هل تُريدُ معرفةَ المؤمنِ ؟ فمَنِ المؤمنُ ؟ قراءةٌ في ضوءِ حقيقةِ المقامِ المحمديِّ الأَعظمِ: رُبَما يَذهبُ الفِكرُ إِلى أَنَّ الإِجابةَ ستقومُ على عرضِ تعريفِ الإِيمانِ ، وتَعدادِ صفاتِ المؤمنِ مِن مَّسقاها الرئيسِ (القرآنِ الكريمِ). ليس كذلك ؛ فإِنَّ الإِجابةَ - وإِن كانت مِن هذا المَسقَى الذي ﴿لا يَأتيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ ولا مِن خَلفِهِ تَنزيلٌ مِّن حَكيمٍ حَميدٍ﴾ [فُصِّلت/٤٢] - لا تعرِضُ ذلكَ التعريفَ ، ولا ذلكَ التَّعدادَ ، بل ستقومُ على أَنَّ مِعيارَ الإِيمانِ هو الرسولُ الأَحمدُ (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه). فمَن سَلَّمَ لهُ تسليمًا طاعةً مُّطلقةً لَّه (صلَّى اللٰـهُ عليه وآلِه) ولحُكمِهِ وقضائِهِ الذي يُصدِرُهُ ، ولأَمرِهِ الذي يُوجِّهُ ويُوصِي ويُرشِدُ به فهو المؤمنُ حقَّ اليقينِ. ومَن أَعلَنَ شهادتَهُ القوليةَ بـ(لا إِلٰهَ إِلَّا اللٰهُ ، محمدٌ رَّسولُ اللٰهِ) مُنضَوِيًا تحتَ عباءةِ الإِسلامِ دِينًا لَّهُ ، مؤدِّيًا عباداتِه ومعاملاتِهِ باسمِ الإِسلامِ ولم يُسلِّم تَسليمَ طاعةٍ مُّطلقةٍ لرسولِ اللٰهِ (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) ، ورفضَ حُكمَهُ - في أَيِّ ميدانٍ وموضوعٍ كانَ - وعارَضَ أَمرَهُ وتوجيهَهُ ووَصيَّتَهُ وإِرشادَهُ ، مُظهِرًا الإِسلامَ مُبطِنًا النفاقَ ؛ فلا إِيمانَ له ، وما هو بمُؤمنٍ. وحقيقةُ هذا المعيارِ (الإِلهيِّ) - الجاري مُذ إِقرارِهِ نصًّا قرآنيًّا ﴿لا يَأتيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ ولا مِن خَلفِهِ تَنزيلٌ مِّن حَكيمٍ حَميدٍ﴾ [فُصِّلت/٤٢] حتى نهايةِ الدنيا - هي قولُهُ تعالى: ﴿فلا ورَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بينَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِّمَّا قَضَيتَ ويُسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾ [النساء/٦٥]. ومعنى (شَجَرَ) اختلَطَ ، وهو مِن (الشَّجْرِ) بمعنى الاختلاطِ ، ومنهُ سُمِّيَ الشَّجَرُ شَجَرًا لاختلاطِ غصونِهِ ، وتداخُلِ ورَقِهِ وثمرِهِ ؛ فكلُّ أَمرٍ يختلفُ فيه اثنانِ ، أَو جَمْعانِ ، أَو حِوارانِ في أَيِّ ميدانٍ كانَ يُسمَّى (شَجْرًا) لاختلاطِ الآراءِ فيهِ وتشابُكِها ، وتعارُضِها ، وتخاصُمِها حتى تَصِلُ الحالُ فيه إِلى الاعتداءِ والتصادُمِ والتحارُبِ بما له من تبعاتٍ مؤسفةٍ وغيرِ مقبولةٍ. وهذا الإِقرارُ الإِلهيُّ قد زانَه توكيدانِ قويَّانِ أَولُهما للردعِ والتوثيقِ وهو (لا) النافيةُ ، والآخَرُ قَسَمٌ مِن رَّبِّ العزةِ نفسِه عزَّ وجَلَّ إِذ أَقسَم هو نفسُهُ سبحانَهُ بنفسِهِ بكلمةِ (رَبِّ) المُضافةِ إِلى النبيِّ (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) بالضميرِ المُكَنَّى به عنهُ وهو (كافُ المُخاطَبِ) تكريمًا لَّهُ ، وتعظيمًا بشأنِهِ ومكانتِهِ ومِكنتِهِ عندَ اللٰهِ تعالى من جهةٍ ، وتحقيقًا إِلى العالمينَ عامةً والناسِ خاصةً لهذه المكانةِ والمِكنةِ التي شَرُفَ بها الرسولُ الأَحمدُ (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) حصرًا عندَ اللٰهِ تعالى في عبارةِ القسَمِ (فلا ورَبِّكَ) المُمهَّدةِ بـ(فاءِ) التفريعِ ، أَوِ الاستئنافِ ؛ وكلاهما يُؤَسِّسُ لبيانٍ جديدٍ يُفصِّلُ - بما لا يَقبَلُ شَكًّا قطُّ - ما سبقَه. ممَّا مرَّ - بحقيقةِ النقلِ ، وتحليلِ العقلِ - نُوَثِّقُ أَنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ الذي تحصَّلَ على شرفِ الإِيمانِ الحقِّ هو الذي امتثلَ لأَمرِ الرسولِ (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) ، ولم يتحرَّجْ منه ولو كان على حسابِ مصلحتِهِ الخاصةِ ، وسَلَّمَ لَّهُ بالطاعةِ المطلقةِ لهُ ولحُكمِهِ ، وأَمرِهِ ، وقرارِهِ ، وتوجيهِهِ ، ووصيتِهِ ، وإِرشادِهِ على الصعيدَينِ القوليِّ والعمليِّ ، الفرديِّ والمجتمعيِّ ، في الحاضرِ والمستقبلِ بلا حدودٍ مكانيةٍ ، ولا قيودٍ زمانيةٍ بمِصداقِ قولِهِ تعالى: ﴿وما يَنطِقُ عنِ الهَوَى ، إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُّوحَى﴾ [النجم٣-٤] ؛ فحُكمُهُ (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) هو الحُكمُ الصادرُ عن اللٰهِ تبارَكَ وتعالى ، وبلزومِ الامتِثالِ لقولِهِ تعالى: ﴿... وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فخُذوهُ وما نَهاكُم عنهُ فانتَهُوا واتَّقُوا اللٰهَ إِنَّ اللٰهَ شَديدُ العِقابِ﴾ [الحشر/٧] ؛ فكُلُّ حُكمٍ أَتى بهِ الرسولُ (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) وأَمَرَ أُمَّـتَهُ بالأَخذِ به للعملِ بموجبِهِ حتى نهايةِ الدنيا فهو الواجبةُ إِقامتُهُ طاعةً وتسليمًا له (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) ؛امتِثالًا لحُكمِ اللٰهِ تعالى ولأَمرِه ، وكلُّ قولٍ وفِعلٍ نهَى عنهُ (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) وأَمَرَ أُمَّـتَهُ بتَركِهِ للابتعادِ عنهُ حتى نهايةِ الدنيا فهو الواجبةُ مُقاطعتُهُ طاعةً وتسليمًا له (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) ؛ امتِثالًا لحُكمِ اللٰهِ تعالى ونَهيِه. فهل مِن إِيمانٍ لدى مَن خالَفَ ويُخالِفُ ؟ وهل يستحقُّ وصفَ (المؤمنِ) من لم يُحكِّمْ رسولَ اللٰهِ (صلَّى اللٰـهُ عليه وآلِه) فيما اختلطَ وتشابَهَ عليهِ من الأُمورِ ، ومَن وَجَدَ الحرجَ والضِّيقَ والامتعاضَ مِن حُكمِهِ وقضائِهِ بسُنتِه وهي سُنَّةُ اللٰهِ تعالى ، ومَن لم يُسلِّمْ تسليمَ طاعةٍ مُّطلَقةٍ له (صلَّى اللٰهُ عليه وآلِه) ولحُكمِهِ وقضائِهِ العَدْلِ الرحيمِ هذا ؟! وحقيقةُ ما مرَّ يُجَلِّيها لمؤمنٍ مُتبصِّرٍ قولُهُ تعالى: ﴿قالَتِ الأَعرابُ آمَنَّا قُل لَّم تُؤمِنُوا ولكِن قولُوا أَسلَمْنا ولَمَّا يَدخُلِ الإيمانُ في قُلوبِكُم وإِن تُطيعُوا اللٰهَ ورَسولَهُ لا يَلِتْكُم مِّن أَعمالِكُم شيئًا إِنَّ اللٰهَ غَفورٌ رَّحيمٌ﴾ [الحُجُرات/١٤].
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش المقال معيار الإيمان الحقيقي في ضوء قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ...﴾، مؤكدًا أن الإيمان لا يقتصر على الشهادة اللفظية وممارسة الشعائر، بل يتجلى في طاعة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وقبول حكمه من دون حرج أو اعتراض. ويميّز الكاتب بين الإسلام الظاهري والإيمان الراسخ في القلب، جاعلًا التسليم لله ورسوله الميزان الذي تُختبر به حقيقة الانتماء الديني.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!