١- في عبارةِ (( ولأُنادِيَنَّكَ أَينَ كنتَ يا وليَّ المؤمنين)). النظَرُ التصويبيُّ في عبارةِ ((أَينَ كنتَ)) ؛ فلا يجوزُ تحييدُ اللٰهِ سبحانَهُ في مكانٍ يكونُ فيهِ كي يُّقالَ: ((أَينَ كُنتَ)) ؛ فالعبارةُ ليست للمُخاطَبِ - إِذًا بل للمُتكلِّمِ الذي يدعُو وصوابُها: (ولأُنادِيَنَّكَ أَينَما كُنتُ يا وليَّ المؤمنين) أَي لا أَلجَأُ إِلَّا إِليكَ وحدَكَ مُناديًا داعيًا متوسِّلًا سائلًا بوَصفِكَ (وليَّ المؤمنينَ) ولا وليَّ لهُم سواكَ في أَيِّ مكانٍ جعلتَني أَنتَ فيهِ في شقاءٍ أَم في سعادةٍ.
٢- في عبارةِ ((وهو يُناديكَ: يا رَبَّهُ)). النظَرُ التصويبيُّ في عبارةِ ((يا رَبَّهُ)) ؛ فلا يَجوزُ لمَن يُّنادي مُتضرِّعًا لنفسِهِ وهو مُستغيثٌ باللٰهِ سبحانَه باسمِ (رَبّ) أَن يَّقولَ: (يا ربَّهُ) وهو يدعو لآخَرَ مُنزِّهًا نفسَهُ عن مُسبباتِ هذا الدعاءِ والتضرُّعِ والاستغاثةِ ؛ فالعبارةُ للمتكلِّمِ الداعي نفسِهِ ، والصوابُ هو ((وهو يُنادِيكَ: يا ربَّاهُ)) كما نقولُ مُستغيثينَ: (يا محمَّداهُ ، يا عليَّاهُ) ، وكما ورد في قصةِ (وامُعتَصِماهُ) ؛ فلا يجوزُ: (يا محمَّدَهُ ، يا عليَّهُ ، وامُعتَصِمَهُ).
٣- في عبارةِ ((وما كانَ لأَحَدٍ - فيها - مَقَرًّا وَّلا مُقامًا)). النظَرُ التصويبيُّ في عبارةِ ((مَقَرًّا وَّلا مُقامًا)) ؛ فلا يجوزُ نَصبُ فاعلِ (كانَ) التامةِ إِن كانت هنا تامةً بمعنى (ما وُجِدَ ، ما ثَبَتَ) ، ولا نَصبُ اسمِ (كانَ) الناقصةِ إِن كانت هنا ناقصةً تستدعي اسمًا (مقرٌّ) تُخبِرُ عنهِ وتُسنِدُ إِليهِ في سياقِ زمانِها ، وخبرًا (لأَحَدٍ) تُخبِرُ بهِ وتُسنِدُهُ في سياقِ زمانِها ؛ فالصوابُ في الاحتمالَينِ الدَّلاليَّينِ هو ((وما كانَ لأَحَدٍ - فيها - مَقَرٌّ وَّلا مُقامٌ)).
ولا يَجوزُ هنا الركونُ إِلى مَطِيَّةِ (التقديرِ) لتَنقُلَ المتكلِّمَ إِلى اصطِناعِ تركيبٍ لم يقُلْهُ الإِمامُ عليٌّ (عليهِ السلامُ) بلسانِهِ العربيِّ المُبينِ نقلًا عنِ الخضرِ (عليهِ السلامُ / صاحبِ الدعاءِ) بأَنَّ المرادَ هو (وما كانَ المَقرُّ والمُقامُ لأَحَدٍ - فيها - مَقَرًّا وَّلا مُقامًا)) بجَعلِ (مَقَرٌّ) المقدَّرةِ اسمًا لـ(كان) محذوفًا و(مُقامٌ) معطوفًا عليهِ ، وجَعلِ (مَقَرًّا) هو الخبرَ وما بعدَهُ معطوفًا عليه أَي (وما كانَ المَقرُّ والمُقامُ ...مَقَرًّا وَّلا مُقامًا) ؛ فهذا وضعٌ وتدخُّلٌ من غيرِ المتكلمِ في كلامِهِ الذي قاله وما قالَ ما قُدِّرَ فيهِ زعمًا ودسًّا علاوةً على رَكاةِ هذه العبارةِ ، وتعارُضِها مع المبلغِ البلاغيِّ واللغويِّ الأَعلى لأَنيرِ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ) الذي قال: ((وإِنَّا لأُمَراءُ الكلامِ ، وفينا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُه ، وعلَينا تَهَدَّلَتْ غُصُونُه)).
وأَرى أَنَّ الصوابَ في الروايةِ هو (وما جَعَلْتَ لأَحَدٍ - فيها - مَقَرًّا وَّلا مُقامًا) باستقامةِ تَكرارِ الفعلِ (جَعَلْتَ) في موضعَينِ متتاليَينِ من جهةٍ ، واستقامةِ الموسيقى والسَّجعةِ وعدمِ تنافُرِها من جهةٍ أُخرى. ومعروفٌ لدى الجميعِ أَنَّ الروايةَ يجري عليها من (السهوِ ، والخطأِ ، والعمدِ) الإِملائيِّ ما هو شائعٌ ومعروفٌ. واللٰهُ أَعلمُ.
✦ كتابات في الميزان ✦
يطرح المقال اجتهادًا لغويًا جريئًا في ثلاث عبارات من دعاء كميل، مستندًا إلى الدلالة العقدية والقواعد النحوية والموسيقى التعبيرية للنص. وتتمثل قوته في إيقاظ السؤال حول أثر الضبط والرواية في توجيه المعنى، ولا سيما التفريق بين «كنتُ» و«كنتَ» وقراءة تركيب «مقرًّا ولا مقامًا». غير أن الانتقال من احتمال لغوي أو نحوي إلى تصويب نصٍّ تراثي يستلزم جمع النسخ القديمة ومقارنة طرق الرواية وأقوال المحققين، مع استقصاء وجوه التخريج قبل نفيها. ومن ثم يفتح المقال بابًا مهمًا للبحث، لكنه يحتاج إلى سند نصي وتحقيقي يوازي جرأة أحكامه اللغوية.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!