حُكِمَ على المتَّهم (س) حضوريًّا بالإعدام شنقًا حتّى الموت.
آذتني أصواتُ الحاضرين، كأنّها طنينُ ذبابٍ؛ لعدم أهمّيّتها. جلُّ ما اخترق أذنيَّ كان اسمي. فأنا المسكين عند بعضهم، والحقير عند آخر، والذي يستحقّ الأسوأ عند آخرين.
تشقَّقت شفتاي؛ من شدَّة نهشهما بأسناني توتُّرًا، ومللتُ أذى كتفيَّ وهما تسحبان يديَّ المقيَّدتين خلفي منذ مدَّة، ومع ذلك أكاد لا أُحسُّ بكفَّيَّ من شدَّة رهبتي! أمّا رجلاي فقد أثقلهما جسدي، الذي يأبى المضيَّ إلى زنزانته القذرة.
كفاني لأمشي، وأواجه مصيري المحتوم! أجرُّ رجليَّ جرًّا، أسمع طقطقة أسناني المرتجفة، وارتعاش يديَّ، وصليل القيود الحديديَّة التي تجرُّ خلفي.
تُثقِلني ألفُ فكرةٍ متجمِّدةٍ في رأسي. أُفكِّر؛ لأنَّ الأفكار تشغلني، ولا أُفكِّر؛ لأنَّني أقف صامدًا أمامها.
ما الذي أنا فيه؟! أَعزيزةٌ إلى هذا الحدِّ هي الروح؟!
أغيب لأتذكَّر آخرَ من قتلتُه في هذا الشتاء. لا أزال أُحسُّ بحرارة دمه الذي غطَّى يدي حين بطَّنتُ أمعاءه... وأتذكَّر آخر طفلةٍ قتلتُها. كم أعجبتني براءتها! فلم أعد أحتمل شغفي بقتلها؛ فأنا لا أطيق البراءة.
كم؟! وكم؟! أكلَّ هؤلاء قتلتُ؟!! كم أنا وحشيٌّ؟!!
أعود فأُسنِد ظهري؛ إذ إنَّني فخورٌ بقتلي هذا العدد، ثمَّ أنحني مطرقًا رأسي، فها هو الله (تعالى) قد انتقم لهم منِّي.
ما أروع أن تبدأ الحياة من جديد! سأكون إنسانًا طيِّبًا... نعم، لن أظلم نفسي بعد الآن.
في الساحة التي أعبرها لأجتاز السلالم، أنظر يمينًا وشمالًا... أتأمَّل ببطءٍ جمال الوجوه، وحنين الأصوات... الشمس التي نمرُّ تحت خيوطها، كم عشقتُها! أين كنتُ من دفءِ ملامستها؟! ما أثقل جرمي!...
بدأت الوجوه تقلُّ أمامي، وظلَّت الأصوات تتلاشى من مسمعي...
ماذا يجري؟! وما الذي أفعله؟! أنا أقترب من ظلمة زنزانة حتفي. هل أتركهم يرمونني، ويُلقون بي فيها، لأنتظر صباحًا لا أعرف متى يبدأ، من عتمة المكان، حتّى أُجرَّ إلى مشنقتي؟
لا... لا...
نعم... نعم... إنَّها نافذة! سأهرب من مشنقتي... سأهرب... ولم يخطر ببالي، وأنا أهرب من الموت، أنّني كنتُ أركض إليه.
"نأسف، سيِّدي القاضي، ونحن في الطريق رمى الجاني بنفسه من النافذة منتحرًا. لم نلحق به، رغم أنّنا كنّا خلفه مباشرةً؛ فقد اندفع ليقذف بنفسه بسرعةٍ مذهلة، كأنَّه لم يرَ نافذةً من قبل."
فمن طلب النجاة من العقوبة، ولم يطلب النجاة من الذنب، فلن ينجو.
رسالةٌ لم تُكتب... إلى كلِّ المجرمين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!