كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بين البحر والعرش....اليأس اعلى من الاحتفال

في ليلة كان يفترض ان تتوشح فيها المدن المغربية بمظاهر الاحتفال والزينة بجلوس الملك على العرش، كانت امواج البحر المتوسط تروي قصة اخرى، قصة الاف الشباب المغاربة الذين حملوا احلامهم فوق قوارب صغيرة، تاركين خلفهم الاهل والبيوت والاناشيد الوطنية متجهين نحو الضفة الاخرى (على الرغم من الحدود البرية مع مدينة سبتة التي هي امتداد للاراضي المغربية والتي اجتاحتها اقدام المهاجرين عن طريق البحر وليس اليابسة لانه كان الطريق المفتوح والسهل للعبور والنجاة امنيا") اقول ان هولاء الشباب يرون في اوروبا املا" قد لا يحدونه في اوطانهم.
والمفارقة المؤلمة ان الاحتفال الرسمي بمناسبة عيد العرش والذي يرفع شعارات الانجاز والاستقرار، بينما الشباب يرفعون شعارا" واحدا" النجاة والوصول للضفة الاخرى. فحين يهاجر الانسان في يوم وطني يفترض ان يكون رمزا" للانتماء فأن الرسالة لا تكون سياسية فقط انما هي اجتماعية واقتصادية ونفسية ووجودية ايضا"، انها رسالة تقول ان الاوطان لا تقاس بعدد الاحتفالات بل بعدد من يتمسك بالبقاء فيها.
الهجرة غير الشرعية ليست مجرد عبور للحدود فقط بل هي استفتاء صامت لشرعية الحاكم ومدى مقبوليته لدى الرعية، وهي ايضا" استفتاء على واقع يراه الشباب مسدود الافق بدون امال قريبة، فالبطالة وارتفاع تكاليف العيش وانعدام المستقبل، واتساع الفجوة بين الوعود والواقع، كلها تدفع الانسان الى ان يجعل البحر اقل رعبا" من المستقبل المجهول الذي ينتظره على اليابسة.
واذا كانت اسبانيا هي الوجهة الاقرب جغرافيا" لهولاء الشباب، فانها اصبحت ايضا" عنوانا" لمفارقة سياسية لافتة، ففي الوقت الذي تبنت فيه الحكومة الاسبانية خلال الاشهر الماضية مواقف اكثر انتقادا" للعمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة واخرى الاسرائيلية وحليفتها الكبرى الولايات المتحدة على ايران ودعت الى حماية المدنيين واعترفت بالدولة الفلسطينية، مع تردي كبير في علاقتها مع حليفها الاستراتيجي في الناتو (امريكا) يبدو ان هنالك من ساهم وخطط لوضع الحكومة الاسبانية في حرج كبير لمواجهة هذه الموجة من الهجرة ويمكن تشبيه ذلك بأنه مثل عصا للتهديد يلوح بها من بعيد لتغير المواقف والانخراط في امور لا ترغب اسبانيا من التقرب منها. ويبدو ان هذه الموجة من الهجرة وضعت الحكومة الاسبانية امام اختبار سياسي وانساني معقد، فهي من جهة تتمسك بمواقفها السياسية المعلنة والمؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه المشروعة، ومن جهة اخرى تدرك ان ملف الهجرة يظل ورقة ضغط بالغة الحساسية في علاقتها مع دول الجوار ومحيطها في الاتحاد الاوربي، وفي عالم السياسة لاتستخدم القوة دائما" عبر السلاح او العقوبات وانما قد تتحول حركة البشر نفسها الى رسالة صامتة، والى اداة ضغط تعيد رسم الحسابات والمواقف وتفرض على العواصم اعادة قراءة مواقفها بما يحفظ مصالحها ويجنبها المزيد من الازمات.
وعلى الرغم من ذلك فان الشاب المغربي المهاجر الذي يركب البحر لا ينشغل كثيرا" بتوازنات مدريد ولا بخلافاتها مع واشنطن (عندما يرى الابواب قد فتحت له بغفلة او بمؤامرة) هو ما يعنيه ان يجد فرصة عمل ، وان يعيش بكرامة ، وان يشعر بان الغد قد يكون افضل من الامس، فالهجرة في نظره ليست مشروعا" سياسيا" بل مشروع حياة ومستقبل.
ان الدول التي تنجح في اقناع شبابها بالبقاء، لا تحتاج الى تشديد الحراسة على الحدود، لان الحدود الحقيقية ليست الاسلاك الشائكة والخنادق العميقة والاسوار الكونكريتية الشاهقة وعوضا" عن ذلك هو تحقيق العدالة الاجتماعية، وفرص العمل، والتعليم، والايمان بأن الوطن يمنح ابناءه مستقبلا"  يستحق الانتظار. 
ولعل اكثر ما يؤلم في قصة البحر والعرش ان هذا البحر لا يبتلع اجسادا" فقط ، هو بالمقابل يبتلع احلاما" كان يمكن ان تتحول الى مصانع، ومدارس، ومختبرات ،وجامعات، وحقول ومزارع مزدهرة لو وجدت بيئة تحتضنها فالاوطان تخسر مرتين، مرة حين يهاجر شبابها، ومرة حين يصبح نجاحهم في الخارج دليلا" على ما كان يمكن ان يقدموه لو بقوا في بلدانهم.
لقد اخذني التفكير كثيرا"  وبعيدا".... وهنا اطرح تسأولا" افتراضيا"ماذا لو كان العراق قريبا" في حدوده مع اسبانيا" جغرافيا" كما يجاورها المغرب (قياسا" بمستوى الخدمات والتطور الذي يعيشه المغرب اذا ما تم مقارنته بواقعنا المزري)؟ ربما كانت امواج البحر المتوسط ستشهد اكبر موجة نزوح في تأريخ المنطقة، لان الانسان لا يهاجر عشقا" للغربة، وانما هربا" من واقع سلبه الامان واطفأ فيه الامل، حتى اصبح المجهول ارحم من حاضر لا يعد بشىء، ويصبح البحر اقصر الطرق الى هذا المجهول مهما كانت مخاطره.
ليس اخطر على اي دولة من ان يتحول البحر الى باب امل، بينما يصبح الوطن محطة انتظار. فالعرش يزداد قوة حين يلتف الشعب حوله بارادته، والوطن يزداد هيبة حين يختار ابناؤه البقاء فيه، لا لانهم عاجزين عن الرحيل  وانما لانهم وجدوا فيه ما يجعلهم يؤمنون ان المستقبل يبدأ من ارضهم، لا من الضفة الاخرى.

✦ كتابات في الميزان ✦

ينطلق المقال من مفارقة مؤلمة: مدن تحتفل بالعرش، وشباب يغامرون بحياتهم في البحر بحثاً عن مستقبل أفضل.
وهو يربط الهجرة بانسداد فرص العمل واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن، مع الإشارة إلى استخدامها ورقة ضغط سياسية على إسبانيا.
فالاحتفالات لا تقنع الشباب بالبقاء؛ ما يبقيهم هو العمل والعدالة والشعور بأن لهم مكاناً في مستقبل بلدهم.

سبته.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!