من الشبهات التي يرددها بعض الباحثين أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع أن يتجنب الصدام مع السلطة الأموية بمغادرة الحجاز إلى إحدى المناطق البعيدة، كاليمن أو غيرها من الأقاليم الإسلامية، فيبتعد عن نفوذ يزيد ويحفظ حياته، بدلًا من السير في طريق انتهى إلى واقعة كربلاء. ويُقال: أليس حفظ النفس أولى من الدخول في مواجهةٍ غير متكافئة؟
وتقوم هذه الشبهة على تصورٍ خاطئ لطبيعة الأزمة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ تفترض أن المشكلة كانت مشكلةً شخصية بينه وبين يزيد، وأن الابتعاد الجغرافي كفيلٌ بإنهائها، بينما تؤكد الوقائع التاريخية أن القضية كانت قضية بيعةٍ وشرعيةٍ دينية، لا قضية إقامةٍ في بلدٍ معين.
فبعد وفاة معاوية، لم يكن يزيد يطلب من الإمام الحسين (عليه السلام) مجرد مغادرة المدينة، بل كان يصر على أخذ البيعة منه؛ لأن بيعة سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت تمنح حكمه الشرعية أمام المسلمين. ولهذا كتب إلى والي المدينة يأمره بأخذ البيعة من الإمام فورًا، فإن امتنع ضُرب عنقه(١).
وهذا يدل على أن المشكلة لم تكن في مكان وجود الإمام، وإنما في موقفه من الاعتراف بشرعية يزيد.
ثم أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) غادر المدينة فعلًا إلى مكة، ولم يتجه مباشرةً إلى العراق، رغبةً في تجنب الصدام، ولأن مكة حرم الله الآمن. لكنه لما علم أن السلطة الأموية أرسلت من يغتاله فيها ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة، غادرها حفاظًا على حرمة البيت الحرام(٢).
ولو كان الهدف مجرد النجاة بالنفس، لبقي في مكة، لكنه رأى أن السلطة عازمة على قتله أينما كان ما دام رافضًا للبيعة.
فالهجرة تُعد حلًا عندما يكون الخطر متعلقًا بالمكان، أما إذا كان الخطر متعلقًا بالمبدأ، فإن تغيير المكان لا يغيّر حقيقة الصراع.
فلو أن الإمام هاجر إلى اليمن أو غيرها، لبقي يزيد يطالبه بالبيعة، ولأصبحت هجرته مجرد تأجيلٍ للأزمة، لا حلًا لها.
كما أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن مسؤولًا عن سلامته الشخصية فحسب، بل كان مسؤولًا عن حفظ الدين ومنع انحراف الأمة. ولهذا أعلن منذ البداية:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.) (٣)
فلو اختار العزلة وترك الأمة تواجه الانحراف وحدها، لكان قد تخلى عن مسؤوليته الشرعية.
ومن الشواهد التاريخية أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يرفض الحلول السلميّة، بل عرض أكثر من خيار لتجنب الحرب، منها الرجوع من حيث أتى، أو الذهاب إلى أحد ثغور المسلمين، أو لقاء يزيد مباشرةً، إلا أن عبيد الله بن زياد رفض جميع هذه المقترحات، وأصر على شرطٍ واحد هو: الاستسلام والبيعة(٤).
وهذا يكشف أن السلطة لم تكن تبحث عن إنهاء النزاع، وإنما عن إخضاع الإمام وإضفاء الشرعية على حكمها.
وقد عبّر الإمام عن هذا الموقف بقوله:
(ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة.) (٥)
فالقضية لم تكن بين السفر والبقاء، وإنما بين حفظ كرامة الرسالة أو منح الشرعية للباطل.
كما أن الأحداث اللاحقة أثبتت أن استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) لم يُنهِ القضية، بل كشف حقيقة الحكم الأموي، وأيقظ ضمير الأمة، فانطلقت بعد كربلاء حركات الإصلاح والثورات التي أدركت حجم الانحراف الذي كانت تعيشه الأمة.
ولو أن الإمام اختار الهجرة الدائمة، لبقي يزيد يقدم نفسه بوصفه الخليفة الشرعي الذي لم يعترض عليه أحد من كبار أهل بيت النبوة، وهو ما كان سيؤدي إلى ترسيخ الانحراف باسم الإسلام.
وعليه، فإن القول بأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع إنهاء الأزمة بالهجرة يتجاهل طبيعة الصراع الحقيقي؛ إذ لم يكن صراعًا على مكان الإقامة، وإنما على شرعية الحكم ومستقبل الرسالة الإسلامية. ولذلك لم يكن تغيير المكان كافيًا لحل المشكلة، لأن المطلوب من الإمام لم يكن الرحيل، بل البيعة، وهي التي رفضها حفاظًا على الدين، فكانت نهضته ضرورةً شرعيةً وتاريخيةً لحماية الإسلام من الانحراف.
الهوامش
١. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣.
٢. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص ٣٤.ص٣٧-٤٠.
٣. المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
٤. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١١-٤١٢ . البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١٨٦.
٥. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩٩ ، الخوارزمي، مقتل الحسين، ج٢، ص٧.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!