كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

من وحي زيارة الأربعين... نبض الأرض وصوت السماء

إن دلالة الرقم أربعين، وما ارتبط به من تصورات بعد وفاة الإنسان وانقطاعه عن العالم الدنيوي قبل التحاقه بالعالم الأخروي، ليست واحدة في جميع الأديان السماوية وتراث الشعوب الإنساني منذ بدء الخليقة، بل تختلف في أصلها ومكانتها من شعب ودين إلى آخر.

ففي الديانة اليهودية، مثلًا، يحتل الرقم أربعين مكانة رمزية كبيرة؛ إذ ارتبط بفترات التطهير والتهيئة والاختبار، مثل: أربعين يومًا في الطوفان، وأربعين سنة في التيه لبني إسرائيل في صحراء سيناء، وأربعين يومًا قضاها النبي موسى (عليه السلام) قبل تلقي الألواح.

أما في الديانة المسيحية، فللرقم أربعين أيضًا رمزية ودلالة روحية، منها: صيام السيد المسيح (عليه السلام) أربعين يومًا، وفترة الأربعين يومًا بين القيامة والصعود، ولا سيما في المعتقد الأرثوذكسي الشرقي، حيث تُقام صلاة تذكارية في اليوم الأربعين بعد الوفاة.

أما في ديننا الإسلامي المحمدي الحنيف، فإن زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام) ليست مجرد ذكرى أربعين لوفاة، وإنما هي إحياء لذكرى نبض الأرض وصوت السماء، ودلالة على اكتمال مرحلة وبداية مرحلة أخرى من التاريخ؛ فهي ترمز إلى النضج والتحول. وكانت أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) إحياءً وبقاءً للثوابت الإسلامية المحمدية التي بنى عليها الإسلام قواعده منذ بداية البعثة النبوية وحتى يوم البعث والحساب.

وقد أثبتت الأيام أن الأربعين ليست موعدًا في التقويم فحسب، وإنما هي موعد تتجدد فيه البيعة، وتُستنهض فيه القيم، وتنبض فيه القلوب باسم الحسين (عليه السلام). والأربعين ليست مجرد ذكرى لاستشهاد رجل، بل هي احتفاء بانتصار المبدأ على السيف، والحق على الباطل، والخلود على الفناء. إنها مدرسة تتوارثها الأجيال، وتقرأ فيها معنى التضحية، ويتعلم منها الظالمون أن الدم الطاهر قد يصنع للأمة مستقبلًا لا تصنعه الجيوش الجرارة.

وإذا عدنا إلى بدايات الزيارة المباركة، فإن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري يُعدّ أول من زار قبر الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين بعد واقعة الطف الأليمة. وقد فقد بصره في أواخر أيامه، لكن ذلك لم يفقده بصيرته. وقدم إلى كربلاء بعد مضي أربعين يومًا على استشهاد الإمام، برفقة تلميذه عطية العوفي، في العشرين من صفر سنة 61 للهجرة.

ويُروى أنه اغتسل في نهر الفرات، ثم توجّه إلى القبر الشريف، وسلّم على الإمام وبكى عند الضريح بحرقة، مستذكرًا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلماته عن هذا الحدث قبل ذلك بسنين طويلة.

وكان جابر بن عبد الله الأنصاري من كبار الصحابة، وشهد مع رسولنا الكريم عددًا كبيرًا من الغزوات والمعارك، وعاش عمرًا طويلًا حتى أواخر القرن الهجري الأول. كما نُسبت إليه رواية مشهورة مفادها أن الرسول محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبره بأنه سيدرك حفيده الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، وأوصاه بأن يبلغه السلام، ويُروى أن جابر فعل ذلك عندما التقى الإمام الباقر وهو صغير في المدينة.

لم تكن زيارة الأربعين يومًا من الأيام مجرد تقليد ديني أو مناسبة سنوية، بل هي امتداد لثورة صنعت تاريخ الإنسانية ورسّخت قيم الحق والحرية. فالملايين التي تتجه صوب كربلاء لا تسير بدافع العاطفة وحدها، وإنما تحمل في قلوبها يقينًا بأن الإمام الحسين (عليه السلام) رمز خالد للإصلاح ومقاومة الظلم.

إن تلك الزيارة تجديد للعهد مع مبادئ عاشوراء، وإعلان دائم بأن رسالة الحسين لم تُدفن في أرض كربلاء، بل بقيت حيّة في ضمير الأمة. وهي أيضًا تعبير عن الوفاء لآل بيت النبوة، واستجابة لما ورد في تراثنا الإسلامي وأحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من الحث على زيارة الإمام، وعدّها من الشعائر ذات المكانة الرفيعة.

كذلك تتجلى في الزيارة الأربعينية معاني تهذيب النفس، وتعميق الإيمان بالدين، وترسيخ قيم الصبر والإيثار والتواضع والتكامل الإنساني. ففي طريق الأربعين تتلاشى الفوارق بين الناس، فيلتقي الغني والفقير، والعالِم والعامل، والعربي والأجنبي، على مائدة المحبة الحسينية، وعندها يصبح الجميع إخوة متحابين يجمعهم هدف واحد.

إن زيارة الأربعين تُعدّ من أكبر التجمعات الإيمانية السلمية في العالم، وتجسّد وحدة المؤمنين، وتبرز قدرة القيم الروحية على جمع القلوب رغم اختلاف الأوطان واللغات والثقافات. إنها رسالة حضارية تؤكد أن المبادئ العظيمة لا تموت.

ولأجل ذلك، ولمحاربة ما تمثله الزيارة من قيم وأهداف، حاولت سلطات جائرة مختلفة، على امتداد التاريخ القديم والمعاصر، محاربة هذه الشعائر ومنع الزيارة أو التضييق عليها لأسباب سياسية وأمنية، وأحيانًا مذهبية وطائفية.

بدأ ذلك منذ العصر الأموي، حيث سادت أجواء من التضييق والملاحقة لكل ما يذكّر بثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإن اختلفت شدة ذلك من خليفة إلى آخر، وقد دفعت الظروف السياسية كثيرًا من محبي أهل البيت (عليهم السلام) إلى زيارة القبر الشريف سرًّا، خشية الاعتقال أو القتل.

واشتدت تلك المعوقات في العصر العباسي، وكان من أشد خلفائه في هذا المجال المتوكل العباسي، الذي ارتبط اسمه بمحاربة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام). وتذكر مصادر تاريخية، منها «تاريخ الطبري»، و«الكامل في التاريخ» لابن الأثير، و«مروج الذهب» للمسعودي، أنه أمر بهدم ما شُيّد على القبر وتسويته بالأرض، ومنع الناس من الوصول إليه، وفرض عقوبات قاسية على الزائرين، في محاولة لإضعاف المكانة الشعبية المتنامية للمرقد الشريف آنذاك.

وفي العصر الحديث، تعرضت مراسم الزيارة إلى الكثير من المعوقات والموانع، وكان من أكثرها قسوة ما جرى في زمن النظام البائد، حين فُرضت قيود صارمة على المسير إلى كربلاء وإحياء زيارة الأربعين، وتعرض عدد من المشاركين للاعتقال والعقوبات، بل وحتى الموت. وبلغت تلك الممارسات ذروتها حين تعرض المرقد الحسيني الشريف للقصف بالمدفعية خلال أحداث الانتفاضة الشعبانية في مدينة كربلاء.

لكن، رغم جميع المضايقات والعقوبات والأرواح التي أُزهقت والتضحيات وأشكال التنكيل على امتداد التاريخ، بقي نهج الأربعين، واستمر وتنامى وانتصر؛ لأن في الأربعين تتوحد اللغات والأرواح، وتذوب الحدود، وتجتمع الملايين على كلمة واحدة: «لبيك يا حسين».

فتغدو كربلاء قبلة للأحرار، ومنارة للعاشقين، ومهوى أفئدة المؤمنين؛ لتبقى راية الحسين خفاقة ما دام في الأرض طالب حق، وما دام في السماء رب ينصر المظلومين.

فسلام على الحسين يوم وقف وحده شامخًا فكان أمة، ويوم ارتقى شهيدًا فصار نبراسًا وراية تعلو فوق الرايات، ويوم بقيت رسالته تعبر القرون والسنين لتوقظ الضمائر وتحيي القلوب.

وتبقى ذكرى الأربعين رسالة خالدة، تجدد في النفوس معنى الوفاء، وتؤكد أن نهج الحسين (عليه السلام) سيظل باقيًا ما دامت القلوب تنبض بالحق، وسيبقى الحسين حيًّا في ضمائرنا ما دامت الأرواح تمشي إليه قبل الأقدام.

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول المقال زيارة الأربعين بوصفها أبعد من دلالة زمنية، ويربطها بمنظومة من القيم التي أعادت واقعة الطف إلى الذاكرة الإنسانية بوصفها صراعًا بين الحق والظلم. وينتقل من رمزية الرقم أربعين في الأديان إلى زيارة جابر الأنصاري، ثم يتتبع محاولات منع الزيارة تاريخيًا وصولًا إلى عصرنا الحديث. ويبرز النص الأربعين باعتبارها مدرسة في الوفاء والإيثار ووحدة الإنسان، تنتهي عند صورة بليغة: أرواح تمشي إلى الحسين قبل الأقدام.

الاربعين.jpg

طباعة
2026/08/06
1,009
تعليق

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!