كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المنهج النبوي في إدارة الضغوط النفسية / ١

تمرّ علينا بعد أيّام ذكرى شهادة أو وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وشخصية النبي استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، وفي كافة أبعادها وتفاصيلها .. ولا نتحدث هنا عن الجانب الغيبي من الشخصية ، وإنما عن حيثياتها البشرية العادية التي يمكن أن يحوزها كل إنسان ، وبكلمة أخرى ، الجوانب القابلة للتأسي والاقتداء ..
ولقد أشار القرآن الكريم الى هذين البعدين ، البشري والغيبي ، في الآية : [ قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إلي ] الكهف ١١٠ .
فالمقطع الأول [ أنا بشر مثلكم ] هو موضوع التأسي في قوله تعالى [ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ] الأحزاب ٢١ .
أما مقطع [ يوحى إلي ] فهو مغلق بقوله تعالى [ وما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ] الاحزاب ٤٠

وبناءً على هذا الأصل الإسلامي الذي يجري مجرى المسلّمات والبديهيات ، نريد أن نتطرق الى أبعاد نبوية دقيقة في الجانب البشري من شخصيته لا يتم التركيز عليها دائما ، نفسية وسلوكية ، نحن بأمسّ الحاجة الى التأسي بها وتعلّم مهاراتها .. واخترنا موضوع ( المنهج النبوي في إدارة الضغوط النفسية ) ..

فمن يقرأ سيرته المباركة والعطرة سيجد الكمّ الهائل من المضايقات النفسية التي تعرّض لها الرسول في دعوته والقيام بوظيفته الرسالية ، من خوف وقلق وأذى وفقد وربما حالات ضعف ويأس وإحباط لدى بعض أصحابه .. الخ ، ولكنه صلى الله عليه وآله استطاع أن يديرها بنجاح ويتغلّب عليها بتفوّق كامل ..

ونستطيع القول أن سرّ نجاح الثورات الكبرى التي يقوم بها شخص أو أشخاص أو أمة يكمن في هذه التفاصيل الغائبة عن العين المجرّدة في ساحات المواجهة ، بينما في حقيقتها هي وقود الثورة ومادتها التي تستقي منها وجودها وديمومتها ..

سنحاول التطرق في هذه السلسلة الى بعض هذه الحالات وكيف تصرّف معها النبي صلى الله عليه وآله وطريقة علاجها لتكون نقطة قوة بدلاً من أن تكون نقطة ضعف ومؤاخذة :

١. [ إدارة الخوف ]

الخوف : غريزة إنسانية ، وتعرّف على أنها آلة بقاء حيوية ، تنشأ استجابةً لتهديد أو خطر ملموس .
والخوف حالة صحيّة طالما كان متناسباً مع حجم الخطر الفعلي ، ويتحول إلى اضطراب نفسي ( كالرهاب أو الهلع ) عندما يصبح غير عقلاني ، ويعيق الأداء اليومي ، ويستمر دون وجود مبرر واقعي .

والخوف جبلّة إنسانية ، لا يختلف في أصل وجودها إنسان عن آخر ، سواء كان نبي أو غير نبي ، فقد ذكر لنا القرآن الكريم نماذجاً من حالات خوف لبعض الأنبياء ، مثل إبراهيم ولوط وموسى عليهم وعلى نبيّنا السلام ، أما خوف ابراهيم عليه السلام : [ فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ] ، وخوف لوط عليه السلام : [ وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ ] ، وخوف موسى عليه السلام : [ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ] .

ويُذكر في علاج وتبديد المخاوف - المَرَضية - الى اتّباع برنامج معرفي وسلوكي ( عملي ) يساعد وبنجاح كبير على ذلك ، نشير اليها بإختصار :

أما الشقّ المعرفي : فمن خلال تفكيك الأفكار المغلوطة التي تقفز الى الذهن عند مواجهة المخاطر ، فيُبتدأ أولاً برصدها ثم إعادة هيكلتها من خلال التشكيك في صحتها أو نفيها بالمرة وعن طريق إبطال الأدلة المسببة لها وسوق أدلة أخرى نافية وطاردة لها .. ثم استبدالها بسيناريوهات أكثر أماناً وتفاؤلا ..

أما الشقّ السلوكي العملي : فيكون عن طريق مواجهة مصدر الخوف تدريجياً وصولاً الى المواجهة الحقيقية ليتم تقييم الموقف بشكل موضوعي بدلاً من الهروب والاستسلام اعتماداً على تخيّلات ووساوس قد لا تستند الى وقائع .

ولو وجّهنا النظر شطر المنهج النبوي ، لنستجلي هديَهُ في تبديد سُحب الخوف والهلع التي ألقت بظلالها على الرعيل الأول في بعض الحالات وبعض الوقائع ، وهم يؤدّون وظيفتهم اتجاه أسمى دعوة سماوية عُهد بها إلى البشر ، ويحملون رسالة الوجود الأكمل التي تُدبّر معاش الإنسان في عاجله ، وترسم مآله في آجله .. لألفينا هذا المنهج صراطاً مستقيماً ، هو الأبلغ نفعاً والأتمّ أثراً . فهو لا يتنافى مع ما تمخّضت عنه بروتوكولات علم النفس الحديث أو نظريات علم الاجتماع ، بل يرفدها بوقود التجربة ، ويزيدها عمقاً في آفاق التطبيق والممارسة ..

وتنطلق رحلة مواجهة الخوف عند النبي باعتباره قائداً وإماماً وعلى رأس أمّة .. من نفسه وذاته ، ليقطع جذوره ويُطلق قيوده كمقدمة وشرط تصدير ذلك الأمان الى معيّته ومن يقتدي به ..

فيبدأ بإستشعار ( المعيّة الإلهية ) كيقين معرفي مهمّ لقلع منابت الخوف التي قد تجد لها أرضاً خصبة في الذهن ودهاليز التفكير ..

والمعية الالهية في مواجهة الخوف هي وصفة قرآنية قد تعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله ، ففي قصة موسى وهارون عندما كُلّفا بالذهاب الى طاغية زمانهما فرعون ، فلم يضمرا خوفهما بل صارحا به ربهما بقولهما : [ قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ] ، فجاء العلاج الإلهي [ قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ] . وعندما لحقه فرعون وجنوده وأظهر قوم موسى الخوف [ فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ] ، قَالَ لهم [ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ] .

وهذا ما نقرأه في سيرة النبي صلى الله عليه وآله ، في غار ثور ، وقريش تتبعه لتقتله ، فتلخّصت إدارته للخوف في كلمتين لأبي بكر : "ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ". حتى نزلت في ذلك آية : [ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ] .

وكان صلى الله عليه وآله يركز في نفوس أصحابه فكرة وعقيدة مفادها ( أن الله وحده هو النافع وهو الضارّ ) ، وهذه لها أكبر الأثر في الشعور بالأمن والسكينة وتحقير أي تهديد خارجي ، فنقرأ مثلاً في وصيّته لابن عباس : [ يا غلام ، إني أعلمك كلماتٍ ، احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألتَ فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعـوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك ، رُفعت الأقلام ، وجفَّت الصحف ] .

ولو انتقلنا الى الشق الآخر ، أي الشق السلوكي الذي كان رسول الله يواجه به أسباب ونوبات الخوف ، وخاصة في المعارك والغزوات ، وكيف يدير تلك اللحظات الحرجة ويحولّها الى صالح الرسالة ..

فمثلاً يصف لنا القرآن الكريم حال المسلمين في معركة الأحزاب وصفاً دقيقاً ومهولا : [ إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ، هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ] . في هكذا أجواء وهكذا ظروف حرجة ، مع تواتر الأخبار المفزعة فيما يخص عديد جيش الأحزاب وعدته والذي بلغ أربعة وعشرين ألفاً والمسلمون ثلاثة آلاف ..!! نجد أن رسول الله يعبر بهم من حالة الخوف والهلع الشديد ، الى حالة أمل وبشرى كبيرين ، حيث يروى : أنه عندما اعترضت المسلمين اثناء حفر الخندق صخرة عظيمة شديدة لم تكسرها الفؤوس ، جاء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأخذ المعول وضربها ، فتكسرت وصارت رمالاً منثورة ، وفي كل ضربة كان يكبّر ويخبر ببشارة :

الضربة الأولى / قال : « الله أكبر ، أُعطيتُ مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة » .

الضربة الثانية / قال : « الله أكبر ، أُعطيتُ مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض وأطرافه الساعة » .

الضربة الثالثة / قال : « الله أكبر ، أُعطيتُ مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا » .

مما أعاد لهم التوازن الفكري والنفسي في مواجهة الأخطار والتحدّي الكبير الذي ينتظرهم . فكان يعلّمهم النظر الى هكذا تهديدات من زوايا أخرى أكثر إشراقة للنفس وأعظم أثراً إيجابيا لها .

تكملة إدارة الخوف .. يتبع .

✦ كتابات في الميزان ✦

يقدّم النص قراءة لافتة في السيرة النبوية من زاوية نفسية وسلوكية، فيحوّل «إدارة الخوف» من فكرة وعظية مجردة إلى منهج يقوم على اليقين بالمعية الإلهية ثم المواجهة العملية للخطر. وتكمن قوته في الجمع بين الشاهد القرآني والسيرة ومفاهيم علم النفس الحديث، مع ضرورة إبقاء المقارنة مع العلاج المعرفي السلوكي في إطار التقارب والاستئناس لا المطابقة العلمية الكاملة. وهو مدخل موفق لسلسلة يمكن أن تمتد إلى الحزن والقلق والفقد والإحباط وإدارة الأزمات.

غار_حراء.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!