منْ الأخطاءِ التي يقعُ فيها بعضُ الناسِ، أنهمْ يقيسونَ الإنسان بماضيه، لا بحاضره، ويظنونَ أنَ الفقرَ أوْ بساطةَ المهنةِ وصعوبةَ البداياتِ وصمة تظلُ ملازمة لصاحبها إلى الأبد، فإذا تبدلتْ الأحوال، وارتقى الإنسانُ بعلمهِ أوْ صبرهِ أوْ أمانته، استكثروا عليهِ ما بلغَ منْ نجاح، وبدأَ التنمرُ عليه، وكأنَ الرفعةَ والنعمةَ حكر على منْ ولدَ في المكانِ المناسب، والظروف المناسبة.
إنَ الإنسانَ لا يقاسُ بما كانَ عليه، وإنما بما أصبحَ عليه، ولا ينبغي أنْ يتحولَ الماضي إلى سجنٍ أبديٍ يحبسُ الإنسان فيهِ الآخرين، فكمْ منْ إنسانٍ بدأَ حياتهُ فقير، أوْ عملٌ في مهنةٍ بسيطة، ثمَ شقَ طريقه بالعلمِ والصبرِ والكفاحِ حتى بلغَ مكانةً لمْ يكنْ أحد يتوقعها له.
لقدْ علمتنا قصص الأنبياء، أنَ تبدلَ الأحوالِ سنةٌ منْ سننِ الحياة، وأنَ قيمةَ الإنسانِ لا تقاسُ بالمالِ أوْ المظهرِ أوْ البدايات. فقدْ كانَ نبينا محمد (ص ) ، كانَ يرعى الغنمَ في شبابه، وهيَ مهنةٌ شريفةٌ تعلم الصبر والرحمة وتحمل المسؤولية، ثمَ اصطفاهُ اللهُ خاتما للأنبياءِ والمرسلين، وابتليَ نبيُ اللهِ أيوب- عليهِ السلام- في جسدهِ ومالهِ وأهله، فلمْ يفقدْ صبره، ولا ثقته بربه، حتى قال: ( إني مسني الضرّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ ) ( الانبياء : 83) ، فجاءهُ الفرجُ بعدَ طولِ البلاء. أما النبيُ يوسف عليهِ السلام، فقدْ انتقلَ منْ ظلماتِ الجبِ إلى السجن، ثمَ خرجَ منهُ إلى خزائنِ الأرض، ليعلمنا أنَ الإنسانَ قدْ تتغيرُ حياتهُ تغيرا لا يخطرُ على بال. ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: (إنهُ منْ يتقِ ويصبرْ فإنَ اللهَ لا يضيعُ أجرَ المحسنينَ)( يوسف :90) .
إنَ هذهِ ليستْ قصصا بعيدةً عنْ حياتنا، بلْ تتكررُ كلَ يومٍ بينَ الناس، فقدْ يبدأُ الإنسانُ عاملاً بسيطا، أوْ بائعا متجولا، أوْ موظفا محدود الدخل، ثمَ يواصلُ تعليمه، ويكافحُ حتى يصبحَ طبيبا أوْ أستاذا أوْ مسؤولاً أوْ صاحب مكانةٍ في المجتمع، وما كانَ بالأمسِ سببا للسخريةِ في نظرِ بعضِ الناس، قدْ يصبحُ اليومَ شاهدا على قوةِ الإرادةِ وعظمةِ الصبر.
قرأت- قبلَ أيام- قصةِ رجلٍ عراقيٍ عاشَ سنواتٍ في الهجرةِ والعملِ في أحدِ المطاعمِ في دولةٍ عربية، كانَ يطعمُ رجلاً فقيرا من نفس جنسيته، يجلسُ عندَ بابِ المطعم، بعدَ أنْ يستأذنَ صاحب العمل، منْ الطعامِ المتبقي أوْ الزائدِ عنْ حاجةِ الزبائن.
ومضتْ الأيام، وتبدلتْ الأحوال، فإذا بذلكَ الفقيرِ يصبحُ مسؤولاً في إحدى مؤسساتِ الدولة، وفي أحدِ الأيام، بينما كانَ يشاهدُ التلفاز، فقال لزميله القديم الذي كان معهم في نفس الغربة: (أتعرفُ هذا الرجل) فأجابه: نعم، هذا الذي كنت تطعمهُ منْ بقايا الطعام، ثمَ أخذَ يسخرُ منه، ويتنمرُ عليه، وكأنَ فقرهُ القديمَ عيبٌ لا يغتفر، وكأنَ الإنسانَ يجبُ أنْ يبقى إلى الأبدِ أسيرُ الصورةِ التي عرفهُ الناسُ بها.
هنا تكمنُ المشكلة: بعضُ الناسِ لا يتغيرونَ بتغيرِ الحقيقة، بلْ يظلونَ أسرى لصورةٍ قديمةٍ احتفظوا بها عنْ الآخرين، فإذا رأوا فقيرا أصبحَ غنيا، أوْ عاملاً أصبحَ مسؤولا، أوْ شخصا بسيطا ارتقى بعلمه، حاولوا أنْ يعيدوهُ إلى ماضيه بالسخريةِ والتنمرِ والتذكيرِ المستمرِ بما كانَ عليه.
إنَ الفقرَ ليسَ عيبا، والعمل الشريف ليسَ عارا، والبدايات المتواضعة، لا تنتقصُ منْ قيمةِ الإنسان، بلْ إنَ الذي يبدأُ منْ الصفر، ويعرفُ معنى الحاجة، ثمَ ارتقى بجهده، أحقّ الناسِ بأنْ يشكرَ نعمةَ اللهِ عليه، وأنْ يفهمَ آلامَ الفقراء، وأنْ يعاملَ الناس بالرحمةِ التي كانَ يتمنى أنْ يجدها في أيامِ ضعفه.
أذكرُ أنني دخلت يومَ مكتبِ أحدِ المسؤولين، فلفتَ نظري إطارا قديما يتوسطُ الجدار، حيث، كانتْ فيهِ صورةً لهُ في شبابه، وهوَ يصبُ الشايَ للزبائنِ في أحدِ المقاهي، فسألتهُ عنْ سببِ احتفاظهِ بها، فابتسمَ وقال: وضعتها هنا حتى لا أنسى منْ أينَ بدأت، كنت عاملاً بسيطا، واليومَ أجلسَ خلفَ هذا المكتب، كلما نظرتْ إليها، تذكرتْ فضلَ اللهِ على، وشعرتْ أنني بحاجةٍ إلى مزيدٍ منْ التواضع.
إنَ هذهِ الصورةَ الجميلةَ للمسؤولِ الذي لا ينسى ماضيه؛ فالمشكلةُ ليستْ في أنْ يصبحَ الإنسانُ مسؤولا، وإنما في أنْ ينسى أنهُ كانَ يوما واحدا منْ عامةِ الناس، وليسَ العيب أنْ ينتقلَ الإنسانُ منْ مقعدِ العاملِ إلى كرسيِ المسؤول، وإنما العيب أنْ ينتقلَ منْ التواضعِ إلى الكبر، ومنْ معرفةِ آلامِ الناسِ إلى احتقارهم.
روى لي رجلٌ آخرُ أنهُ كانَ في صغرهِ خلالَ العطلةِ الصيفيةِ للمدارس، يدفعُ عربةً لبيعِ المثلجاتِ (الدوندرمة) منْ الصباحِ إلى المساء، ليساعدَ والٍ هذا في إعالةِ الأسرة، كانَ يعودُ متعبا، لكنهُ كانَ يشعر، أنهُ يشاركُ في بناءِ مستقبلِ عائلته، ثمَ واصلَ دراسته، وحصلَ على شهادةٍ عليا، وأصبحَ يعيشُ في بيتِ جمعِ أسرته، وأصبحَ أفراد عائلتهِ منْ حملةِ الشهاداتِ الجامعية، كانَ يقول: كلما تذكرتْ تلكَ العربة، ازددت فخرا بها؛ لأنها كانتْ أولَ درجةٍ في السلمِ الذي صعدنا عليهِ بعدَ فضلِ اللهِ ودعاءِ الوالدين.
هكذا ينبغي أنْ تكونَ الذكريات القديمة: لا وسيلةً للسخريةِ منْ الناس، ولا سلاح لإذلالهم، بلْ درسٍ في التواضعِ وشكر النعمة، فمنْ ذاقَ الفقر، ثمَ أغناهُ الله، ينبغي ألا يحتقرَ الفقراء، ومنْ عملٍ في مهنةٍ بسيطة، ثمَ ارتقى، ينبغي ألا يخجلَ منْ ماضيه، ومنْ عانى ظلما مسؤولاً متكبرا، يجبْ أنْ يكونَ أكثر الناسِ حرصا على ألا يظلمَ حينَ يصبحُ مسؤولا.
إنَ المسؤوليةَ تكليفٌ قبلَ أنْ تكونَ تشريفا، وخدمةً قبلَ أنْ تكونَ سلطة، ومنْ نعمَ الله على الإنسانِ أنْ يبدلَ حاله منْ ضيقٍ إلى سعة، ومنْ ضعفٍ إلى قوة، ومنْ عملٍ بسيطٍ إلى مكانةٍ رفيعة، لكنَ أعظم شكر لهذهِ النعمةِ أنْ يبقى الإنسانُ قريبا منْ الناس، رحيما بهم، عادلاً في قراراته، متواضعا في معاملته، وألا يسمحَ للمنصبِ، أنْ يمحوَ ذاكرته. قالَ تعالى: ( قلْ اللهمَ مالك الملكِ تؤتي الملكَ منْ تشاءُ وتنزعُ الملكَ ممنْ تشاءُ وتعزُ منْ تشاءُ وتذلُ منْ تشاءُ بيدك الخير) (آل عمران: 26 )
ليسَ عيبا أنَ يستوزر الفقير، ولا أنْ يصبحَ العاملُ مسؤولا، ولا أنْ يرتقيَ بائعُ المثلجاتِ إلى أعلى المراتب. العيبُ أنْ يسخرَ الإنسانُ منْ فقرِ غيره، وأنْ يتنمرَ على ماضيه، وأنْ ينسى بعدَ الغنى أنهُ كانَ يوما محتاجا. إنَ منْ أجملَ ما يمكنُ أنْ يفعلهُ الإنسانُ حينَ تتبدلُ حياتهُ أنْ يحتفظَ في ذاكرتهِ بصورةِ الأيامِ الصعبة، لا ليحزنَ عليها، بل؛ ليشكرَ اللهَ على ما أنعمَ بهِ عليه، وليتذكرَ أنَ الناسَ لا يولدونَ جميعا في الظروفِ نفسها، وأنَ منْ يقفُ اليومَ في آخرِ الصفِ، قدْ يكونُ غدا في المقدمة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يرفض المقال أن يتحول الفقر أو العمل البسيط إلى وصمة تلاحق الإنسان بعد نجاحه، فالمناصب لا تُورث لأبناء الرفاه وحدهم.
ليس العيب أن يصبح الفقير وزيراً أو العامل مسؤولاً، إنما العيب أن ينسى آلام الناس ويتعامل معهم بتعالٍ بعد وصوله.
والبدايات الصعبة لا تنتقص من صاحبها، بل قد تمنحه فهماً أعمق للمسؤولية، إذا حافظ على تواضعه وعدالته.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!