﷽
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾
نظّفت أوانيها ومكانها، ولملمت سرادقها، ورفعت فرشها، وحملت عفشها بدموع غزيرة، معلنةً عن قرب نهاية الذكرى الأليمة لأربعينية الإمام أبي السجاد (عليه السلام).
جهود مضنية، وطاقة تحمّل، وتعب مستمر، رغم الحر وفحيح لهيب الصيف الذي لم يثنِ محبًّا أو يدفعه إلى التقاعس. يتسابقون في تقديم ما يمكن تقديمه من حفاوة استقبال وكرم ضيافة وبشاشة ترحيب. مواكب أُعِدّت لتقديم أفضل الخدمات من مأكل ومشرب ومنام وراحة لزوار أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) طيلة أيام المسير. بذلوا الكثير، وتحمّلوا مختلف الطباع، ونفّذوا الرغبات بحسن خلق وأريحية عالية.
خدمة الناس في ظرفنا الراهن مكسب عظيم يُضاف إلى رصيد من نذر نفسه، وبذل عطاءه، وقدّم مما عنده، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وبهذا السلوك تجسّدت وشائج الحب مع صاحب الذكرى، وأعلنت ولاءها له، وانعكست إيجابيًا في حسن التعامل وكثرة العطاء وتنوّع صور الخدمة المقدمة للزوار والضيوف الذين لهم حرمة لا يجوز المساس بها أو جرح مشاعرهم.
وهذه الطاقة الإيجابية التي نالها صاحب الموكب ومن معه جاءت بعد أن نذروا أنفسهم وأموالهم للخدمة. وقصائد حسينية تحكي قصة الواقعة ومظلومية صاحبها، بكلمات تُنحت في قلب المخلص أثرًا، وتُحفّز اندفاعًا، وتزيد عطاءً.
ها هم قد حملوا أمتعتهم على مضض، يعصرهم الحزن ويحدوهم أمل بالرجوع في العام القادم، إن كُتبت لهم العودة، ليكملوا ما بدأوه من خدمة مخلصة لوجه الله تعالى. شباب وشيوخ ونساء وصبية، بل حتى الأطفال، نالوا وسام المشاركة وهم يهتفون: «لبيك يا حسين».
إن هدف هذا الكرنفال العالمي أن تصل رسالته إلى كل من يقرأ ويسمع من شعوب العالم كافة، وهو نابع من ذات عراقية مؤمنة بوحدة الصف، ويجسّد أروع صور التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، كما رأيناه في الموائد التي امتدت على طول طرق المسير نحو كربلاء المقدسة بمختلف اتجاهاتها.
هذا العطاء لم يأتِ من فراغ، بل من إيمان راسخ بمظلومية صاحب الذكرى، ومن أهم الدروس التي يستخلصها المحب:
-
الصبر، وهو من السمات المهمة التي فاقت حد التصور.
-
طاقة التحمّل من خلال مواصلة العمل ليلًا ونهارًا.
-
التفنن في أساليب العطاء.
-
التعاون.
-
التقيد بتعليمات أجهزة الدولة وعدم التجاوز على الممتلكات العامة.
-
احترام القانون والحفاظ على الذوق العام في اختيار القصائد والردّات الحسينية بعيدًا عن الابتذال.
-
تنفيذ تعليمات العتبات المقدسة، والظهور المتميز في أروع مظاهر الحزن، والالتزام بالحجاب.
-
المحافظة على نظافة المكان.
أملنا أن يكون العام القادم أفضل من الحالي، بتنظيم دقيق، وسهولة في التنقل، ونظافة المكان، وانسيابية الحركة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يضيء المقال جانبًا وجدانيًا بالغ الدلالة في زيارة الأربعين، إذ ينتقل من مشهد الخدمة أثناء ذروة المسير إلى لحظة طيّ السرادق التي تختلط فيها دموع الوداع بأمل اللقاء في العام المقبل. ويبرز الكاتب الخدمة الحسينية بوصفها عبادةً وسلوكًا اجتماعيًا تتجسد فيه قيم الصبر والكرم والتعاون والتكافل. وتكمن جمالية النص في أن نهاية الزيارة ليست عنده نهايةً للخدمة، بل عهدٌ مؤجل بالتجدد والعودة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!