كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

نحو حكومة أغلبية في العراق: إعادة تصميم قواعد اللعبة السياسية

 منذ عام 2003 والعراق يدور في حلقة مفرغة. حكومات تُشكَّل بالتوافق، وبرلمان متشظٍّ، ومعارضة غائبة أو ضعيفة. والنتيجة كانت واضحة: لا أحد يتحمل المسؤولية عند النجاح، ولا أحد يُحاسَب عند الفشل.
المشكلة لم تكن في الأشخاص فقط، بل في «القواعد» التي أنتجت هذا الواقع. فبدون قواعد واضحة، سيبقى شعار «حكومة الأغلبية» مجرد أمنية. والسؤال الحقيقي هو: كيف نصمم نظاماً انتخابياً ودستورياً قادراً على إنتاج أغلبية سياسية مستقرة؟
الجواب، بحسب رؤية هذا الطرح، يكمن في ثلاثة مداخل مترابطة: قانون انتخابي منتج، وتعديل دستوري منظم، وتوقيت انتخابي يمنع الفراغ.
أولاً: قانون انتخابي يكسر التشظي
أحد أسباب عجزنا عن تشكيل أغلبية هو طبيعة النظام الانتخابي. فالنظام الحالي يفتح الباب أمام عشرات الكتل الصغيرة، فتتحول عملية تشكيل الحكومة إلى سلسلة طويلة من المساومات. وكل كتلة، مهما كان حجمها، تصبح شريكاً ضرورياً.
لمواجهة ذلك، يُطرح اعتماد «دائرة انتخابية واحدة» على مستوى العراق، مع الإبقاء على «القوائم المفتوحة». هذه الصيغة تدفع القوى السياسية إلى الخروج من عباءة الجغرافيا والمكونات الضيقة، وتجبرها على تقديم برامج وطنية تخاطب العراقي أينما كان.
ولكن الدائرة الواحدة وحدها لا تكفي. يجب أن تُقرن بـ«عتبة انتخابية» مناسبة، مثل 5%. وهذه العتبة ستعمل كفلتر يمنع دخول الكتل الهامشية جداً إلى البرلمان.
الهدف ليس تقليل عدد النواب لمجرد التقليل، وإنما الوصول إلى برلمان يضم عدداً محدوداً من القوى السياسية الكبيرة؛ قوى قادرة على أن تشكل حكومة واضحة المعالم، وفي المقابل تبرز معارضة واضحة أيضاً. فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد الانتخاب، بل تكتمل عندما يعرف المواطن من يحكم اليوم، ومن سيحاسبه غداً.
ثانياً: انتخاب رئيس الجمهورية... من التوافق إلى الشرعية الشعبية
تمثل آلية انتخاب رئيس الجمهورية عقدة دستورية أخرى. فاشتراط حصول المرشح على ثلثي أعضاء مجلس النواب في الجولة الأولى جعل المنصب رهينة للتوافقات البرلمانية. وكم من مرة تعطلت مؤسسات الدولة بسبب تأخر انتخاب الرئيس.
هنا يبرز خيار «الانتخاب المباشر من الشعب». وهذا الخيار يمنح رئيس الجمهورية شرعية مستقلة، غير خاضعة لمساومات الكتل السياسية بعد الانتخابات.
لكن هذا التعديل يحمل شرطاً مهماً: لا يمكن منحه شرعية مباشرة من دون إعادة تعريف صلاحياته. فالجمع بين شرعية شعبية واسعة وصلاحيات غامضة قد يخلق ازدواجية خطيرة داخل السلطة التنفيذية.
لذلك، يجب أن يأتي تعديل طريقة انتخاب الرئيس ضمن حزمة متكاملة تعيد تنظيم العلاقة بين رئاسة الجمهورية والبرلمان ورئاسة الوزراء.
ثالثاً: توقيت انتخابي ينهي الفوضى
حتى مع أفضل القوانين، ستبقى العملية السياسية هشة إذا لم يكن هناك جدول زمني واضح. فالفراغ المؤسسي وتأخر تشكيل الحكومات أصبحا سمة متكررة.
الحل هو «فصل الاستحقاقات الانتخابية». فبدلاً من أن تجري كل الانتخابات في توقيت واحد، يمكن توزيعها.
مقترح عملي هو أن تُجرى انتخابات «رئيس الجمهورية ومجالس المحافظات» في موعد واحد، ثم تُجرى «الانتخابات البرلمانية» بعدها بسنتين.
هذا التصور يحقق ثلاث فوائد. أولاً، يبدأ مجلس النواب الجديد عمله بوجود رئيس جمهورية منتخب أصلاً، فينتهي سبب رئيسي للتعطيل. ثانياً، يقلل من الكلفة والجهد اللوجستي عبر دمج استحقاقين. ثالثاً، يخلق إيقاعاً سياسياً مختلفاً لا يجعل مصير كل مؤسسات الدولة متوقفاً على يوم انتخابي واحد.
والأهم من كل ذلك هو تثبيت هذه المواعيد بالقانون وربطها بآليات واضحة لتسليم السلطة، حتى لا يبقى العراق أسير التأجيل والتسويف.
خاتمة: من التوافق إلى المؤسسات
الخلاصة أن حكومة الأغلبية لن تولد من تعديل قانون واحد. إنها تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من الناخب وتنتهي بالحكومة. نحتاج إلى قانون انتخابي يشجع التجمعات الكبيرة، وبرلمان قادر على فرز أغلبية، ودستور واضح يحدد العلاقات، وتوقيت انتخابي يمنع الفراغ.
ويجب التأكيد أن حكومة الأغلبية لا تعني إلغاء التعدد أو إقصاء المكونات. على العكس، هي الضمان الحقيقي للديمقراطية: أغلبية تحكم وتتحمل المسؤولية، ومعارضة تراقب وتحاسب، وكل ذلك تحت سقف الدستور والقانون.
العراق لا يحتاج فقط إلى تغيير من يحكم، بل يحتاج إلى تغيير القواعد التي تُنتج من يحكم. وعندها فقط، يصبح الانتقال من دولة التوافق والمحاصصة إلى دولة الأغلبية والمعارضة والمؤسسات ممكناً.

✦ كتابات في الميزان ✦
إنَّ الانتقال إلى حكومة الأغلبية لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء قواعد دستورية وانتخابية تجعل الأغلبية مسؤولة عن الحكم، والمعارضة قادرة على الرقابة والمحاسبة، والمواطن قادرًا على معرفة مَن أنجز ومَن أخفق.

حكومة_الزيدي.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!