارتكبها أهل الكوفة، لا خطأً وقع فيه الإمام الحسين (عليه السلام).
الهوامش
١. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥ ، ص١٦٧. 
٢. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٨. 
٣. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٥٧. 
٤. البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١٦٨-١٧٦. 
٥. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٦٣-٦٥؛ ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص٦٣-٦٥.
٦. المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
٧. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٦، ص١-٣. 

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!