كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الأربعين … عندما انتصرت الرواية على السيف من كربلاء إلى ذاكرة الإنسانية… كيف حفظت الكلمة رسالة الحسين؟

ليست كل المعارك تنتهي بانتهاء القتال، فبعضها يبدأ عندما يسكت صوت السيوف. ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يجسده يوم الأربعين
في عاشوراء، انتهت معركة كربلاء على أرض الميدان، لكن بدأت معركة أخرى أكثر صعوبة معركة حفظ الحقيقة وصون الرسالة من النسيان وإيصالها إلى الأجيال. وهنا برز الدور الكبير للسيدة زينب (عليها السلام) والإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) اللذين حملا أمانة الكلمة بعد أن حمل الإمام الحسين (عليه السلام) أمانة التضحية
لم تكن رسالة السيدة زينب رسالة انتقام، بل رسالة وعي، فقد وقفت بثبات أمام السلطة التي ظنت أن القوة كفيلة بإسكات صوت الحق وقالت كلمتها الخالدة:
"فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا"
إن هذه الكلمات لم تكن مجرد تحد، بل إعلانا بأن المبادئ التي ضحى من أجلها الإمام الحسين لا يمكن أن تدفن مع أصحابها، وأن رسالة الإسلام القائمة على العدل والكرامة والحق ستبقى حية في ضمير الأمة مهما حاولت القوة أن تحجب نورها أو تغيب حقيقتها
لقد أدركت السيدة زينب أن المعركة لم تعد معركة سيوف، بل معركة وعي وذاكرة
فإذا ضاعت الحقيقة، ضاعت القضية، وإذا حفظت الحقيقة بقيت الرسالة خالدة، ولهذا جاءت خطبها لتكشف للناس حقيقة ما جرى في كربلاء وتحفظ للتاريخ روايته
وبلغة عصرنا، يمكن القول إن السيدة زينب أدت دورا إعلاميا استثنائيا، فقد واجهت الرواية التي أرادت السلطة فرضها وقدمت شهادة بقيت حاضرة في ذاكرة التاريخ، ولذلك يصفها كثير من الكتاب بأنها رائدة الإعلام الحسيني لأنها حملت رسالة الكلمة في أصعب الظروف، وأثبتت أن الكلمة الصادقة قد تكون أقوى أثرا من السلاح
ويأتي يوم الأربعين ليؤكد أن الرسائل العظيمة لا تنتهي باستشهاد أصحابها، بل تبدأ عندما تتحول إلى وعي حي في قلوب الناس، ولهذا فإن ملايين الزائرين الذين يقصدون كربلاء كل عام لا يجتمعون لإحياء ذكرى حدث مضى، بل لتجديد العهد مع القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين: العدل، والكرامة، والإصلاح، ورفض الظلم
قد ينتصر السيف في لحظة، أما الكلمة الصادقة فتبقى عبر الزمن. ولهذا بقي الإمام الحسين رمزا للتضحية، وبقيت السيدة زينب رمزا للصبر والثبات وحفظ الحقيقة

السيدة-زينب-عليها-السلام.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!